الأربعاء، 26 يوليو 2017

الكلام المسهوك....تأملات فى الخطاب السياسى الدارج4


يتخذ الخطاب الموجه إلى جهة ما أصنافاً متعددة فهو قد يكون محادثة إن توجه لشخص تواجهه وتباشره بالكلام . وقد يكون حواراً إن كنت تطرح موضوعاً للمناقشة وتتوقع تفاعلاً ممن تخاطبه. وقد يكون خطبة إن كان موجها لجماعة معلومة تباشرها بالكلام ولا تتوقع منها الرد . وقد يكون كلاماً مبثوثاً عبر وسيط لجمهور غير محصور ولا معلوم، ثم جاءت الوسائط الجديدة فإختلطت الأمور بين المحادثة والخطبة والبث العام . بيد أن الخطاب السياسى لم يتهيأ بعد للتلاؤم مع مستجدات التكنولوجيا والوسائط الجديدة. فلا يزال يحافظ على خطابيته التى لا تتوقع تفاعلاً من الطرف المخاطب ، ولا تأبه فى أحيان كثيرة من يكون ذلكم المخاطب . ولذلك فهوخطاب أشبه مايكون بالطلقة الطائشة لا تصيب هدفا إلا بالمصادفة المحضة.
الكلام المسهوك... عبثية الخطاب السياسى:
أشرنا فيما سبق إلى إمتلاء الخطاب السياسى العربى بالمسكوكات والعبارات الخاوية أو الفقيرة المعنى ،ذلكم أنه أقرب إلى كونه تقريرات من كونه خطاباً موجهاً للإقناع.فطبيعة الحالة السياسية السائدة لا تجعل الإقناع أمراً مهماً أو أن يسعى السياسى (وبخاصة صاحب السلطة) للإقناع بإختياراته مهما تكن مجانبة للصواب مفارقة للمنطق السليم أو القسطاس المستقيم.وقد يعلم العقلاء أن جوهر السياسة الراشدة أنها مشاورة ومساجلة. فبلاغة الخطاب السياسى هى بلاغة مشاورة وحوار.ذلكم أن مقصود السياسة هو التدبير ولا يكون تدبير إلا بإستصحاب السواد الأعظم من الناس الفاعلين أو جمهورهم الأغلب، ولا يكون ذلك إلا إقناعاً أو إكراهاً. وقد علم الناس منذ عهد قديم إنه من العسير إكراه غالب الناس غالب الوقت، ولذلك فإن بلاغة الخطاب وبلاغة الإقناع هى آلة السياسة التى ما منها من مندوحة . بيد أن ساستنا فى العالم العربى بات يخفى عليهم المعلوم من الأمر للكافة، فحسبوا أن تدبيج الكلام فى تقريرات مكتنزنات بمسكوك ومسهوك الكلام يمكن أن يجديهم سائر الوقت.وتأمل ما تشهده الساحة العربية هذه الأيام من أحداث وما تُرجع أصداؤها من خطاب سياسى فارغ من كل مفهوم مفارق لكل منطق معلوم.
إن جوهر السياسة هو أخذ الآخر فى الإعتبار ليكون بالإقناع من أهل الموالاة والمؤازرة أو إن كان من أهل المناوئة والمعارضة فبالإحتواء وتقليل الأضرار.فالناس لا يعدو أن يكون أحدهم موالياً نستديم ولاءه بالإقناع ، أو أن يكون منازعاً نحتوى نزاعه بالمناظرة والمساجلة لإقناعه أو عزله عن من سواه ، أو أن يكون منقاداً لسواه بغير بصيره بالإستهواء لموالى أو المناوىء فهو تبع لمن تابع . فالسياسة هى دائرة التشاور والحوار والمناظرة، وإلا صارت دائرة للمنازعة والتعانف.وقد أخذت السياسة إسمها من ساس يسوس الذى هو من الترويض فهى تفترض إبتداء ضرباً من التجاذب والمقاومة قبل أن تسلس الأمور وتسلم قيادها.وهى بذلك تتعامل مع وضع قائم يشتمل على نوع من المقاومة الطبيعية أو النفسية أو الإجتماعية بقصد تغييره نحو وضع جديد يُظن أنه الأفضل وأنه المفيد.فالسياسة درء وضع يُظن عدم ملاءمته وجلب وضع جديد تُظن فائدته ومنفعته. والمعتاد فى الطباع أنها تأنس لواقع الحال مهما كان راهنه فقير بئيس، فالناس يخافون الإنزلاق إلى وضع أسوأ لذلك يلجأون للمحافظة على ما هم عليه . ومهمة السياسة هى تغيير الأوضاع للأحسن أو حيث يظن الساسة أنه الأحسن، ولذلك فهى تعمل بخلاف إتجاه الرياح.ولذلك فهى إما أن تبذل جهداً مضاعفاً فى إقناع الناس أو تفرط فى قمعهم إن هى أرادت تعديل الأوضاع بصورة ملموسة. ولاشك أنه مع حالة فقر الأفكار التى يعانى منها الملأ السياسى فى منطقتنا فلا عجب أن يكون طابع السياسة قمعى ومن يلجأ للقمع فلا شك أنه لن يبذل جهداً كبيراً فى صياغة بلاغة إقناعية.
بلاغة الإقناع فى مقابل القمع:
كان سقراط وأرسطو وإفلاطون ومن بعدهم الفارآبى وأبن سينا وأبن رشد يصلون بين رشد الفكر ورشد الحكم ،ولاشك ولا مشاحة فى صحة ذلك الوصل . فهكذا يتحدث الكتاب العزيز وصلاً بين الحكمة وفصل الخطاب والحكم بالعدل.والسياسة التى لا تستند على المعرفة سوف تستند على الهوى والتشهى لا ريب فى ذلك ولامراء.والمعرفة إنما تنال بالمدارسة والمشاورة وهو البعد الأول من السياسة الراشدة والذى هو الشورى، وهى وسيلة إكتساب المعرفة وأختزانها ، ولايكون ذلك إلا بالحوار . وما الحوار إلا المساجلة أن تدلو بدلوك وأدلو بدلوى، فالمدارسة حوار والمحااضرة التى تسمى فى أيامنا مثاقفة حوار وكل تفاعل بين جهتين فى المعرفة حوار فما الحوار إلا المراجعة أن أدلى بقول فترجع عليه بقول آخر يعززه أو يفنده. ومن شكول الحوار المناظرة التى تشتمل على المساجلة المنطقية الإستدلالية والبرهانية.والعاقل من ولج لكل مناظرة بعين التدبر والإعتبار ليستفيد من كل ملاحظة ويتقوى بكل حجة ومنطق سديد. وكل مناظرة هى محاججة فى جوهرها فإذا دخلها التعصب صارة عقيمة وصارت بأصحابها للتعانف بدلا من التفاهم.فالتعصب حالة إستهواء مزاجى عاطفى نفسى وهو بلا شك سبيل الضلال ( ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله).وخطاب الإستهواء خطاب هوية فى صفته الأساس بمعنى أنه تطغى عليه العناصر الذاتية الوجدانية لاالعناصر العقلية الفكرية ( ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ) فسبيل الرشاد عند من يوالي الحاكم هو سبيل الحاكم المتغلب فهو الميسم له والمعلم عليه. ولكم يذكر هذا بالخطاب العربى الدارج الذى يستدل على الحكمة بمن صدر منه الكلام إن يكن صاحب سلطة ومقام.وخطاب الهوية هو خطاب نحن وهم .فنحن شارة الإصلاح والتصحيح والخلاص وهم علامة السقوط والإنتهازية والدموية سواء جاء الخطاب من موالين أو معارضينفكيف نطمع بحوار ووتفاعل خلاق أو جدلية مثمرة منتجة؟
فالموالاة عند البعض تعنى التصويب فى كل حال ونفى القصورفى كل جانب، بله من إثبات الفشل أو الفساد ولو كان جزئياً. وما من حكومة إلا فيها الخطأ فى التقدير والقصور فى الإنفاذ، وفيها العجز الادارى والفساد بوجهيه الادارى والمالى مهما تطهرت وتزكت ، فلا شك أن إمتحان السلطان لن تكون نتيجته نجح الجميع لم يفشل ولم يخفق أحد. وأما جهة المعارضة فخطابها ليس خطاب العرض الآخر والبرنامج البديل بل هو خطاب الاعتراض والتعويق وسد الطريق على كل جهد مبذول من أهل الموالاة ولايهم صلاح ذلك الجهد من فساده ولا نفعه من ضره، يكفى أن من تلقاء الحاكمين جاء، فالموالاة تكون على الهوية والمعارضة تكون على الهوية لا على ما ينفع ويضر.
الخطاب السياسى والخطاب الدعائى:
ولئن كنا قد أوضحنا تعريفنا للخطاب السياسى إلا أن الخطاب السياسى قد يتخذ أسلوب الدعاية فيصبح خطابا دعائيا قليل المردود من حيث قدرته على الإقناع وليس بالضرورة قليل الفائدة من حيث قدرته على سوق العامة على الانصياع لخطاب السلطة مهما يكن فقير المحتوى متهافت المعانى.وربما نحتاج غلى تعريف موجز لمقصودنا من كلمة دعاية.
عرفت الدعاية بتعريفات عديدة فبعضهم قال (ان الدعاية ما هي الا فن التأثير والممارسة والسيطرة والالحاح والتعبير والترغيب اوالسعى لضمان قبول وجهات النظر والاراء و الاعمال او السلوك) والدعاية هى محاولة(غالبا من مركز سلطة ) التاثير على الشخصيات او السيطرة على سلوك الافراد لاغراض تعتبر غير عملية او مشكوك في قيمتها في مجتمع معين و زمن وهدف معينين وربما تكون ذات أغراض ترويجية تجارية أو سياسية ولكن أسلوبها الذى يركز على الاستمالات العاطفية وربما الإكراه المعنوى لا يتغير فى كل الأحوال.وقديما درسنا أن للسلطة وجهان وجه قسرى عبر القانون ووجه توجيهى عبر النفوذ العلمى والآن اصبح للسياسة أسلوبان للنفاذ أحدهما يتمثل فى القدرة على إستخدام القوة الشرعية وأحيانا غير الشرعية والثانى يتمثل فى القدرة الدعائية.وإستخدام الدعاية المفرط فى زماننا إنما مرده لأزمة الصدقية وأزمة الشرعية.فمن المعلوم أن البضاعة الجيدة تكون بضاعة مزجاة لا يحتاج صاحبها للنداء عليها لتزجيتها وأما البضاعة المشكوك فيها أو غير المعروفة هى التى تحتاج للنداء عليها وأنظر كيف يجهد الباعة أنفسهم آخر النهار بالنداء على بضائعهم غير النافقة. فهكذا يفعل أهل السياسة فهدف الدعاية هو التبرير للسياسات والتصرفات وإضفاء الشرعية
عليها .وطرائق الدعاية تعتمد على الإستهواء أى إثارة مشاعر امشاهد والمستمع والقارىء وبناء إنطباعاته بالإستمالات العاطفية.وأساليب الدعاية إنما تعتمد على بناء قوالب وأنماط جاهزة وتسمية الشىء الواحد بأسماء متعددة وتعتمد الغموض من خلال إطلاق الشعارات والعبارات الفضفاضة وتكرار المعلومات غير الصحيحة وغير الدقيقة لاضفاء الصدقية عليها بالتكرار وإستدعاء أحصاءات غير دقيقة وإستفتاءات غير علمية وإستخدام العبارات الشائعة المستملحة والشخصيات المشهورة والسعى للتماهى مع المزاج العام وليس الرأى العام مع إدعاء أفساح المجال للرأى الآخر وتجشم الموضوعية والتنائى عن الحساسيات الشعبية .ولعل السؤال البدهى الذى يعرض نفسه لماذا يلبس الخطاب السياسى العربى لبوس الدعاية ولا يتخذ سبيل المقاربة الإقناعية ؟ والإجابة بسيطة وهى أن دعائية الخطاب السياسى مرجعها إلى عجزه عن إنشاء تواصل حميم مع الواقع ومع الجمهور الذى يخاطبه ومردها كذلك إلى فقر الأفكار وفقر البرامج الذى تعانى منه السياسة فى العالم العربى وإلى عجزها عن تجديد فكرها أيا كان الفضاء الذى يسبح فيه هذا الفكر إسلاميا كان أم قوميا أم وطنيا قطريا وبالتالى عجزها عن تطوير خطاب يحمل هذا الفكر للكافة.ولاشك أن حالة القطيعة الإجتماعية بين النخب الحاكمة والجماهير المحكومة هى أساس المشكلة.ذلك أن النخبة تعيش حالة طفو فوق الواقع ولذلك فإنها تسعى من خلال الخطاب إلى إصطناع واقع مفترض . ولا يهم كم هى تناقضاته ومفارقاته لوقائع الأحوال . ولكم تختلط العوالم والعبارات والشعارات فى الخطاب السياسى العربى فتأمل على سبيل المثال خطاب الأنظمة القومية الذى يدعو للوحدة ثم تأمل خطابها القطرى المعادى لرفقة النضال من أجل ذات القضية، إنظر الى خطاب بعث العراق وخطاب بعث سوريا والبعوث التابعة لهؤلاء وأولئك ، ثم أنظر لخطاب مصر الناصرية.هذا بشأن القضية المركزية لهؤلاء جميعا قضية الوحدة العربية ثم أنظرغلى خطابهم تلقاء من يصورونه الخصم التى هى أمريكا كيف تكون هى الخصم وهى الحكم فى آن واحد. وكيف تكون هى الشيطان وهى المثال الحضارى فى آن واحد .ثم أنظر إلى خطاب هؤلاء الذى يزعم أن الاشتراكية هى سبيلهم للنهضة والرفاهة وأنظر من بعد إلى سياسات تلك الحكومات وإنجازاتها على صعيد الواقع فالعراق القومى إنتهى عشائرياً وسوريا القومية إنتهت إلى الطائفية ومصر الناصرية إنتهت غلى إستيلاء الجيش على السلطة والمال معاً بلا شركاء ولا حتى أجراء.وأنظر إلى حال الأحزاب اللبيرالية العتيقة مثل حزب الوفد المصرى وكيف لم يبق من ليبراليتها إلا حرية الأسواق، أما حرية المواطن فإمكانها الانتظار. كذلك فإنه حتى الحركات الاسلامية التى يصلها مع الجمهور حبل الدين المتين فشلت هى الأخرى فى الإندماج مع الجماهير الشعبية وفضلت أن تبقى مع النخب المجانبة والمحاربة لها . وهى الأخرى لم تنجز شوطا يذكر فى تجديد فكرها أو تطوير أساليبها . ولذلك بقى خطابها خطاب نخبة وظلت مع بقية النخب فى الطابق الأعلى من المجتمع، بل أن ردات فعل غالب الحركات الإسلامية للدعوات الحقيقية لتجديد الفكر وتطوير الأساليب قد إتسمت بروح شكوكة إن لم نقل روح عدائية تجاه التجديد والمجددين ، وظل الحديث عن التجديد يدور حول قضايا شكلية أكثر منها قضايا مفاهيمية ذات قدرة على تفاعل حيوى مع الواقع الذى إختطفه الأنموذج الغربى فى تفاصيله ومجملاته.ومما لا شك فيه أن أزمة الخطاب السياسى العربى هى أزمة أفكار فى المقام الأول ومالم تشهد المنطقة حقبة تنويرية تتجدد فيها الأفكار ويسود فيها نهج الحوارفسوف يتطاول إنتظار الناس ليوم يبصرون فيه ضؤاً فى نهاية النفق نفق العجزوالإستضعاف و التخلف الحضارى.

الكلام المسهوك....تأملات فى الخطاب السياسى الدارج 3


أجمع كل فلاسفة السياسة أن شرعية نشؤ سلطة حاكمة إنما تبرر بحاجة الناس إليها لدرء الفوضى والنزاعات والدفع الجماعى المنظم للمضار والمفاسد والتضامن الجماعى لتحقيق المصالح وجلب المنافع.بيد أن هذا التبرير النظرى لا يصدقه الواقع فى أحيان كثيرة أو على الأقل ليس فى جميع حيثياته.فلطالما كانت سلطة كثير من الحاكمين تشهياً بهوى الأنفس وظلما وفسادا.وظل الكثيرون منهم لا يجدون تبريرا لوجودهم وإستمرارهم فى السلطة إلا الكلام العفو أو الكلام المكرور المسهوك الذى لايفتقر إلى الصدقية فحسب بل قد يفتقر إلى التماسك اللفظى والمنطقى.
هل الشرعية مسألة خطابية :
رغم غرابة السؤال فإنه يكتسب شرعيته من واقع الحال حيث أصبح الحصول على السلطة والبقاء فيها يعتمد إلى مدى بعيد ليس على ماتفعل الحكومات أو لاتفعل بل إلى ما تقول أو لا تقول.وبخاصة وقد أصبح أهم وسائل السلطات الحاكمة غلى إشهار شرعيتها هى زعمها بتصديها لأخطر المشاكل القائمة ومواجهتها لأهم التحديات المنتصبة سواء كانت قضايا تحرير أو تعمير مثل خطابات التحرر من الإستعمار الجلى أو الخفى أو مناهضة التخلف والفقر وتحقيق العدل الإجتماعى أو تحقيق الوحدة الوطنية أو القومية أو وحدة أهل الملة. وقد أشرنا إلى أن غالب الخطابات السياسية التى تنشد الشرعية إنما تسبح فى هذه الفضاءات التهويمية فى غالبها، على إختلاف فى التركيز بين التيارات المختلفة والمتنوعة.والأمر العجيب أن مثل هذه الخطابات رغم تهافتها اللفظى والمنطقى فى غالب الحال ، أثبت نجاعتها فى حمل أصحابها من الملأ السياسى إلى السلطة وأعانتهم على البقاء بها. وذلك رغم تجارب الشعوب المتكررة مع هذه الخطابات الهواء الجوفاء،الركيكة المبانى المسهوكة المعانى. وحديثنا فى مقامنا هذا إنما ينصب على المنطقة العربية ونحن حلً بهذه المنطقة العربية. والعرب أمة إشتقت إسمها من العُربة والإعراب أى من التعبير والإفصاح وكلمة تعبير هى نفسها حالة إقلاب لكلمة عرب.فاللسان المعرب الفصيح هو أهم صفات العرب.فهم أهل الفصاحة والبلاغة والكلام ، حتى أن إعجازهم وتحديهم كان إعجازا بلاغيا بيانيا فالقرآن قد تحداهم مرارا وتكرارا ونازلهم فى ميدانهم ودعاهم أن يأتوا بسورة من مثله أو حتى بآية واحدة بل لقد أقروا بالعجز إمام بلاغته على لسان الوليد بن المغيرة إذ يقول فى وصف القرآن (والله إن لقوله الذي يقول لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته) فأمة العرب هى أمة الكلام كانت وما تزال رغم ما أعترى قدراتها الإعرابية والتعبيرية من وهن كما وهن لديها كل شىء فإنها لا تزال تقارب غالب تحديات وجودها بالكلام، ولكن شتان ما بين اليوم والأمس فبالأمس كانت الفصاحة والبلاغة هى الصفة والنعت للعرب وصارت الفهاهة والركاكة هى غالب أمرم اليوم ولايزال ساستها وقادتها يسوسونها بالكلام وأى كلام.ورغم إختلافى مع محمد عابد الجابرى فى أمور وإتفاقى مع فى أمور أخرى فإنه مما يوسفنى الإتفاق معه إلى مدى غير قريب فى خلاصته التى خلص إليها بإن( العقل العربى قد فشل فى بناء خطاب متسق حول أية قضية من القضايا التى عاشتها الأمة فى المائة سنة التى مضت) ولئن كان لى من إستدراك فأقول أن عقل النخبة العربية التى فرضت نفسها على الأمة العربية بمختلف تياراتها قد فشل فى إنتاج فكر وخطاب قادر على التصدى لقضايا الأمة ومعضلاتها فى واقع الحال.فما هى المشكلة؟ هل هى مشكلة خطاب أم مشكلة أفكار؟ أم مشكلة سلوك وأخلاق؟لا شك عندى أن الفشل مرتجعه لخلل فى كل ذلك.فمرده إلى الفشل فى إنتاج الأفكار وفى التعبير عنها برصانة وتدقيق وفى الإلتزام بها والإستقامة عليها.
أهل السياسة العرب من هم؟
قلنا أننا لن نتعرف على الخطاب السياسى قبل أن نعرف من هم أهل السياسة فمن هم أهل السياسة فى منطقتنا العربية؟ هل هم أناس إرتقوا إلى سلم القيادة وتسنموا سدتها بما كسبوا من ولاء عامة الناس لهم وبقدرتهم على إقناع الناس بخطاب يلامس ضمير الناس ويحرك هممهم لمجابهة التحديات التى تنتصب أمامهم؟إن أجبنا بالإيجاب كنا أقرب للكذب منا إلى الصدق.فأهل السياسة فى المنطقة العربية إما شيوخ شعائر قفزوا من زعامة القبيلة إلى سدة الدولة أو عسكريون قفزوا من ثكناتهم إلى قصور الحكم أو مثقفون تحالفوا مع هؤلاء تارة ومع الآخرين تارة أخرى أو معهما كلاهما ليتبلغوا إلى حكم لايستوى فيه الحلفاء والنصراء فى الحقوق مع غيرهم فهؤلاء ليسوا إلا أوليجاركية بلغة إفلاطون ولكنها أوليجاكية جديدة. فلئن كانت أوليجاركية إفلاطون هى مكونة من النبلاء والأغنياء فإن هذه فئة من المتعلمين التى تسمى نفسها نخبة أو صفوة تتميز بالتعليم العالى أو السلطة العسكرية وغالبا ما تتقوى بالنسب والصلات القبلية ثم هى تتقوى من بعد بالمال الذى تحوز النصيب الأوفى منه أما نهباً مباشراً فى غالب الحال أو إمتيازات غير مستحقة. والقرآن أسمى هذه الأوليجاركية (الملأ) فى أكثر من آية.ولئن كانت السياسة أكثر إنفتاحا فى المجتمعات الغربية بحيث يتاح مرارا للعامة التنافس عليها فإن العامى فى المنطقة العربية لن يبلغ إلى السلطة مالم تعلو مرتبته فى السلطة العسكرية ثم يتحالف مع قوى تقليدية عشائرية أو طائفية للبقاء فيها.لذلك فإن الوصول للسلطة لا يعتمد على إقناع فئات الشعب بل إقناع الوكلاء العشائريين أم الطائفيين أو التحالف معهم بعد التوصل إلى السلطة بالغلبة العسكرية.فالخطاب السياسى يتوجه بالأساس للحلفاء لا عبر الجمل والعبارات ولكن عبر الإشارات والتلميحات.ولاعجب إذا أن يكون الخطاب ضعيفاً فى بنيته البلاغية غامضاً فى تأديته للمعانى ولكنه يبقى ناجعاً فى تأمين الوصول للسلطة والبقاء فيها طالما أن الملأ الذى يستند إليه النظام لا يزال متحداً يسند بعضه بعضاًويتبادل المنافع والمصالح بوجه يرتضيه أركانه ويريده سوادهم الأعطم إن لم يكن الجميع.وأعجب ما فى الأمر أن هذه السياسة النخبوية تحوز على رضى جمهور غفير من الناس فيقبلون خطابها ويعززون إستمرارها فى السلطة ولو أخلفتهم الوعد المرة من بعد المرة.فماهو تفسير عدم تفكك شرعية النظم رغم إخلاف وعدها ورغم بؤس خطابها وتهافته من الناحيتين البلاغية والمنطقية ؟هل هو حالة فوبيا من عدم اليقين؟ هل هو فزع من فتن ليلها كنهارها كما نراها اليوم فى الشام واليمن؟ أم هى عقيدة قدرية تؤمن أن الحكام يحكمون بقدر من الله وأنه لا يجوز منازعة أقدار الله والتمرد عليها؟
الخطاب السياسى بين الجدية والإعتباطية:
وسؤال آخر هل يأخذ أهل السياسة خطابهم مأخذا جادا فيتفكرون فى ألفاظ ومعانى ما ينثرونه على الناس من كلام ؟ أم هو حديث عفو مثل المحادثة العابرة لا يعتد بها القائل أو السامع بعد مبارحة المكان؟إجابتى من تدبرى لواقع الحال وملابستى لواقع السياسة أن الخطاب السياسى فى غالبه أدنى إلى الإعتباطية منه إلى التدقيق فى الألفاظ والمعانى. وحتى إذا صيغت جمله وعباراته بلغة رصينة متينة ومعانيه بمنطق فصيح مبين فإن السامع والقائل فى غالب الأحيان يعتبرانه أبن إبانه وموقفه الذى قيل فيه ولا يكون الإلتزام الأدبى أو الفعلى به قويا متيناً. ينبيك عن ذلك كثرة العبارات المسكوكات فيه ثنياه. ومقصدى بالعبارات المسكوكات هى الجمل والعبارات والأقوال والأمثال المحفوظة المكرورة التى يؤتى بها لملء فجوة فى الكلام لتقويته أو لتزينيه.ولغتنا العربية بما لها من تراث تليد فى الأقوال والأمثال والعبارات لا تعجز المقترض ولا ترد المستدين. وكثير من هذه التعابير الجاهزة المعدة للإستعمال فصيح وبليغ وبخاصة الأمثال والأشعار والأقوال الحكيمة ولكن هنالك أيضاً ما يربو على ذلك من العبارات الركيكة والأمثال الرديئة والأقوال التى تقف من الحكمة على الضفة الأخرى . وكثير من الناس ومن أهل السياسة حاطب ليل يجمع فى سلته الحطب النافع مع الثعبان العقور. وأما الموفق من أهل السياسة فسيجد فى لغتنا العربية معيناً ثراً من هذه العبارات الجاهزة التى أصبحت مثل المسكوكات أو الأكليشيهات التى يطبع بالضغط عليه نسخا لا حصر لها ولا عد. وهذه المسكوكات ظلت حية ومتداولة منذ عصر الجاهلية إلى عصور الإسلام وظل بعضها سائراً ودارجاً فى لغة التخاطب العام فى الحياة اليومية والحياة الثقافية على حد سواء. وهى تجىء على هيئة تراكيب لغوية وأبيات شعرية أو عبارات نثرية أو مصادر سماعية وتنقل كما هى وترصف رصفاً فى سياق الكلام.وهذه المسكوكات عند الشخص البليغ كنز ثمين يستعين به على تبليغ المعانى الدقيقة والإشارات الحصيفة. وخير هذه المسكوكات هى الأمثال السائرة التى تؤدى المعنى الدقيق العميق الدلالة بغير تعقيد ولا غموض.والأمثال السائرة إن هى وضعت مواضعها الصحيحة فإنها أداة بلاغية مؤثرة وقادرة على تبليغ المعانى الواسعة أو الدقيقة العميقة .بيد أن الأكثر شيوعا فى لغة الخطاب العام والخطاب السياسى ليست هى الأمثال أو الأشعار أو الحكم وإنما العبارات والجمل واالتعابير الإصطلاحية التى قلما تستخدم فى ما يناسبها من مواضع كأن يقول القائل أنى لا أملك عصا موسى فى التعبير عن إستحالة إنجاز أمر ما.أو يتهم أحدهم الآخر بتعدد المعايير أو مسك العصا من منتصفها أو أن يتهم أحد من الناس غيره بالصيد فى الماء العكر أو بذر الرماد فى العيون.أو عبارة أعطاه الضؤ الأخضر للسماح بعمل شىء.ومثل أن يقال أنظر للجزء الملىء من الكوب أو أن تقول أتحدث من خارج الصندوق أى بغير المعتاد من القول. ولن نستطيع أن نحصى هذه المسكوكات اللفظية التى أصبح الخطاب السياسى متخما بها.ودخل للخطاب السياسى إلى جانب أمثال هذه الإكليشيهات اللفظية عبارات كثيرة ركيكة وهى غير صحيحة صرفاً ونحواً فى أحيان كثيرة ولكن تنتشر(إنتشار النار فى الهشيم) (هذه مسكوكة هى الأخرى ولكننا نضعها موضعها من الكلام)وقد شاعت عبارات فى الأونة الأخيرة فى لغة السياسة حتى أصبحت وكأنها صرعة لغوية مثل عبارة التقييم والتقويم ويقصدون بها التقدير والتقويم وقد لا يعلمون أن كلمتى تقييم وتقويم كلمة واحدة سوى أن أولاهما خطأ شائع.,عبارة سمجة أخرى هى عبارة (الإنجاز والإعجاز) ومثل عبارات أن (الأمر تحت السيطرة )(والضرب بيد من حديد)فإلى أى مدى تفلح أمثال هذه المسكوكات فى توصيل خطاب بليغ مؤثر للسامعين وما أثر نجاحها أو أخفاقها فى فعل ذلك على المشهد السياسى فى بلد ما
،واصل بإذن الله
LikeShow more reactions
Comment

لكلام المسهوك....تأملأت فى الخطاب السياسى الدارج2

ا
د. أمين حسن عمر
كانت خاتمة مقالنا السابق أن الخطاب العربى الدارج هو خطاب بلاغة وليس خطاب إتصال ما يعنى أن إستثارة الإعجاب ببلاغته تبقى أولوية تعلو على مُكنته فى توصيل الأفكار أو تحقيق الإقناع. والخطابة فى أصلها هى فن توصيل المعانى وإستمالة السامع، ولكنها لما جنح بها الجانحون ناحية الصور المتخيلة والأساليب التزينية والمبالغات اللفظية والعبارات المحفوظة،صارت أقرب للدعاية منها للإعلام أو الإقناع . والبلاغة التى مقصدها توصيل الأفكار وتحقيق الإقناع بها جدلية حوارية فى طبيعتها بينما البلاغة التى مقصدها الدعاية محفلية إحتفالية فى جوهرها.
هوية السياسى وهوية خطابه:
لاشك أنه من العسير التعريف بالخطاب دون التعرف على صاحبه، فهوية الخطاب جزء من هوية صاحبه . ومثلما يُتخذ الخطاب ذريعة لتمرير الأفكار فهو يتوسل به للتعريف بصاحبه. وقد يكون التركيز على بناء صورة إيجابية لدى السامع عن صاحب الخطاب أهم فى الأولوية لدى فئام من أهل السياسة إن لم نقل جلهم ، من إيصال اقكار السياسى إليه وتجشم إقناعه بها.وهذا يعنى أن بناء الصورة يأتى عند أهل السياسة وبخاصة فى منطقتنا وبلادنا أولوية فوق كسب إقتناع السامعين بالفكرة. ونعنى بذلك أن خطاب الخطباء من أهل السياسة وإن كان يحمل رسالة ما، و ويحاول نشر فكرة عامة أو محددة مهما كانت بساطتها، لكنهم يهتمون أكثر من ذلك، أو ربما من خلال ذلك، ببناء صورتهم بصفتهم سياسيون أو خطباء أو حزبيون أو تنفيذيون. وهم وإن كانت الرسالة والأيديولوجيا من أهدافهم فهى إنما تُستخدم لتأسيس هوية مفضلة لدى السامعين . فالخطاب السياسى كله يشتمل على رسالة وعلى هوية ولكنما يختلف التناسب والأولوية حسب طبيعة أهل السياسة وطبيعة السياسة السائدة نفسها . فإن كانت سياسة تدبير وإستصلاح برزت الرسالة وتسنمت المحل الأرفع ،وإن كانت سياسة تكالب وصراع كانت الأولوية للهوية ولبناء الصورة الإيجابية عن السياسى ، الأمر الذى لا يتحقق فى غالب الأحوال.
ونحن إذ نتحدث عن الهوية والخطاب الهوياتى لا نتحدث فقط عن الخطاب الفردى والهوية الفردية، بل يشمل ذلك الهوية الجماعية حزبية أو أيدولوجية. فالسياسة المعاصرة أضحت ذات طابع مؤسساتى فالسياسى فى كل حال متحيز إلى فئة حزبية أو سياسية أو أيدولوجية. وهوية الخطاب هى ما ترسم صورة تلك الفئة وما تحدد هويتها بأكثر مما تحدده الأسماء والمقاروالمشاركات العامة . وأما الخطاب السياسى للأفراد المنقطعين ( من يتسمون بالمستقلين) فهو خطاب منقطع مثلهم غير متصل. ذلك أنه خطاب بما ينبغى أن يكون لا خطاب بما يمكن أن يكون. ذلكم لأن طبيعة السياسة أنها ذات صلة بالعمل الجماعى والتدبير المدنى ، ولا يصلح المنفرد المنقطع أن يقوم بأعبائها.ثم أن خطاب المنفرد خطاب معيارى أخلاقى للتحسين والتقبيح لا للإرشاد والتدبير وهو فى غالب الأحوال يجنح للتركيز على تحسين صورة الخطيب بأكثر من التركيز على فكرته. فالمنتمى إلى جماعة بسبب إحساسه بهذا الإنتماء فإنه سوف يتذكر الأفكار التى تصله بالجماعة ولا ينساها، لأنها وسيلته لكسب مودة الجماعة إن لم يكن كسب ولائها. وخطاب السياسى المنفرد هو أشبه شىء بخطاب المنابر الدعوية والدينية الدارجة فى بلادنا.نعنى بذلك أنه معيارى أخلاقى فى أحسن أحواله أو هو متكلف متزيد فى غالب أحواله . ولا يخلو فى أحيان كثيرة من التركيز على بناء صورة إيجابية للخطيب، ولو على حساب إيصال مضامين صحيحة ودقيقة لخطابه الدينى أو التوجيهى والإرشادى. وقد يتداخل الخطاب السياسى والخطاب الدينى المنبرى تداخلاً لايحقق المقصد السياسى من توظيفه فى غالب الأحوال، بينما يؤذى لُحمة التماسك المسجدى والدعوى بغير طائل . وهذا يجلبنا إلى التنبه إلى أن الخطاب السياسى فى منطقتنا بات ينقسم إلى خطابين ، خطاب منطلقاته دينية وخطاب منطلقاته ومرجعياته لا دينية ، وكلا الخطابين له إستمداده وتوظيفه للبلاغة المستمدة من مصادر معرفية دينية. وصار الخطاب يُقسم حسب ميوله نحو المحافظة أو التغيير إلى خطاب يمين وخطاب يسار، ثم أنه صار إلى تقسيم جديد يصنف على أساس أيدولوجى، فما كان إشتراكى النزوع صنف يساراً ، وإذا أبعد النجعة من الفكر الإجتماعى صنف يميناً ، وفى كل الأحوال فإنه تصنيف أدنى إلى الإعتباطية منه إلى المنهجية.
خطاب التدبير وخطاب التأثير:
أوضحنا أن غرض الخطاب هو ترويج فكرة والإقناع بها وتحفيز الناس على العمل بها أو مساندة من يعمل بها . وغرض ذلك كله هو الاستصلاح بمعنى تدبير الأمر العام، بما يتفادى الضرر ويدرءه ويجلب المصلحة والمنفعة وينميها. فالخطاب بذلك ﺣﻘﻞٌ ﻟﻠﺘﻌبير ﻋﻦ اﻵراء وإقتراح اﻷﻓﻜﺎر و تبنى المواﻗﻒ ﺣﻮل اﻟﻘﻀﺎﻳﺎ اﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ . وهى مسائل ﻣثل ﺷﻜﻞ منهج الحكم واﻗﺘﺴﺎم اﻟﺴﻠﻄﺔ وربما إقتراح أطرها والتمييز بين أﻧﻮاﻋﻬﺎ . وقد بينا أن الخطاب اﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﺧﻄﺎب إﻗﻨﺎعي ﻳﻬﺪف إلى سوق السامع للخطاب إﻠﻰ اﻟﻘﺒﻮل واﻟﺘﺴﻠﻴﻢ ﺑﺼﺪﻗﻴﺔ أداء من يخاطبه . وذلكم ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺗﻮﻇﻴﻒ الحجج والبراهين . ثم هو من بعد كونه إقناعى هو تحفيزى يحرك نوازع العمل والمشاركة فى نفوس المخاطبين ، ويعطى شرعية للمقاصد العملية من خلال التسليم بها ، والمشاركة فى تحقيقها . وهو يعطى فى ذات الوقت شرعية للفاعلين السياسيين عبر إضفاء الشرعية على أفعالهم ومشاريعهم ورؤاهم لحل المشاكل القائمة ، أو الفرص السانحة أوالصراعات المحتدمة والنزاعات العالقة ويضمن تصنيفهم إلى جانب الحق والصواب. والشرعية إنما تكتسب ببناء صورة إيجابية للسياسى. فكل سياسى وإن أتى للسلطة غلبة إنما يسعى لتأسيس أو تأكيد شرعيته السياسية . والشرعية التى نشير إليها ههنا ليست المشروعية القانونية ، فقد يأتى الحكام بصورة دستورية وقانونية سليمة ولكنهم قد يفقدون الشرعية السياسية من بعد لأسباب مختلفة ومتعددة بمفارقتهم لقواعد الحكم الراشد . فالشرعية السياسية تعنى الحق فى تسلم الحكم والإستمرار فيه. وقد كان مونتسكيو بين فلاسفة الغرب هو أول من أشار إلى مبدأ المشروعية القانونية والدستورية ولكن معنى الشرعية السياسية أشمل من معنى المشروعية القانونية، لأنه يشمل إستخدام السلطة وإن جرى التوصل إليها بصورة دستورية أوحتى غير دستورية ، لجلب المصالح العامة ودرء المفاسد العامة . ومفهوم السلطة الشرعية إنما يتبلور من خلال الثقافة السائدة والتنشئة الإجتماعية وهو شديد التأثر بالقيم والأفكار والأخلاق السائدة فى المجتمع . كما أنه يتأثر بمدى تواصل وتأثر مجتمع ما بالمجتمعات الأخرى مقارنة بها أو تأسياً بنماذجها . وكذلك فإن المعارض المتشوف للسلطة يسعى هو الآخر لتأسيس شرعية سياسية لمعارضته ولعرض شخصه وأفكاره وتقويماته بديلاً لما هو كائن وقائم . فكما أن السياسى فى الحكم والسلطة يسعى إلى شرعنة إستمراره بها، فإن السياسى خارجها يسعى إلى إضفاء الشرعية على أفعاله فى معارضة السلطة القائمة دعوته لإستبدالها بما يدعو له من شخوص وأفكار وأحزاب. ولا شك أن الخطاب السياسى يزعم فى كل الأحوال أنه خطاب إصلاح وتدبير، ولكن صدقية هذا الزعم من تحققه فى الواقع أمر آخر، وأما أن غالب الخطاب فإنه يُتقصد به إحداث تأثير إيجابى لصالح رسم صورة حسنة للسياسى . وهو الأمر الغالب الذى لا يمارى فيه إلا مكابر. وكل خطاب من هذه الخطابات إنما يسرح فى فضاء من الفضاءات التى يؤثرها . فبعض الخطابات تتحرك فى فضاء المظالم الإجتماعية وغالب الخطاب الإشتراكى يسبح هنالك. وخطابات أخرى تتحرك فى فضاء مناهضة التخلف وتحقيق التقدم الحضارى وغالب خطابات الإسلاميين كذلك، وخطاب يتحرك فى فضاء الدعوة للوحدة والتوحد سبيلاً للتقدم وهو خطاب القوميين بمختلف أصنافهم.. وخطابات تتحرك فى فضاء التنمية الإقتصادية والسياسية، وغالب تحرك الأحزاب الليبرالية صدقت أو كذبت فى ليبراليتها تسبح هنالك. ولايعنى هذا إن التداخل بين الخطابات لا يقع ولكننا نغلب الأمر الغالب ، فكل مقاربة لتصنيف أمر من الأمور إنما تفعل كذلك. وإذا أردنا محاكمة خطاب الإشتراكيين إلى واقع العدالة الإجتماعية إستبان لها حظ خطابهم من التأثير على واقع الحال . وإذا أردنا محاكمة القوميين إلى واقع حال الوحدة لوضح لنا حظ مجمل خطابهم من التحقق فى واقع الدول والمجتمعات . وإذا نظرنا إلى موقع الأمة المسلمة فى متدرج الصعود الحضارى ومتدارك التخلف لعلمنا حظ خطاب الإسلاميين من التأثير على وقائع الأحوال ، فالجميع يتقاصر كلامهم عن مرامهم . وحديثنا عن فضاءات متنوعة لايعنى أن الجميع لا يجمعهم فضاء واحد هو الفضاء الإجتماعى و الوطنى الذى يشملهم جميعا . وهو فضاء منقسم بين نخبة وعامة ولكل قسم لغته وأولوياته وهمومه ومشاغله حتى لكأننا نتحدث عن مجتمع رأسى من طابقين لامجتمع أفقى يتفاعل فيه المتعايشون ويتواصلون. ولما كان الأمر كذلك فإن ناتجته أن جميع من ذكرنا من أصحاب الخطابات إنما يجمعهم خطاب واحد رغم تنوعه هو خطاب النخبة لبعضها البعض وخطابها للعوام . وخطاب النخبة كله خطاب غربة وإغتراب عن واقع حال الجمهرة الغالبة من عوام الناس.هو خطاب لاترى فيه النخبة إلا نفسها ولا تخاطب إلا نفسها وأما سائر الناس فيستمعون وإن شاءوا فيمتنعون.
نواصل بإذن الله

الكلام المسهوك....تأملأت فى الخطاب السياسى الدارج 1



د. أمين حسن عمر
يقول القائلون أن الحرب أولها كلام، كذلك فإن السياسة أولها كلام، لذلك إن كان كلام أهل السياسة أجوفاً لا يمتلىء ماعونه بالمعانى فأعلم أن فعلهم لن يمضى على طريق الصلاح شوطا طويلاً. والعلاقة بين أساليب الخطاب السياسى ومحتواه وبين أساليب طلب السلطة وكيفية إدارتها علاقة وشيجة عميقة. ثم أنه توجد علاقة قوية بين مستوى الخطاب السياسى وبين حالة الرضا وعدم الرضا عن الحالة السياسية . ولا ينحصر الأمر على مستوى الرضا عن الإنجاز للوعد السياسى فحسب. وحالة عدم الرضا البارزة التى تسم الواقع السياسى عربيا ومحليا مرجعها ليس للحصيلة البائسة للمجهود السياسى فحسب، وإنما جزء غير يسيرمنها مرجعه لبؤس الخطاب السياسى أيضا. فالخطاب السياسى الدراج أصبح خطاباً مكروراً مستهلكا، مسهوك الوجهين قليل العائدة فى سوق الإقناع.
ما هو الخطاب السياسى:
الخطاب السياسى عبارة تتشكل من مفردتى الخطاب والسياسة،فالخطاب ليس محض الكلام والمحادثة بل هو كلام تتوضح به مسألة أو طلب أوقضية ما، وذلكم بقصد إقناع المخاطب بها. يقول الزمخشرى الخطاب هو المواجهة بالكلام أو المراجعة به. ويقول أبن منظور هو مفاعلة من المخاطبة ووالمشاورة والمشاورة تعنى المراجعة بالرأى. والخطاب بهذا المعنى لا يستغنى عنه صاحب قضية قط ، فهو وسيلة لتحقيق مبتغاه أياً ما كان أو يكون ذلك المبتغى. يقول أبو هلال العسكرى(كانت الخطب تستخدم فى إصلاح ذات البين، ولحلفاء الحرب وحمالة الدماء والتشييد للملك، والتأكيد للعهد، وفى عقد الإمتلاك ، والدعاء إلى الله ، وفى الإشادة بالمناقب وكل ما أريد ذكره ونشره وشهرته بين الناس) . فهذا شأن سالف أمر العرب مع الخطب والخطابة . وأما السياسة فهى من تولى الأمر والتدبير، والعرب تقول ساس القوم أى تولى أمرهم لتدبير على الوجه الذى يزعم أنه يصلح ولا يفسد. والقواميس العربية تقول عن السياسة أنها الرئاسة وأنها القيام على الأمر بما يصلحه . وموضوع السياسة عند فقهاء الأحكام السلطانية وحكماءالسياسة الشرعية هو الرعاية والتدبير، ومقصدها تحقيق الإصلاح. ونحن نقرأ فى الكتاب العزيز (وشددنا ملكه وأتيناه الحكمة وفصل الخطاب) فالحكمة هى حسن التفكير وحسن التدبير بوضع الأمور مواضعها التى تناسبها. وأما فصل الخطاب فهو التعبير عن هذه الحكمة بعبارة نافذة فاصلة تقطع كل ريبة وشك ، وتدحض كل شبهة وحجة زائفة. وتأمل العلاقة بين تثبيت الملك وتقوية أواصره وبين الحكمة والتوفيق فى الخطاب. وكيف يقع تثبيت السلطان؟ هل بتقوية الحراسات وتكثير الجلاوزة من الجنود كما ذهب إليه بعض المفسرون أوكما يعتقد كثير من حكام زماننا الذى أبتلينا بهم؟ أم ان تشييد الملك وتقويته يكون بتقوية مقبوليته لدى الناس وإحساسهم العميق بمشروعيته القائمة على حسن القول وحسن التدبير؟ فالعلاقة بين الخطاب وقوة مقبولية وشرعية الحكم القائم لا يخطئها إلا غافل أومتغافل .فهدف الخطاب السياسى هو إقناع المخاطبين ببناء صورة مؤاتية وملائمة للمخاطب إياهم، ولقضيته التى يسعى إلى ترويجها والإقناع بها، وليجد أنصاراً على إنفاذها وإعمالها على واقع الحال. يقول فليب بورتون(الخطاب نشاط انسانى يتخذ أساليب تواصلية عديدة ووسائل متنوعة ويهدف إلى قناع شخص أو جماعة ما بتفهم مسألة ما أو المشاركة فى رأى)فمقصود الخطاب هو إقناع المخاطبين وتوجيههم وحفزهم للتصرف على نحو ما يعزز نهج الحكام، ويدعم المقبولية والمشاركة لإنفاذ سياسيته، أوبخلاف ذلك إن كان الخطاب يراد به معارضة ومناوئة الوضع القائم ، وإفشال سياسته وتقوية المجانبة لنهجه ومبادئه. لذلك يلزم أن نفهم أن الخطاب السياسى رغم أن مقصوده هو الإقناع وأنه جدلى وحجاجى فى طبيعته إلا أنه لايقصد إلى الحوار والجدل . بل هو يريد إنصياعاً فكرياً وسلوكياً من المخاطبين، ويتوسل لتحقيق ذلكم الإنصياع الفكرى والسلوكى بأساليب ووسائل متعدده، ربما منها إستمالات عقلية إقناعية وإستمالات عاطفية وإستمالات تعبوية مثل إستخدام المويسقى الحماسية أو الصور والألوان. وهدفه هو تحقيق الموالاة للسلطة أو المناؤاة لها، فهو خطاب سلطة فى المقام الأول من حيث الواقع المشهود، وإن كان المرام المطلوب أن يكون خطاب حكمة لا خطاب سلطة. وأدوات الخطاب السياسى توسعت توسعا هائلاً مع توسع وسائط التواصل ووسائل الإعلام ففى الماضى كان الخطاب المباشر نثراً أوشعراً أو إنشاداً هو الأداة الرئيسة . بيد أن ثورة الإتصالات والإعلام غيرت ذلك تغييراً كبيراً مما أتاح وسائل ناجعة بأيدى أهل السياسة، ولكن الناس قد علموا من عهد إرم أن السيف لا يقطع، وأنما تقطع اليد حاملته وموجهته للأعناق . والإعلام اليوم بأيدى الحذاق اصبح سلاحاً مرعباً، فهو ﺑﺘﻘﻨﻴﺎﺗه الحديثة ووﺳﺎﺋﻠﻪ اﻟناجعة وﺑﻼﻏﺘﻪ بلغة الكلام ولغة الصورة وبتقنيات الصورة المتحركة قد أصبح المساهم الأكبر فى ﺗﺸﻜﻴﻞ صورة الحقائق والوقائع فى أذهان المخاطبين . بل أن أهل علم الإجتماع باتوا يتحدثون عن ﺻﻨﺎﻋﺔ اﻟﺮأي اﻟﻌﺎم فى مصانع الإعلام. فهو بات يصنع كما تصنع لعب الأطفال . وأصبح قوة هائلة تؤثر تأثيراً بالغاً فى تراتبية اﻟﻘﻴﻢ وإتجاﻫﺎت اﻟﺴﻠﻮك . ولئن كان الأعلام قد أضحى صنعة، فقد صار هو الآخر صانعاً ، ﻳﺼﻨﻊ اﻟﺸﺨﺼﻴﺎت ويحدد أدوارﻫا ويرسم صورة اﻟﻠﻌﺒﺔ السياسية وﻗﻮاﻧﻴﻨﻬﺎ ، بل يحدد فى الأمراﻟﻐﺎﻟﺐ، ﻨﺘﺎﺋﺠﻬﺎ . ومن صدق شنشنة أهل الأعلام عن موضوعيتهم وحياديتهم فقد أراد أن ينخدع لمن أراد خداعه .الأعلام المعاصر كله أصبح خطاباً له مرئياته وﻣﻮﺟﻬﺎﺗﻪ اﻹﻳﺪﻳﻮﻟﻮﺟﻴﺔ. بيد أنه خطاب فى أيدى الحذاق ونحن لانتهم أهل السياسة فى بلادنا وفى الإقليم بهذه التهمة فهم منها براء.
واقع الخطاب السياسى العربى:
وقد وضعنا العنوان الجانبى ونسبناه للعربى وكان بالإمكان أن نقول السودانى أو العراقى أو اللبنانى أو المصرى مع حفظ المقامات فى الدرجات والدركات. فآفات الخطاب السياسى العربى واحدة مع تنوع طفيف. وكله خطاب أيدولوجيا وخطاب سلطة قائمة أو متشوفة، وليس خطاب حكمة ولا حسن تدبير. ونحن فى هذه المداخلات ننوى أن نفحص بعدسة مقربة حال الخطاب السياسى العربى وأوضاعه وتأثيراته السلبية على واقع الحال مع إلتفاتة خاصة لواقع الخطاب السياسى فى السودان . ودراسة الخطاب السياسى يعنى دراسة السياسة.ما يعنى أننا نحتاج إلى تعريف مصطلح السياسة الذى أصبح مضطرب المعنى قائم الصورة فى الأذهان .
ومصطلح سياسة بمعناه الدارج اليوم في حياتنا المعاصرة يختزن المفهوم الغربي لهذه المفردة. وذلك المفهوم يجعل دلالتها الأظهر هي ما يتصل بالقوة والسلطة والدولة. إلا أن التمحيص الدقيق لهذه المفردة في السياق الحضاري الاسلامي يبرز من المعني الدلالات التي تتصل بالتربية والتدبير والرعاية وتحصيل المصالح ودرء المفاسد. يقول ابن منظور:- السياسة القيام علي الشئ بما يصلحه والأصل السوس الطبع والخلق والسجية . وفي قاموس مختار الصحاح السياسة هي الإيآلة يقال آل الأمير رعيته من باب قال أي ساسها واحسن رعايتها . وفي ذلك اشارة لطيفة الي ان الوالي ينظر في ما توؤل اليه قراراته وتصرفاته واوامره . فكأن السياسة في الاصل نظر في المآلات وهذا معني صحيح. وكلمة سياسة الي جانب النظر في المآلات تحمل معني التوسل بكافة الوسائل لتحقيق المقاصد .
ومصطلح سياسة الوارد في كتب التراث الاسلامي لا يخرج عن هذا المعني الي المعني المعاصر الرائج الذي يركز علي امتلاك واستخدام السلطة والقوة. فالمصطلح يرد في كتب التراث جميعاً في سياق تدبير المرء لامر نفسه وتدبير المرء لامر اهله وتدبير الامام لامر الأمة. وقد استخدم الفلاسفه مفردة السياسة لتأدية ذات المعني. فعند الفارابي فى كتاب السياسة المدنية فإن رئيس المدينة الفاضلة هو إنسان كامل صار عقلاًمحضاً وتجرد عن شوؤن المادة وهموم الحياة اليومية، وهو المدبر لشان الامة في المدينة . يقول الفارابي "ذلك لانه مستغرق في الله يستضئ بنوره ويقبس من لدنه العلم الالهي الذي هو مصدر التشريع والتدبير للمدينة الفاضلة. اما الفيلسوف ابن سينا فيقول في رسالة (السياسة) وهو يتحدث عن حاجة الناس للسياسة : أن المجتمع البشري لا يصلحه إلا قيام الحكم والتدبير . والسياسة عنده اصلاح وتدبير يقول : ان كلا العقل والشرع اساس الصلاح فالعقل يكشف العيوب . وكشف العيوب ضروري لاصلاح النفس واصلاح الآخرين. وابن خلدون في المقدمة يكتب عن حفظ الدين وسياسة الدنيا به وكل ذلك مهمة الخليفة الحاكم . وكلمة سياسة عند أبن خلدون هي رعاية الخليفة لمصالح الناس في العمران البشري الذي هو مقصد جميع الناس . والغزالي يمضى على ذات النهج . فالسياسة هي تربية النفس على اخلاق الايمان وحملها علي أصول العدل والانصاف . ويحدد فى غاية الوضوح مهمة السياسة الشرعية في اصلاح نفس الراعي وإصلاح شان الرعية. فالسياسة اذاً في مفهومها الحضاري الاسلامي ليس حيلاً للوصول الي السلطة او استخدامها فى وسوسات و خطرات القلوب او تشهيات النفوس وميولها ، بل هي تدبير الانفس والجماعات والمجتمعات بما يصلحها . لتربيتها علي اخلاق الايمان ودرء المفاسد والمعايب عنها . وجلب المنافع والمصالح إليها والاجتهاد فيما يصلح دنيا الناس وتصلح به آخرتهم في عاقبة أمرهم
وأما الخطاب السياسى فهو فحوى ما تقوله السياسة وتزعم أنها تسعى لإنجازه. وربما يتعسر دراسة السياسة دراسة واقعية ما لم نفهم ممارسيها ما يعنى أنه يتوجب دراسة أهل السياسة للمزيد من فهم السياسة يقول هارولد لاسويل (دراسة السياسة هى دراسة أولى التأثير وتأثيرهم) ويخلص للقول أنهم هم من يأخذون حصة الأسد من كل ما يمكن أن يتقاسمه المجتمع). وإنما مدار السياسة هو العدل . وأقرأ إن شئت (يا داؤد إنا جعلناك خليفة فى الأرض فأحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى). فالحكم بالحق هو الحكم بالعدل بإعطاء كل ذى حقٍ حقه ومستحقة .ما يعنى أنه هو القسمة بالإنصاف وبالسوية. وإتباع الهوى هو إيثار النفس ومن تحب فى هذه القسمة ، فهى قسمة ضيزى يستأثر فيها القاسمون بالنصيب الأوفى، ثم لا يقسمون ما تبقى بمعيار الحق المستحق . ونحن عندما نقرر أن دراسة الخطاب يتطلب دراسة السياسة ودراسة السياسة تتطلب دراسة الفاعلين السياسيين، فنحن نعنى بذلك إتساق الخطاب فى حد ذاته ثم إتساقه مع الممارسة ومع إتجاهات الممارسيين من أهل السياسة. وما ننوى فعله هو من شاكلة ما يسميه ميشيل فوكو بالتحليل التاريخى للممارسات الخطابية. والجزء الأول يقوم بفحص بتحديد الساحة السياسية والفاعلين فيها ووصف أحوالها من تجانس أوإضطراب، ثم تحليل الخطاب الرائج والدارج فى هذه الساحة ، وما فيه من تعارضات وتناقضات ذاتية وموضوعية، والنظر إليه من زاوية الفروق والموافقات، ونسبة كل الذى يجرى إلى البيئة المتشكلة فى وقت ومحل معلوم. ثم نفحص العلاقة بين الخطاب والممارسة وجملة علائقها بالسياق الإجتماعى والثقافة الرائجة. ونحن ههنا نقوم بأمر ليس متردد الحدوث فى البيئة السياسية والفكرية العربية المعاصرة التى تقنع بالإنطباع عن الفحص والتفكيك والتحليل.وأما فى الساحة العربية فإن التفرقة بين الخطبة والخطاب اى بين مايسمى عند الغربين (إسبيش) وبين ما يسمى عند الإفرنجة ( دسكورس) فلا تكاد تعرف. ولذلك فإن كلمة خطاب تحمل سمات الخطبة بتاريخها فى التاريخ العربى المديد التليد. وهى كلام تغلب عليه البلاغة والإستمالات العاطفية والإستعارات الجمالية وإما إتساق معانيه وإستقامة منطقه فيأتى فى الرتبة الثانية فى غالب الأحوال هذا إن أتى على كل حال .
نواصل بإذن الله

السبت، 8 أكتوبر 2016

الأرهاب .. معضلات التعريف والمواجهة 7
د. أمين حسن عمر
يتسم فكر الغلو العنيف بمقدرة إقناعية عالية لا تتأتى إليه بقوة حجته ولا باستناده إلى مرجعيات صحيحة مؤثوقة ، بقدر استفادته من حالة الفراغ الفكري وغياب أية سلطة فكرية ذات إعتمادية لدى غالبية الشباب في عالم الأسلام . فالشباب في العالم الإسلامي ومنهم أيضاً المسلمون في الدول الغربية يعيشون فراغاً فكرياً هائلاً ، وأزمة هوية ثقافية طاحنة . وتفاقم ذلك عدة ازمات أخرى يواجهها الشباب هي البطالة وأزمة الحرية والديمقراطية في بلدان العالم الثالث المسلمة ، والتهميش الاجتماعي وتحدي العولمة الثقافية وقضايا الإندماج الهوياتي للشباب المسلم في الغرب. والشباب المسلم يواجه هنا الواقع الطاحن دون مساندة حقيقية ومؤثرة من أي طرف من مؤسسات الدولة أو المجتمع المدني في بلاده أو في الغرب.
تفكك المرجعيات والسلطات الدينية :
واحدة من أكبر أسباب أنتشار فكر الغلو العنيف هو غياب أية مؤسسية مؤثوقة وفاعلة في مجال التجديد الفكري والفقهي لجعله معاصرا وعمليا قابلا للتطبيق. ولم يكن الحال هكذا حتى في سنوات القحط الفكري والثقافي في تاريخ العالم الإسلامي فكانت هنالك مؤسسات ذات مرجعية وقدر مناسب من المقبولية والموثوقية لدى قطاعات الشباب. وذلك من لدن الجامعة النظامية في بغداد إلى المدرسة الجوزية في الشام وصولاً إلى جامعة القرويين والزيتونة والأزهر وعشرات المؤسسات الجهوية الأخرى . ومئات العلماء حتى في الأزمان المتاخرة بدءاً بندوة العلماء في الهند التي أنجبت أفذاذاً من أمثال الكاندهلوي إلى أبي الحسن الندوي وأبي الأعلى المودودي ، مروراً بالشرق الأوسط الذي أنجب في الأزمان المتأخرة اعلاماً من أمثال الشوكاني والصنعاني من اليمن وجمال الدين الافغاني من افغانستان ومحمد عبده ورشيد رضا الطباطبائي وعلى شريعي من إيران وباقر الصدر من العراق ومحب الدين الخطيب من الشام وأحمد شاكر وأبو زهرة من مصر وابن عاشور والثعالبي من تونس وابن باديس والابراهيمي ومالك بن بني من الجزائر وعلال الفاس من المغرب ولا نريد الأحصاء ولا التزكية ، ولكن هو مجرد تمثيل وحتى ستينيات القرن الماضي كان العالم الإسلامي يحفل بالرموز الفكرية التي يرجع إليها الشباب والمؤسسات العلمية التي ينهلون منها ، ولكن ذلك كله تناهى وأصبحت المؤسسات واهية وضعفت ثقة الشباب بها واختفى العلماء الأعلام إلا قليل ، وحلت الجماعات ذات الصفة الايدولوجية محل المؤسسات . وجلبت تلكم الجماعات معها إلى الساحة الفكرية والفقهية مزيداً من التعصب وقليلاً من الانفتاح . وانحاز فئام من الشباب إلى هذه الجماعة ضد تلكم الجماعة . وبدأ الأمر بالتخطئة المطلقة المتبادلة ثم التفسيق ثم التكفير حتى بلغنا إلى الخوض في الدماء الذي هو المعضلة الكبرى التي تواجه المسلمين اليوم . حيث يقتل المسلمون بعضهم بعضاً ويخرجون فريقاً منهم ليس بالقليل من ديارهم ، حتى صار ما يسميه هؤلاء دار الاسلام تطرد بنيها إلى ما يسمونهم دار الكفر . وترافق هذا التراجع الكبير في الأطروحات الإسلامية المعتدلة مع توسع الجماعات الايدولوجية وتعاظم قدراتها المالية والمؤسسية على استقطاب الأعضاء . وأصبح العالم الإسلامي في مجالاته الفكرية ساحة للتنازع والصراع، مما زاد الشباب حيرة وارتباكاً . وقد بذلت هذه الجماعات جهداً قليلاً لابتدار حوارٍ منتج بينها باللتي هي أحسن ، رغم أنها تقرأ أنه مأمورة بالحوار بالحسنى وبقول التي هي أحسن حتى لمن خالفها في الدين فكيف بمن خالف الجماعة أو المذهب أو الطريقة الصوفية أو السلفية . ولاشك أن التطلع إلى مواجهة مشكلة الارتباك الفكري لن يكون أمراً عملياً ولا ممكناً ما لم تتوصل الجماعات ذات التوجهات الفكرية إلى كلمة سواء بينها . تجتمع فيها على الأصول وتتفق على المقاصد وتصطلح على المناهج ، وتتوافق على احترام الاختلاف في الأمور الاجتهادية التي هي محل لتقديرات قد تتفاوت وقد تتنوع . وتشرع بادارة التنوع الفكري بروية ورشد لأن ذلك أصبح أمراً لازماً كي تُستعاد الثقة في المؤسسات والمرجعيات ، والإ فان الشباب سوف يجذبه الطرح المباشر والظاهري . وقد تتفاقم مشاعر الحيرة والارتباك لديه بما يعانيه من مشكلات وما يشاهده من مظالم وتحيز وعدوان على المسلمين حينما اتجهت منه الانظار.
الأجندات الدولية والحرب على الارهاب:
إن مخافة كثير من الدوائر الدولية من ظاهرة الصحوة الإسلامية وبخاصة بعض مظاهر الغلو العنيف في بعض تبدياتها، قد أدى إلى تفاقم الاسلامفوبيا في الدوائر العلمية والاعلامية والسياسية في كثير من بلاد الغرب وحتى في الشرق غير المسلم . وأصبحت كثير من الدول تنظر إلى الجماعات الإسلامية حتى لو كانت معتدلة بوصفها مهدداً محتملاً لأمنها أو مصالحها الحيوية . واتسع هذا ليشمل الجاليات المسلمة التي تعيش في الغرب بأكملها. وأدى تفاقم الاسلامفوبيا إلى جعل عملية إندماج المسلمين في مجتمعاتهم عسيرة . ففي الوقت الذي تريد تلك المجتمعات الغربية من المسلمين أن يصبحوا جزاءاً لا يتجزأ من نسيجها الاجتماعي والثقافي فإنها لا تثق بهم وتتحامل عليهم . ولا تخبرهم المعاناة التي يجدونها من التحيزات ضدهم سوى إن حصولهم على معاملة عادلة أمر غير قابل للتحقيق . والشباب هم أكثر القطاعات تأثراً بالتحيز ضد المسلمين في أتاحة فرص العمل وسائر الامتيازات التي يتمتع بها كل مواطن آخر لا يشي أسمه أو سمته العام أنه مسلم سواء كان معتدلاً أم غير معتدل راغباً في الإندماج في مواطنة متساوية أو غير راغب.
والأمر لا يتوقف عند أزمة التوافق والاندماج ،وإنما يتجاوز ذلك كله إلى مجمل الخطاب الاعلامي والسياسي الذي يتجاوز التحيز إلى خطاب الكراهية في أحيان ليست بالقليلة . وهو خطاب إعلامى قوي ومسموع ومشهود وله تأثير واسع وأحدى آثاره هي استثارة خطاب مقابل لدى الشباب المسلم هو الآخر خطاب ثقة مفقودة وكراهية موجودة وتتجدد بكل خطاب جديد من الطرف الآخر . ولذلك لزم أن تنشأ المبادرات لفتح آفاق حوار منطقي وموضوعي حول المسائل التي تثير مشاعر التخوف من الإسلام لدى الدوائر الاعلامية والسياسية في الغرب. فالحوار وحده هو دائرة الإطفاء الفاعلة لمشاعر الشك والكراهية المتبادلة المتعاظمة . ولاشك إن الدول والمؤسسات المسلمة والعلماء المسلمون لهم أدوار يتوجب عليهم الإضطلاع بها في إدارة هذا الحوار الداخلي والخارجي لإحتواء ظواهر الغلو العنيف التي باتت تنتشر الآن عبر آسيا وافريقيا وتمتد أثارها إلى كل مكان . ذلك أن الحلول العسكرية والأمنية قد يكون لها أثر آنى ومحلى محدود لأنها العلاج بعد انتشار الداء ، ولكن الحوار وحده هو العلاج الوقائي الشامل. ويجب أن يمتد الحوار لمناقشة أمور كثيرة تتضمن بعضها السياسات الخاطئة والظالمة التي قد تتبناها بعض الدول الغربية ، والتي تعظُم بها بلوى قطاعات واسعة من المسلمين ،مثل الحروب الانتقامية في افغانستان والعراق ، ومثل المواقف المتحيزة من الصراع الفلسطيني الاسرائيلي ، ومثل العقوبات الآحادية التي تفرضها الولايات المتحدة الامريكية لإجبار بعض الدول للتماهي مع رؤيتها السياسية أو مصالحها الحيوية ، ومثال لذلك ما تفرضه الولايات المتحدة الامريكية من عقوبات آحادية تطال أثارها كل الشعب السوداني، ومن قبل أبتلى بها العراق وبلاد مسلمة كثيرة ، ومثل عدم احترام الولايات المتحدة للقانون الدولي الذي تجبر الدول الأخرى على الانصياع له ، وآخر الأمثلة على ذلك هو التشريع الذي خرج من الكونغرس الامريكي بأسم (الجستا ) أو قانون محاسبة رعاة الارهاب ، والذي يضرب بقواعد القانون الدولي عرض الحائط ،فيحاكم الدول أمام المحاكم الوطنية الامريكية . وأعجب ما في الأمر أن المحاكم الوطنية في امريكا قد حاكمت السودان وأصدرت عليه أحكامها بدعوى رعاية الارهاب حتى قبل إصدار هذا التشريع الأخير. أن مثل هذه التصرفات التي لا تستند إلا إلى منطق القوة هي التي تثير الغضب العارم لدى الشباب المسلم . ولئن كانت ردود أفعاله غير محسوبة وغير حكيمة في كثير من الأحيان ، فإن إحتواء ردود الأفعال هذه يتطلب حواراً رشيداً بين سائر الفرقاء فالجميع يشقى بالتنازع والحروب . ولذلك فإن تناصر الجميع على تفاهمات تدرأ النزاعات وتفض القائم منها ، وتدفع الحروب وتوقف الماثل منها أمر بات ضرورياً لسلام العالم بأسره ، لأن العولمة التي سطحت العالم جعلت أعاصيره مهددة للجميع ، فعلى الجميع أن يكفوا عن بذر بذورالريح لأن من يبذر الريح يحصد العاصفة .
انتهى،،،
الإرهاب .. معضلات التعريف والمواجهة (6)
د. أمين حسن عمر
ارتبط الغلو العنيف برؤية سلفية جهادية لها منظورها المخالف لرؤية الجماعات السلفية المعلومة فى المنطقة ، وإن إشتركت معها في بعض المفاهيم . كما أرتبط برؤية جهادية ثورية تشابه رؤى الجماعات الجهادية الإخوانية والمجموعات الثورية ذات التوجه الشمولي في دعوتها للتغيير الإجتماعي والسياسي. ورؤية مجموعات الغلو العنيف للسلفية رؤية ماضوية ترى أن صحة مرئيات السلف تنبع من زمانها لا من حجتها ولا مناسبتها لمعالجة النوازل والمشكلات المعاصرة . وهي ترى أن مذهب السلف مذهب لا تأريخي ، بمعنى أنه صالح لكل زمان مهما اختلفت الأوضاع أو تغيرت الأحوال، وإلى جانب هذا التقديس غير النقدي هنالك نظرة استخفافيه بكل فقه جديد أو رؤى معاصرة لكيفية معالجة معضلات الحياة المعاصرة استهداء بالأصول والمناهج والمباديء الإسلامية. فالمعاصرة التي يسمونها "بالعصرانية" سُبة في وجهة نظرهم و"العقلانية" التي هي التبصر في واقع الحال وملاءمته مع التوجيهات الإسلامية هي أيضاً سُبة وكلاهما العصرانية والعقلانية دلالة لديهم على عدم صدق تدين القائل بهما إن لم يكن نفاقه وموالاته لأهل الكفر والضلال.
التوحيد والجهاد
وقطبا الدعوة السلفية الجهادية هما التوحيد والجهاد . ولأهل الغلو من هذه الجماعات تفسيرهم الخاص للتوحيد وللجهاد. فالتوحيد يُنظر إليه من باب المخالفات لا من باب التمثلات . فالأولى والأرجح لديهم هو مخالفة طرائق أهل الجحيم من الكفار وتجنب كل ما يشبه تلكم الطرائق لا موافقة أهل النعيم والتشبه بفلاحهم. فالأنتهاء عن شبهات الشرك من مثل تعظيم لما سوى الله سبحان وتعالى والتوسل إليه بغيره هو أولى الأولويات. وذلك فقد أحيت الجماعات الجديدة الرؤية المتشددة للأخوان من اتباع محمد بن عبدالوهاب بازاء المخالفات الشركية من تعظيم للقبور والقباب أو التوسل بالصالحين والأولياء أو التقرب أو التزلف لغير أهل الأيمان. ولاشك أن الكفر بمظاهر الطاغوت هي الخطوة الأولى من خطى الأيمان ، ولكن كونها الخطوة الأولى لا يعني أنها الخطوة الأهم . فالأصل هو التحقق بالايمان لأن نفي الكفر بغير تحقق الايمان هو باب من أبواب الكفر. ونفي الشرك دون التمثل والتحقق بمرئيات الايمان هو أيضاً باب من أبواب الشرك. فالأيمان هو الأصل، لأن مراد الله سبحانه وتعالى من الخلق وهو الارتقاء بهم إلى الاخلاق الربانية . ولن يتحقق ذلك لهم إلا بالتعرف والتحقق باخلاق الايمان . ولن يكفي مطلقاً التبرؤ من اخلاق الكفر والجحود فحسب . فالرؤية التوحيدية لجماعات الغلو رؤية سلبية منشغلة بالآخر ، تتحدد مواقفها بمواقفه ، وترهن خطاها بخطواته . ولذلك لا عجب أن تحتل ثقافة التكفير هذا الموقع المهم في تفكير هذه الجماعات . فالكفر الذي هو كفر الآخرين هو الشاغل الأكبر ، وليس الأيمان الذي هو إيمانها . وعندما يأتي الأمر للايمان فالجانب السلبي الذي هو الكفر بالطاغوت هو الأهم لديهم، وليس الايمان العملي بالله رب العالمين بالاهتداء بهديه والتمثل بمطلوباته ومراداته. ومما يؤسف له أن هذه الجماعات هي الأكثر اهتماماً بالكتابة في باب التوحيد ، مما يجعل رؤيتها هي الرائجة ، بينما يسكت جمهور العلماء من أهل الاعتدال الفكري عن شرح وتوضيح فكرة التوحيد التي هي جوهر العقيدة الإسلامية .
الايمان هو الأصل :
التوحيد هو أن نؤمن الله وحده ولا أحد سواه وأنه هو الحق وأنه مصدر ومرجع للخير والجمال والجلال. ولذلك فإن جوهر الحياة هي رحلة عرفان وطلب لله سبحانه وتعالى "يا أيها الانسان إنك كادحٌ إلى ربك كدحاً فملاقيه" وهي لقيا عرفان بالتعرف على الله سبحانه وتعالى بما عرف به نفسه ،والتقرب إليه بتحقيق مراده منا ،لأن مراده منا هو لأجلنا لا من أجله سبحانه ، فهو الغني عن كل ما سواه ولو اجتمع الخلق جميعهم على مخالفة إمره والكفر به ما نقص ذلك من ملكه من شيء . والكفر هو مخالفة سبيل الحق الذي هو صراط الله المستقيم . ومخالفة مرادات الله من خلقه التي بها سعادتهم في الدارين . ولذلك فإن الأصل هو الايمان وإما الكفر فهو الضلال عن طريق الايمان . وهذه الرؤية الايمانية للتوحيد هي التي ستجعل الكفر أمراً ثانوياً جانبياً ، ويصبح التكفير قضية ثانوية أيضاَ . فالتحقق بالايمان إنما هو في جوهره ارتقاء بالإنسان ليكون ربانياً في أخلاقه رحيماً كريماً عادلاً رؤوفاً حليماً ، لأن الديانة ما جاءت إلا رحمةً للعالمين ، رحمة للإنسان ، ورحمة الإنسان لبني جنسه وسائر المخلوقات الأخرى . وعندما يصبح الايمان هو مركز الوجود وتصبح الرحمة هي جوهر الايمان فحينئذ يتبدد التشدد والغلو . وتحل الرحمة والرأفة محلهما ،رحمة عامة بالعالمين لا رحمة بالمسلمين وحدهم . ولذلك لا يصبح الكفر حاجزاً بين المسلم والكافر بل الدعوة بالتي هي أحسن هي الصلة وهى خطاب المؤمن للكافر وهي ليست دعوة باللسان فحسب بل باللسان وبالأسوة الحسنة والسلوك الكريم. أما الكافر المحارب فيُحارب لأنه محارب لا لأنه كافر . والكافر المعتدي نعتدي عليه كما أعتدى علينا والله لا يحب المعتدين . وأما أولئك المسالمين من غير أهل الإيمان فأصل العلاقة معهم هي البر والقسط "لا ينهاكم الله عن اللذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين" . فالله يحب المقسطين ولا يحب المعتدين ، ولئن كان الكفر يمثل إعتداء في حد ذاته فهو اعتداء في حق الله سبحانه وتعالى . وقد شاءت مشيئة سبحانه في حق الكافرين الارجاء والامهال لعلهم يرجعون . فلا يحق لأحد أن يعتدي على كافر لمجرد الكفر وقد أمهله الله سبحانه وتعالى ، بل وأمرنا بامهاله " وإن إحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله تم أبلغه مأمنه" يقول الطبري إنما ُشرع أمان مثل هؤلاء ليعلموا دين الله وتُنشر دعوة الله في عباده. وكيف يُرجى لدعوة الإسلام ان تنتشر ان كان حكم الكافر ان يقتل لكفره لا لعدوانه وحرابته . وتستشهد جماعات الغلو بآيات مقيدة باحداث معينة وأهل شرك معلومين هم مشركو العرب الذين تربطهم أواصر النسب بكثير من المسلمين حتى يكاد البعض يواليهم على حساب ولاء الاسلام ، وعندما يستشهد أهل الغلو العنيف بأية سورة براءة "فاذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم واحصروهم وأقعدوا لهم كل مرصد فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلو سبيلهم" . أو آية "يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليحدوا فيكم غلظة" فكأنهم لم يقرأوا "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" . يقول صاحب التفسير : وأمرهم تعالى ذكره بقتال من كان منه قتال من مقاتلة أهل الكفر دون من لم يكن منه قتال، لأنه أباح الكف عمن كف فلم يقاتل من مشركي أهل الأوثان والكافرين عن قتال المسلمين ومن كفار أهل الكتاب.
وقد صارت عقيدة البراءة من الكفر التي بلورها الأمام أبن تيمية فيما أسماه الولاء والبراء أصبحت عقيدة لبعض أهل الغلو والتشدد . فكأنها أصل من أصول الايمان وعلا مقدارها عندهم أكثر من مقدار وجوبية الدعوة لله التي هي ثلث الايمان. فكيف تجانب الكافر المُسالم وتحاربه ثم تزعم أنك تستجيب لنداء الله " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن" . وهل ينفتح أصلاً باب للجدل إذا سبقه في الانفتاح باب الكراهية والاقتتال . ان سكوت جمهور العلماء عند مجادلة أهل الغلو في ما يسمونه عقيدة الولاء والبراء هو واحد من اسباب تعاظم ارتباك الشباب وبخاصة وهم يرون في كل يوم الظلم والتحامل الذي يقع على المسلمين. وقد اتسعت نزعة المجابنة والمحاربة لغير المؤمنين لتشمل بعضاً من أهل الايمان الذين توسع أهل الغلو والتشدد في تكفيرهم بسبب الآراء الاجتهادية . فبعد أن أحال هؤلاء كل رأي اجتهادي للسلف إلى أمر قطعى وجعلوا كل ناقش ذلك الرأي أو ناقضه فاسقاً أو منافقاً أو كافراً ، جاءوا من بعد ذلك بفتوى عجيبة يوسعون بها القتل لأهل الايمان وهي أن وصموا من خالف رأى من أراء السلف بالردة والكفر وزعموا أنه أولى أن يحارب قبل الكافر الأصيل. وهكذا ينقص الايمان بايقاف الدعوة واعلاء القتال كما ينقص بتكفير المؤمنين بأوهى سبب وأدنى تعلة فلا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
نواصل
الإرهاب ... معضلات التعريف والمواجهة (5)
د/ أمين حسن عمر
ظاهرة ما يسمى بالإرهاب هي ظاهرة فوضى فكرية تتمظهر في فوضى ذات أبعاد إجتماعية وسياسية وأمنية خطيرة، باتت دول عريقة تنهار بآثارها وتفكك مجتمعات كانت بالأمس آمنة ومستقرة، وتكاد منطقة الشرق الأوسط بأثرها يعاد تشكيلها جغرافياً وديموغرافياً بالتحولات العظمى التي تنشئها هذه الزلزلة وتوابعها في المنطقة . بيد أن القليل من الجهد هو المبذول لفهم الظاهرة في أبعادها الفكرية والنفسية لتدبير مواجهة شاملة تبدأ بالإحتواء ولا تنتهي بالملاحقات الأمنية والعسكرية بل بالحصانة الفكرية ضد كل فكرة متفجرة.
المناجزة الفكرية للإرهاب
يكاد الجميع يدرك ويقرر أن الحرب على الإرهاب يجب أن لا تقتصر على المواجهة العسكرية الأمنية . وقد إنتظمت قمة لمكافحة الإرهاب دعا لها الرئيس الأمريكي باراك أوباما في واشنطن شهدتها سبعون دولة وكان التركيز فيها على مواجهة الإرهاب في الشبكة الدولية والإعلام . كذلك فإن الجهود التي تقودها المملكة العربية السعودية في إطار التحالف الإسلامي ضد الإرهاب قد قررت إقامة مؤسسة فكرية للحرب على الإرهاب. لكن الجميع يقر أنه ومنذ أن أعلنت الولايات المتحدة حربها على ما تسميه الإرهاب أثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2011م فإن الفكر التكفيري المستقطب لآلاف الشباب من شتى أنحاء العالم بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها قد توسع توسعاً عريضاً. وأن حربي أمريكا في أفغانستان والعراق كانتا اثنتين من أسباب تحفيز إنتشار الفكر التكفيري وتوسع ثقافة الكراهية فى العالم بأسره. فلئن كان الشباب المسلم الحانق قد دفعه الغضب واليأس تلقاء مزيد من التجاوب مع الخطاب التكفيري ، فإن ثقافة التحيز ضد المسلمين في الغرب وبخاصة في أوساط الإعلام والسياسة قد توسعت هي الأخرى . وتضاعفت جرائم الكراهية ضد المسلمين أضعافاً مضاعفة . ويدرك العقلاء جميعا إلى أين ستقود ثقافة وخطاب الكراهية العالم بأسره. لذلك فالحملة الفكرية للتعامل مع ظواهر الإرهاب وتوابعها يجب أن تشتمل على جهود منسقة شاملة تنظم تنتظم كل العالم يتوجه بعضها للشباب المسلم المتأثر بالتأويل الخاطيء للنصوص الإسلامية وبالصورة الشائهة للآخر . وكذلك يجب أن تتوجه إلى أولئك المتأثرين بثقافة الكراهية للإسلام والمسلمين . فإن أقوالهم وأعمالهم تصب الوقود على الظاهرة بدلاً من أن تعين على التعامل الرشيد معها . ولا شك أن محتوى خطاب الجماعات الغالبة الضيقة يُعطي صدقية عندما تمكنه الإشارة إلى توسع ظاهرة الإسلاموفوبيا وإنتشار جرائم الكراهية ضد المسلمين في المجتمعات الغربية.
بيد أن الاجماع حول ضرورة الحرب ضد الغلو العنيف لم تثمر إلا النذر القليل. ذلك أنها لا تهتدي برؤية موحدة شاملة للظاهرة، بل لا تتفق حتى على تعريف ما يسميه الغرب الإرهاب ونؤثر تسميته (الغلو العنيف) ولا تقارب أبحاثها الجذور الفكرية والمحاضن المذهبية لأفكار الغلو العنيف . وقد قادني الإطلاع الواسع على هذه الجهود الفكرية إلى خلاصة هي - أن جميع هذه الجهود لن تنجح في إقناع قطاعات واسعة من الشباب – لأنها لا تبدو مؤهلة لكسب ثقته من ناحيتي الموثوقية العلمية والأمانة الأخلاقية العلمية. وقد إنهمكت بعض الدوائر السياسية ودوائر الجماعات الدينية بتبادل الإتهامات كلً يرمي الآخر بأنه منبع أصيل للفكر الغلو. وأصبحت هذه التهمة متبادلة بين الطائفتين السنية والشيعية. فالسنة يتهمون الشيعة ومخابرات دولة إيران بصناعة أو اختراق هذه الجماعات المتشدده . والشيعة يزعمون أن المحضن الفكري والمذهبي لهذه الجماعات هي الرؤية المذهبية السائدة في المملكة العربية السعودية والشيعة أنشط في السعي بهذه الدعاية في الأوساط الغربية التي تتجاوب معها بسالفة التحيز الفكري والإسلاموفوبيا.. وكذلك فإن بعض الجماعات السلفية ترمي الجماعات الإخوانية بالتهمة ، وبعض الجماعات الإخوانية ترمي الجماعات السلفية بالتهمة . والجميع لا يقتربون من التشخيص الصحيح للقضية، فالظاهرة في بعدها الفكري مثلما هي أية ظاهرة فكرية نتاج تفاعل وتداخل أفكار متعددة منها ما هو متأثر بأفكار موروثة وأخرى معاصرة ، بعضها يعود للفكر السلفي ، وبعضها للرؤية السياسية الإخوانية للواقع المعاصر، وبعضها متأثر حتى بأفكار غربية ذات طابع ثوري شمولي، فلا فائدة من المبارزه الجانبية بين المذاهب والجماعات . وإنما يجب التركيز على فهم المشارب الفكرية لظاهرة الغلو المعاصر . وهي وإن أشبهت بعض ظواهر نشوء جماعات متشددة في الماضي مثل الخوارج أو القرامطة، فإن إعتبارها إمتداداً لذات الأفكار وكأنها سليلة لتلكم الجماعات خطأ ينأى بنا عن التشخيص السليم للحالة الراهنة.
دراسة المحتوى الخطابي للغلو المعاصر
يفتقر الخطاب المنتسب لجماعات الغلو العنيف بالفروعية وغياب الرؤية الكلية الأصولية . فهو مجموعة فتاوي وتفاسير لآيات وأحاديث متناثرة لا تنتظم في رؤية شاملة لمراد الدين في تفسير ظاهرة من الظواهر أو علاقة من العلاقات بين الأفراد والجماعات. وهي بذلك تبرز واحدة من أزمات الفكر الإسلامي المعاصر ، وهي فروعيته وجزئيته. ويصبح الدين لدى هؤلاء الشباب جمهرة فتاوي وأحكام آمرة ناهية مثلها مثل صيحات الآمر العسكري الذي يصرخ في جماعته أفعلوا أولا تفعلوا . وبذلك لا تفهم الجماعات من خلال هذه الأوامر إلى أين يمضي المسار بها وإلى أي مقصد أو غاية ينتهي. وهذه الفروعية والجزئية في الفهم تقود إلى ظاهرة فكرية أخرى هي الظاهرية، أي أن الأوامر الدينية والأحكام تبدو وكأنها لا تحتاج إلى تفسير أو تأويل، وإنما تفهم على ظواهرها. بينما الأصل في كل شيء وفي كل خطاب أن له ظاهر وباطن . وهؤلاء يقرأون آية سورة آل عمران ويمرون عليها مرور العابرين " هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وآخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه إبتغاء الفتنة وإبتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا ألو الألباب" يقول ابن كثير في تفسير الآية آيات محكمات أي بينات واضحات الدلالة لا إلتباس فيها على أحد من الناس، ومنه آيات أخر فيها إشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن رد ما إشتبه عليه إلى الواضح منه وحكم محكمه على متشابهه عنده فقد إهتدى. وهو يقول أن التأويل الذي هو عمل الراسخين في العلم ، إنما يكون بجعل الآيات المحكمات مراجع لفهم ما تشابه من الآيات. والتشابه في اللغة أمر لا معدى عنه ، لأن اللغة تعمل بوسائل الإشارات والدلالات والإيماءات ويتطور المفهوم فيها بتغير الأحوال والانساق والمساقات. وقد خاض المفسرون وأهل اللغة في موضوعات التشابه اللغوي المتأتية من إستخدام التشبيهات والكنايات ودلالة العبارة ودلالات الإشارة ودلالة الوقف والإتصال . وتوسعت تلكم العلوم في زماننا هذا توسعاَ هائلاَ ، فأصبح للغة علوم لسانيات تتوسع يوماَ بعد يوم، وتمكن بتوسعها الدارسين من فهم غوامض دلالات التعابير اللسانية والنفسية على حدٍ سواء.
الآفة الظاهرية :
والظاهرية في الدين هي أكبر إنحرافات الفهم له، ذلك أنها تحيل الدين إلى طقوسية بلا معنى ولا مقاصد . فيكون إعتبارها للمباني لا المعاني ، وتعويلها على الألفاظ لا على دلالة الألفاظ ، وعلى قوالب ومظاهر العبادة لا على نياتها التعبدية ونفعها العاجل والآجل. ولا شك أن حفظ النصوص المتعلقة النازلة واستظهار الآيات والأحاديث أمر يسير لا يحتاج إلى أن يكون المرء راسخاً في العلم كما هو الشأن في الفقه والتأويل . ولذلك فقد تكاثر أهل الفتوى في تلكم الجماعات وما يُشابهها، ، فكل حافظ للقرآن ومستظهر لطائفة من الأحاديث عارفٍ ببعض أخبار سيرة مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنف عاجلاَ من أهل الرسوخ في العلم ، وهو لا يعدو سابحاً في طافيا في سطحه محروم من أدوات الغوص في أعماقه لاستجلاء غوامضه وسبر أغواره واستخراج لؤلؤات المعاني منه.
وكذلك ان عاهة الفكر الظاهري وآفته الكبرى هي افتقاره للأصولية والمقاصدية . ولابد لكل فكرة من أصل كلي ترجع إليه ، فيكون مرجعيتها ، وإلى مقصد تتجه إليه فيكون غايتها التي يُنتفع بها في العاجلة والآجلة. ومع إفتقار الظاهرية الجديدة للفهم الأصولي والمقاصدى إفتقرت للوعي الديني الشامل . والأصل في الدين أنه وعي بالواقع يتصل بالمرجعيات والمقاصد . وإلا صار تقليداً أعمى مثل تقليد الشيعة لمراجعهم بغير فهم أو بصيرة ، أو تقليد غلاة السلفيين للسالفين من أهل العلم بغير فهم ولا إدراك. وكلا الطرفين يحسب أن كل فكرة متجددة في تأويل النصوص كيما يفهمها فهماً معاصراً متصلاً بالواقع هي بدعة وفتنة إن لم يذهبوا في تعجلهم إلى تكفير صاحبها أو أصحابها وإخراجهم من الملة ضربة لازب.
ومما مكن وسهل وساعد على إنتشار هذه الفوضى الفكرية من الأسباب هو غياب المؤسسات العلمية ذات المرجعية . فقد صار أمر السلطات العلمية إما إلى تماهي مع السلطة السياسية، وهذا غالب الحال وهى سلطة لا تحظى بثقة ولا مقبولية الجمهور من شعبها كذلك فى غالب الحال ، أو إلى معارضة ومناجزة تُخشى عقابيلها. وقد صار شأن مؤسسات مثل الأزهر والزيتونة والقرويين إلى أن صارت توابع علمية للنظام السياسي وفقدت صدقيتها العلمية لدى الجمهور . ونشأت في مقابلها جماعات دينية مستقلة أو معارضة يُفتي كلَ منها حسب ما تعتمده الجماعة فصارت وكأنها مذاهب جديدة . ولكن بغير المعايير الضابطة المضطردة التي تتميز بها المذاهب المعلومة. والأنكى من ذلك أن هذه الجماعات قد تحولت إلى ما يشبه الأحزاب السياسية في علاقتها التنافسية ببعضها البعض، ومنعها التعصب الذي يبديه البعض منها تلقاء البعض الآخر من أن تحوز على ثقة الجمهور الواسع ، بل أصبحت وكأنها مذاهب خاصة بأعضائها وحدهم، وأدى ذلك إلى تبعثر الأطروحات وتشتت المبادرات الفكرية، بل وتناقضها في كثير من الأحيان مما أدخل الشباب الناشيء في قدر غير يسير من الحيرة والإرتباك.
نواصل......
الإرهاب ... معضلات التعريف والمواجهة (4)
د.أمين حسن عمر
تعيين الشيء وتعريفه يسبق النظر في تشخيص مشكلاته، وتشخيص مشكلاته يسبق المعالجة، ولكن هذه المنطق المستقيم لم يكن هودائماً الأمر المتبع عند التعامل مع ظاهرة الإرهاب، وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط. فقد كان ما يسمى الإرهاب يفتقر إلى إصطلاح الفرقاء حول تبدياته وتعريفاته وجماعاته وطبيعة مشكلاته وجذور هذه المشكلات وأسلوب التعاطي والتعامل معه . فكثير من الأطراف تعاملت مع الظاهره تأثراً بالتحيزات السابقة ، وبإمكانات التوظيف الوقتي أو الإحتواء المرحلى ، فاختلفت الأجندات وتباينت التصرفات وتقاطعت الرسائل، حتى خرج الأمر عن سيطرة كل من ظن أنه قابل للحصر والإحتواء أو التوظيف.
الفكرة هي الخطر الأعظم:
آفة المعالجة لقضية ما يسمى بالإرهاب هى تعجله إلى الحل الأمني واقتصاره عليه، ولا شك أن المعالجة الأمنية مثل كل معالجة لكل داء لا تكون إلا آخراً، ولا يمكن لأحد أن يوقن أنها سوف تؤتي إلى النتيجة المأمولة تماماً . فالأصل هو التصرف الوقائي وهو يتمثل في درء خطر الفكرة المتفجره التي ما تلبث أن تتحول إلى تخطيط وتدبير ثم تكفير وتفجير ، فحينئذ تعظم البلوى إن وقعت المواجهه لها أم لم تقع . والمعضلة الماثلة أمام من يواجهون ما يسمونه "داعش" إنهم إن تركوها تمددت، وإن حاربوها إنتشرت في أصقاع الأرض تنقل إنتقامها ممن هدم دولة "الخلافة" إلى صحن داره . وأوروبا التي أبتليت بعد الشرق الأوسط بظاهرة الإرهاب متمظهراً في موجات الهجره العارمة إليها أو في التفجيرات التي امتدت من باريس إلى بروكسل إلى ألمانيا، لا يبدو أنها تنطوي على رؤية إستراتيجية واضحة للخروج من هذا المأزق . ذلك أنه يعجز مراكز البحث والتفكير فيهاأن يبصروا بطبيعة الأزمة . فهم لا يدركون كيف يفكر هؤلاء الذين يواجهونهم . ذلك أن أوروبا ومراكز بحثها تريد أن تفهم الظاهرة في إطار طرائق تفكيرها وأساليب تقويمها هى للأمور. ولن تُفهم إيما ظاهرة إلا في إطارها المرجعي فكرياً وإجتماعياً. وبروز التيار السلفي الجهادي كما يسمي نفسه والتيار الإرهابي كما يسميه الغربيون مرجعه إلى فكرة جوهرية، تمثل تأويلا معيناً لنصوص من القرآن والسنة، وهو تأويل وإن خاطئاً فإن له عمق في التاريخ البعيد وله تبديات في التاريخ المعاصر وله مظاهر في راهن العصر.
ولن يجدي أحداً أن يهرع إلى الإدانات والتصنيفات كما حدث مؤخرا في مؤتمر غروزني الذي صنف التيارات السلفية والإخوانية خارج أهل السنة . وهؤلاءالمخرجون من دائرة أهل السنة هم غالب علماء أهل السنة إن لم يكونوا غالب جمهورها. والتيار السلفي الجهادي بتأويله المخصوص لفكرة الجهاد ليس مختصراً في جماعة بعينها ولا مقتصرا على إتجاه بعينه بل هو فكرة منتشرة في جماعات سلفية وأخرى أخوانية بل وفي بعض الجماعات الصوفية أيضاً . والناظر إلى خلفيات المهاجرين للدولة الإسلامية في العراق والشام يجد أن جميع المهاجرين يأتون من كل هذه الخلفيات بل ويجد عدداً مقدراً منهم من الأفراد الذين لم ينتظموا في يوم من الأيام في جماعة أيما تكون هذه الجماعة، بل أن عدداً مقدراً منهم غير يسير إنما هو قريب عهد بالتدين، ولكنهعندما ولجه ولجه من باب التأويل والتفكير الذي تنشره السلفية الجهادية. وغالب هؤلاء أولو عقيدة راسخة فيما يؤمنون به ، ويرون أن الأنموذج الأصلح هو الأنموذج الذي جسده السلف الصالح ليس في كلياته فحسب بل وفي تفاصيله وأن أسلوب نشره الأوحد هو قوة الجهاد.
الجهاد...تأويلات الغالين :
قد يصعب تصنيف افكار المدرسة الجهادية السلفية التى أنتجت القاعدة وتنظيم الدولة وبوكو حرام وأبو سياف في إطار مدرسة فكرية محددة . وإن كانت جميعها ذات تأثر كبير بالتيار السلفي الذي هو امتداد لمدرسة الاخوان "الوهابية" لا مدرسة الاخوان المصرية والتى هى الأخرى تأثرت بالمدرسة السلفية التى نشر أفكارها محمد عبده ورشيد رضا. والاخوان الذين كانوا مرتكز المناصرة لأبن سعود هم أنفسهم الذين اضطر أبن سعود الي خوض حرب طاحنة معهم فيما بعد. وكان جوهر الاختلاف معهم هو عزمهم علي استمرار الجهاد الاخواني وقولهم بحتمية إنتصاره ، مما أدخل المملكة الوليدة في خطر داهم . وذلك عندما بدأ الاخوان في مهاجمة تخوم العراق . وبدأت بريطانيا التي تسمي عظمي آنذاك، وهي المسيطرة علي العراق التهيؤ لكيل الصاع صاعين للمملكة وهي في طور التأسيس. وأنحازت الأغلبية مع ابن مسعود الذى تبنى موقف أولوية المهادنة علي المجابهة. فالجهاد عنده باب من أبواب السياسة الشرعية وهى تخضع لتقدير ولى الأمر للمصلحة والمفسدة من كل تصرف فى أيما شأن يؤثر على مصالح الأمة . وبتلك المفاصلة نشأ تياران أخوانيان لا يزالان يبرزان الي الواجهة كل حين وآخر.كلاهما سلفى ولكنهما يقفان موقفان متمايزان ، التيار الاول هو التيار الجهادي الذي كانت آخر تبدياته البارزة حركة جهيمان في مطلع القرن الهجري في العام الميلادي 1980 . وظل بعبر عن نفسه في أولئك الفتيان الذين ما سمعوا بهيعة في مكان من العالم الاسلامي الا طاروا اليها ،طلباً لجهاد يفضي الي تحرير او شهادة تفضي الي جنة عرضها السموات والارض . وأما التيار الثاني فكان تيار الطاعة لولي الأمرالذى هو صاحب التقدير لواجب الوقت والمصلحة العامة فلا جهاد يصح لديهم إلا جهاد يعلنه ويقوده ولى الأمر . وأهم ملامح الفكرة الاخوانية الجهادية الاسلامية ان الجهاد ليس له حد مكاني ولا زماني ينتهي اليه. فالجهاد عندهم ليس ماضياً الي يوم القيامة فحسب بوصفه جهاداً للدفاع عن الارض الاسلامية والشعوب الاسلامية بل هو جهاد لنشر الفكرة الاسلامية بحد السيف او برصاصة البندقية و هو جهاد غزو لا جهاد دفع. وهم لا يبررون فكرة الغزو كما يبررها البعض باعتباره غزواً وقائياً ضد عدو متربص. ولكن الجهاد لديهم هو غزو لفتح كل دار تأبت علي العقيدة والفكرة الاسلامية. فأنه أسلوب نشر الفكرة وإكراه المتأبين على قبولها بحد السيف أو ذخيرة البندقية . وهم يفسرون آية سورة براءة " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً " تفسيراً لا يرتبط بمفهوم المقاتلة والتي تعني ان تقاتل من يقاتلك وتسالم من يسالمك. فالقتال عند مدارس اخريتمثل الجمهور ليس لنشر العقيدة والفكرة الاسلامية فالسيف قد يؤدى إلى الإستسلام ولكنه لن يجلب الإسلام الحق النابع من نفس راضية ، ولن يحقق الإيمان الصادق ، وإنما المكره منافق يبدى خوفاً أو طمعاً ما لا يضمره . والمنافقون هم فى الدركة الأسفل من النار والكافر المظهر كفره خير من المنافق . وقد دافع جمهور المفكرين المحدثين ضد فكرة المستشرقين أن الاسلام انتشر بحد السيف دفاعاً مجيداً وردوا شبهتها وبينوا أن الجهاد الإسلامى هو دفع لفتنة الاعتداء علي المسلمين وديارهم ومقدراتهم ومصالحهم. وليس هو قتالُ لأجل نشر الفكرة بقوة السلاح. لأن القاعدة الأصل في الدين الحق هي "إلا أكراه في الدين" فالأكراه الديني لا يصنع مسلمين بل يصنع مداهنين ومنافقين صاغرين ولكن متربصين. والجهاد لدي الاخوان "انصار أبن عبد الوهاب" ليس له زمان ينتهي اليه فهو ماضٍ الي يوم القيامة . فاذا فتحت جميع اصقاع الارض فيستمر الجهاد دفاعاً عن الارض والفكرة . ويقولون أنه وبشاهد الأحاديث النبوية التي يعضد بعضها بعضاً مستمر مع اليهود أو طائفة منهم الي يوم القيامة. ثم أن الاخوان لأ يؤمنون بالمرحلية ولا بالفقه الإنتقالى. والجهاد ليس له مراحل بل هو واجب في حالتي الضعف والقوة. ولا ينظر الي قوة العدو واستعداده لأن لمجاهد منصور بالمنظور من الاسباب وغير المنظور. والاخوان كما عبر أسامة بن لادن ذات يوم لا يؤمنون بالحياد بين المجاهدين واعدائهم . فالناس في فسطاط الحق او فسطاط الباطل ومن كان في الفسطاط الاول فيتوجب عليه ان يجاهد بقوله وماله ونفسه في كل حال. ومن كان في الفسطاط الثاني فقد برئت منه ذمة اهل الفسطاط الأول فلا حرمة لماله او نفسه إلا من أكره. ومن هذه الفكرة انبثقت أخطر الافكار وأبعدها أثراً . وهو اباحة الاستهداف العام لمن حمل السلاح من الاعداء الكافرين او من ظاهرهم بأي شكل من اشكال المظاهرة بالعمل أو القول أو السكوت . وهم يستندون الي فكرة الولاء لأهل الإيمان والبراءة من اهل الكفر. وأن العلاقة مع اهل الجحيم من المشركين هي المجانبة والمحاربة في الدنيا والاخرة. وهي تشمل من ظاهرهم بالعمل او القول او السكوت ولو كان من المسلمين . وقد اختلفوا بعض الوقت في أولوية القتال للعدو الأقرب ام العدو كما إختلف الإخوان من قبل . وتفسير ذلك هو هل الأولوية لقتال الفساق من حكام المسلمين وعلمائهم الذين يظاهرون الكافرين وييسرون لهم اختراق دار الاسلام ويمنعون المسلمين من جهادهم ومدافعتهم، أم أن الاولوية لجهاد العدو الأبعد الذي هو المقصود الاول من المجاهده والمدافعة. وفي زمان أبن سعود كان الاخوان يريدون قتال رأس الكفر والطاغوت الأعظم كما يرونه في بريطانيا العظمي. وكانت أقرب آطامها منالاً هي مواقعها في العراق . وعندما حيل بينهم وبين العراق انقلبوا الي مقاتلة مليكهم الذي نصروه بحكم الحلف القديم بين آل سعود وآل الشيخ أبن عبد الوهاب لأنه فى فهمهم أصبح يحول دون قتال الكافر الظاهر.أما مدرسة تنظيم الدولة فقد ذهبت إلى أبعد من ذلك وهو ترجيح قتال المسلمين أولاً لأنهم يصنفون من ناوأهم من المسلمين كفارا مرتدين، وعندهم إن قتال المرتد أولى من قتال الكافر الذى لم يؤمن ولم يرتد ولو كان عدوا ظاهرا وكل كافر لديهم هو عدو إلا أن يدخل تحت سلطان خلافته ويسلم لشروطها.
الفكرة السياسية :
ولئن كانت أصول الفكرة الدينية لدي التيار السلفى الجهادى هي الفكرة الاخوانية "الوهابية" فأن أعضاء التيار وبأثر الثقافة الاسلامية العامة آنذاك تأثروا وخاصة سياسياً بالفكرة الاخوانية "المصرية التي اسسها الامام البنا" ولكن هذه نفسها انقسمت لمدرستين كما فعلت نظيرتها "السعودية" مدرسة تؤمن بالجهاد بالكلمة "الجهاد المدني" وكان اهم اعلامها الامام البنا نفسه الذي لم يجز الجهاد إلا دفاعاً عن الارض الاسلامية والشعوب الاسلامية ثم القاضى الهضيبى الذى كتب رسالته المشهورة (دعاة لا قضاة ) وهما بخلاف فكر تيار التنظيم الخاص الذي بدا مناوئاً لهذه الفكرة حتي في حياة الامام البنا. وبخاصة في أوساط الشباب العائدين من الجهاد في فلسطين مهزومين بفعل خذلان حكام ذلك العهد لهم . وعلي رأسهم الملك فاروق الذي اشتغل بغزاوت ليلية آخري عن جهاد الليل والنهار. و تأثر السلفيون الجهاديون كذلك بالمدرسة الاخوانية الجهادية. اي مدرسة الجهاد الاسلامي والتي انقسمت فيما بعد الي تيار مراجعة وتيار مواصلة. وكان من رموز مدرسة الجهاد الاخوانية الدكتور الطبيب أيمن الظواهري . والذي لقي أسامة بن لادن لأول مرة في الخرطوم، ثم أخرج الظواهري من السودان وخرج من بعده اسامة بن لادن . وذهب كلاهما الي افغانستان حيث يتعسر علي من يسعون وراءهما ان يجدوا فيهماً منالاً . ولقد كانت بين الرجلين لقاءات وتفاهمات تحولت الي حلف في افغانستان. أولي أولوياته تحرير بلاد المسلمين وبخاصة جزيرة العرب وكنانة العرب من الوجود والنفوذ الأجنبي. وكان الخلاف بين اتجاهي الرجل هو ما اذا كان يجب أن يضرب هؤلاء الاعداء حيث هم في ديار المسلمين أم أن تنقل الحرب اليهم في صحن دارهم. ولم يكن الخلاف استراتيجياً بل هو خلاف تكتيكي. فاستهداف الاعداء في ارضهم يدعوهم الي حشد كل قوة لديهم ضد المسلمين . وربما يؤدي ذلك الي مزيد من الاحتلال لبلاد المسلمين. وبينما استهدافهم في ارض المسلمين لا يدعو لمثل الحشد الاول ثم انه قد يحظي فى حسبانهما بمناصرة شاملة من الشعوب المسلمة المستضعفة. ولكن هذا الإتجاه الأخير ربما قاد الي صدام مع الأنظمة المظاهرة للاجانب أو الساكتة على عدوانهم . وكان تركيز الرجلين علي جزيرة العرب التي لا يعترفان بواقع انقسامها الي دول قطرية. فهي فى فهمهم جزيرة رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو قد أوصي باخراج المشركين منها. واما الجهة الثانية فمصر كنانة الله في ارضه ، لما لها من تاثير كبير علي العالمين العربي والاسلامي. وكان أول بيان مشترك واعلان للتحالف بين أبن لادن وانصاره وبين حركة الجهاد الاسلامي بعد التقاء الرجلين في افغانستان بعد الخروج من السودان الذي ومع بدء التحرك السياسي لاسامة لاقى ضغوطاً أجنبية وعربية لاخراج الظواهري اولاً، ثم اسامة لاحقاً . وعقب ذلك البيان الشهير والذي حدد الهدف المرحلي الأول وهو اخراج المشركين من جزيرة العرب. بدأ اسامة يفكر في تحويل انصاره الي تنظيم علي غرار تنظيم حركة الجهاد . وظهرت كلمة قاعدة الجهاد التي كانت تطلق فيما سبق أبان الجهاد الافغاني علي افغانستان لوحدها. ثم صارت المفردة لا تنحصر فى أفغانستان بل صاركل العالم الاسلامي وبخاصة الجزيرة العربية ومصر والعراق وارض الشام بفلسطينها المحتلة هو تلك القاعدة . وأسم القاعدة لم يعد بعد ذلك اسماً لمكان او لبلد بل صار أسم لفكرة . فلم تعد قاعدة الانطلاق هي المكان بل اصبحت قاعدة الانطلاق هي الفكرة . ولذلك يمكن ان تنشأ قاعدة للجهاد في البوسنا والهرسك وقاعدة للجهاد في الشيشان وقاعدة للجهاد في الصومال وقاعدة للجهاد في العراق . واما الجهاد الأكبر والقاعدة الكبري فهي قاعدة الجهاد في جزيرة العرب. ولكن تحديد القاعدة بوصفها قاعدة الانطلاق لا يعني ان يقاتل أهل تلك القاعدة من يلونهم من الكفار فحسب بل ان الجميع يمكن ان يستنفروا لضربات للعدو وراء الحدود وحيث يظن أنه في مأمنه لأنه في مأمنة يؤتي الحذر.ولكن القاعدة مهما عد أناس فكرها متطرفاً إلا أنها لا تؤمن بإكراه غير المؤمنين على الإيمان بحد السيف ولا تؤمن كذلك بالتوسع فى تكفير المسلمين بمجرد عدم المناصرة أو بمظاهرة العدو مظاهرة المضطر ولذلك لا عجب أن إعتبرت أن فكر تنظيم الدولة فكرا غاليا وذهبت حتى لمناجزته بالسلاح .
نواصل
الإرهاب ... معضلات التعريف والمواجهة (3)
ما من شك إن نسبة جرائم الإرهاب والترويع للإسلام بإسم الإرهاب الإسلامي هي جزء من خطاب الكراهية الذى هو أصل الغلو العنيف. فالعنف هو المولود البكر لخطاب الكراهية ، ولا سبيل للقضاء على ظاهرة العنف المرتبط بالغلو الفكرى والعقدى والعرقى إلا بالتجانف والتباعد عن خطاب الكراهية. والمسلمون المسالمون يغضبون عندما يُنسب دينهم لما يسمى بألإرهاب . فهم يعلمون أن دينهم مشتق من السلام والمسالمة . وهو الآمر لهم بأن يدخلوا في السلم كافة ، ثم يسمعون من بعد ، في كل لحظة وآونة إتهاماً لدينهم بأنه الأب الشرعي لما يسمى بالإرهاب . وحق للمسلمين أن يغضبوا عندما يعرفون أن موجات الإرهاب ومنظماته التي نشأت أول ما نشأت في أوروبا شرقيها وغربيها لم تسم بالإرهاب الأرثوذكسي أو الكاثوليكي أو الإنجيلي، بل سُميت بأسمائها . فعلى سبيل التمثيل فإن منظمة (إرادة الشعب) في روسيا التي إغتالت القيصر واستهدفت الطبقة السياسية في روسيا في خواتيم القرن التاسع عشر وقد صنفت منظمة إرهابية ولم تسم إرهاباً أرثوذكسياً . وعندما ناوأت منظمة آي آر أيه في أيرلندا حكم الأغلبية البروتستانية وكان الخلاف والنزاع مذهبياً دينياً بين البروتستانت والكاثوليك فصنفت منظمة إرهابية فى المملكة المتحدة ولم يطلق عليها أسم إرهاب كاثوليكي . وعندما برزت منظمة بادر مانهوف الألمانية وصنفت إرهابية لم يقل عنها أنها إرهابا بروتستانتي ، وعندما صنفت مجموعة أيوم شنريكيو اليابانية إرهابية لم يُوصف إرهاباً بوذياٌ، ، وغالب هذه المنظمات تنطلق من تأويل خاص لمنطلقات دينية أو أيدولوجيه، ولكنها لم تنسب للمسيحية ولا البوذية ولا الإشتراكية، ولكنها نسبت إلى ما تسمي به نفسها ، ولكن جماعات والعنف في الحوض العربي الإسلامي هي وحدها ما يُنسب للإسلام فيقال الإرهاب الإسلامى والتطرف العنيف الإسلامى.
ومما لاشك فيه أن مرجع ذلك هو إلى خطاب الكراهية الذي تتناول به كثير من دوائر الإعلام، والسياسة بل وبعض مؤسسات التعليم الغربية الديانة الإسلامية . والتحيز ضد الإسلام أو التخوف منه الذي يعرف بالإسلاموفوبيا أمر ليس بالمحدث في أوروبا والغرب عامة ، فمرجعه يسبق الحروب الصليبية التى إجتاحت فيها أوربا عالم الإسلام بإسم الصليب لادفاعاً عن الصليب بل عن ممالكها الصليبية. ورغم أن العلمانية واللادينية فى أوربا وأمريكا فقد تعاظم أمر الإسلاموفوبيا مؤخراً بالحديث المكرر عن الإرهاب الإسلامي والخطر الإسلامي، فعظمت بلوى الطوائف المسلمه من ذلك ، وبخاصة تلكم التي تعيش في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية . فقد تضاعفت جرائم الكراهية ضد المسلمين في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية . وهي في تصاعد مستمر يؤجج إلتهابها خطاب الكراهية الذي أصبح سياسيون مرموقون في الغرب لا يتوانون عن توظيفه في معتركاتهم الإنتخابية ، حتى بلغ بعضهم مثل دونالد ترامب مبلغاً يكاد يصفه على مصاف دعاة إدارة التوحش والكراهية ، ولا يتوقف خطاب الكراهية العلني أو المستخفي عند دوائر السياسة والإعلام ، بل إنه يتدثر بدثار البحث العلمي الأكاديمي والدراسات الأمنية والإستراتيجية.
فالمراجعه الدقيقة لكثير من النقاشات الأكاديمية والبحوث في مؤسسات البحث الغربية تكشف التحيز الفكري والثقافي مغلفاً بمهارة بغلاف اللغة البحثية الموضوعية . ومما يؤسف له أن كثير من هذه البحوث والنقاشات حول صلة الفكر الإسلامي بالتأويلات المتطرفة العنيفة التي تتبناها المجموعات الماضوية المنسوبة إلى أسمه لا يشارك فيها المنتسبون للفكرة الإسلامية . وإنما يقتصر البحث والتداول على الباحثين الغربيين ، وربما المشاركة المتواضعه لمنتسبين للإسلام ، وتقتصر التمثيل على أولئك الذين لا يرون الإسلام مرجعية فكرية لهم ، بل مرجعيتهم هو الفكر الغربي بمختلف مدارسه . ولذلك فإن حقيقة الصلة بين أصول الإسلام الحقة والتأويلات الخاطئة لمبادئة لن تتبدى أبداً لأولئك الباحثين . فهم محجبون بحجاب الغربة الفكرية سواء أكانوا من غير ملة الإسلام أو بعض أبنائه ممن فقدوا إيمانهم بمرجعيته لهداية الحياة المعاصرة.
تسميات الإرهاب في الإعلام الغربي
وأشهر هذه التسميات هي الإرهاب الإسلامي Islamic terrorism والتسمية قد تكشف موضع الخطأ منها حقيقة واحدة ، وهى أن ضحايا جماعات الإرهاب المسلمة من المسلمين هم أضعاف مضاعفة لضحاياها من غير المسلمين . ولكن عيوناً تغشيها الكراهية ويعميها التعصب هي وحدها التي لا ترى هذه الحقيقة البارزة الساطعة . ولا يثور الإعلام الغربي ولا ينتفض غضباً عندما يُقتل المئات فى الكرادة في بغداد أو العشرات في الضاحية فى بيروت أو العشرات في أنقرة، ولكنه ينتفض غضباً عندما يقتل عدد من الضحايا مهما قل في عواصم أوربا . وربما يجد أهل الإعلام في الغرب ذلك مبرراً لديهم بأن خطابهم موجه لجمهور غربي ، ولكنهم يتناسون أن إعلامهم هو الذي يقود الإعلام التابع في كل العالم ، فالصورة التي يراها سائر الناس والإنطباع الذى ينطبع لديهم أن القيمة الإنسانية للإنسان الغربي أكبر وأعظم من قيمة الإنسان في الشرق الأوسط.
وأسوأ من تسمية الإرهاب الإسلامي هي تسمية جماعات العنف بالإسلاميين هكذا فحسب ، وبذلك يتماهي التطرف العنيف بالإسلام . وكذلكم وتستخدم تسمية السلفية أو السلفية الجهادية، ورغم أن هذه الجماعات جميعاً تنسب نفسها للسلفية وتصف أعمالها المريعة بأنها إحياء لطريقة السلف الصالح ،إلا أن غالب الجماعات السلفية التي نشأت في مصر والسعودية وسوريا لا ترى رأيها ولا تقر عملها، ويكفي مثالاً أن أكبر المنظمات المصنفة إرهابية لدى الغرب (القاعدة) لا ترى سبيل الإفراط في العنف والتوحش وإستهداف الأبرياء إلا إنحرافاً عن الإسلام الصحيح.
ومما لا شك فيه أن للتأويلات الخاطئة للمبادىء الإسلامية والنصوص والتاريخ الإسلامي هي المنطلق الذي تنطلق منه هذه الجماعات الغالية العنيفة . بيد أنه ليس من مصلحة أحد أن يضم إلى هذه الدائرة جماعات سلفية عديدة لا تقر هذه التأويلات ولا تقبل تلكم التصرفات. والإعلام الغربي يستخدم تسمية الجهاديين أو الحركة الجهادية على هذه الجماعات وهي تسمية خاطئة ، فالجهاد ليس هو ما تقوم به هذه الجماعات ، بل أن ما تقوم به هو تأويل خاطيء لفكرة الجهاد، فالجهاد معنى مركزي في العقيدة الإسلامية وهو لا يقتصر على القتال، وإن كان القتال لتحقيق العزة والمنعة للأمة الإسلامية ، هو ذروة سنامه إلا أنه لا يقتصر على ذلك، فالجهاد لا يتنافى فحسب مع ما يسميه الإعلام الغربي إرهاباً بل هو عين التضاد لتلكم الفكرة.
الجهاد والإرهاب تضاد أم تناص :
إن فكرة الجهاد هى الجوهر التنفيذى للعقيدة الإسلامية . فحياة المرء والمرأة كلها جهاد فى سبيل الحق . و الله (سبحانه وتعالى) وصف الجهاد بأنه يكون باليد واللسان والقلب فأنزل فى الكتاب : (وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا)، أى جاهدهم بالقرآن فكراً وقولاً . فالجهاد ليس مجرد الإصطفاف والقتال ، إنما الجهاد أوسع من ذلك وأعم . فالجهاد أن تكون ربانيا قرآنيا ويكون نسكك وصلاتك ومحياك ومماتك لله سبحانه وتعالى وعلى مراده الإلهى الذى هو سبيل ملاقاته على طريق الحق . فكل حياة الانسان جهاد لا ينقطع وكدح لا يتوقف. وهكذا يجب ان تكون حياة الإنسان (يأيها الإنسان أنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه ) وهو كدح عقلى يتدبر فيه الأنسان أيات الأنفس والأفاق والأكوان ويتدبر آيات الوحى ليترقى علمه وفهمه عن نفسه وعالمه والأكوان المحيطة به . وإنما العلم هو مدرج لكل سارب وكل سارى وعارج الى مراقى الحق من كل شىء . وبذل غاية الوسع للتوصل للحق من كل شىء يُسمى لما يبذل فيه من جهد إجتهاداً . ثم أن العلم بالشىء لا يراد إلا لإستقامة التصرف بشأنه ، ولذلك فإن حمل النفس على الإستقامة على الحق يُسمى لما يبذل فيه من جهد مجاهدة . ثم إن إستقامة المرء أو المرأة فردا على الحق ليست كافية ولا قابلة للإكتمال ولا الإستدامة ما لم يتسع صف أهل الإستقامة . ولذلك فإن الدعوة للإستقامة على الحق المبين المستبين تُسمى جهادا . والجهاد درجات ، وكل صعود درجات وكل هبوط وإنحدار دركات ، وفى ٍ كلٍ صعود وسفول. والجهاد فى تعريف السان العربى مصدرٌ من الجهد ، والجهد بفتح الجيم وضمها وهما بذل الطاقة وإحتمال المشقة ، والاجتهاد : بذل الوسع والمجهود الذهنى والمجاهدة بذل الجهد فى إستجماع الإرادة للترقى . والناس يعرفون من مكابدتهم الشخصية أن الصعود فيه كلفة وجهد وربما نصب ، وأما السفول والنزول فيسهل على كل كائن . وكلما زاد الصعود زاد الجهد . ولذلك فإن القتال مدافعة عن الحق وممالأة لإهله هو ذروة هذا الصعود. والجهاد المقصود هو الجهاد الذى هو مدافعة وذب عن الحق وليس هو العدوان بإسم الجهاد فذلك قتال محرم فكل عدوان محرم لأن الله لايحب المعتدين . وحتى إن بارز المسلمين عدو متهجم أو متربص فواجبهم أن يبازروه ويطالعوه على سواء لا أن يغدروا به . (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ) فقد جاءت الشريعة بالتحذير من الخيانة والترهيب منها، وبيان سوء عاقبتها في الدنيا والآخرة، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ) كما جاء في الحديث الصحيح أن من خصال المنافق أنه: (إِذَا عَاهَدَ غَدَرَ) ولأنهم مطلوب من المسلمين قبل كل قتال إن يدعو العدو بدعوة الإسلام ، فإن لم يستجب دعوه بدعوة المتاركة والمسالمة فإن لم يستجب لهم فقد نالوا الإذن بقتاله (أُذن للذين يُقاتلون بأنهم قد ظُلموا وأن الله على نصرهم لقدير ). والجهاد الذى هو قتال هو الجهاد الأفضل . لأنه أعلى درجات بذل الجهد والمال بل النفس ولكنه كذلك الجهاد الأصغر ، لأنه لا يكون إلا إستثناء على المعتاد . فالأمر الراتب المعتاد هو حالة السلم ، والحرب لا ترد إلا من قبيل رد الفعل لفعل الآخر الذى يجبرك أن تتفاعل معه كارهاً . والجهاد الأكبر هو جهاد الإستقامة على الحق ، لأنه مطلوب فى وقت ، فهو متواصلٌ فى زمان السلم ، ولا يتوقف بل ربما عظُمت الحاجة إليه فى زمن الحرب ..والحرب هى حالة المكره ، وهى وزركلها وحمل ثقيل على الأنفس وعلى أوضاع الناس . والاسلام لا يُمجد الحرب بل يُمجد الجهاد . والجهاد هو بذل الجهد فيما تفعل إن كان فى حالة السلم أو حالة الحرب . وقد إختلط على بعض من أخلت التأويلات الفاسدة بعقولهم الفرق بين تمجيد الجهاد الذى هو تمجيد لفعل الصدق فى القتال وبين تمجيد الحرب. فالاسلام لا يُمجد الحرب بل أن القرآن يصفها بأنها عئب وحمل ثقيل إذ يقول ( حتى تضع الحرب أوزارها) وأوزار الحرب تكلفة باهظة فى الأنفس والأموال بل حتى على الأخلاق . وتمجيد فعل القتال هو ما أنزلق بكثير من الجماعات إلى التوحش الذى يفضى إلى التنصل من الأدمية والإنحدار إلى البهيمية الضارية . وأسوأ ما تكون الحرب وأبغض وأكره ما تكون عندما تستحل بإسمها الحرمات ، فتنهب الأموال ويهلك الحرث والنسل ، ويقتل النساء والأطفال والصبيان ، وكل ذلك محرمٌ حُرمةٌ مطلقة لا تجُبها حالة الحرب بحال من الأحوال. فحالة الحرب لاتحل قتال غير المقاتلين ولا أذيتهم ، فالنساء والصبيان والشيوخ الكبار وكل مسالم لا يقاتل،فهؤلاء جميعاً لا يجوز قتالهم ، ولا يعد قتالهم من الجهاد فى شىء بل هو أدخل شىء فى الظلم والعدوان . وقد وجد النبي صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته امرأة مقتولة ، فقال صلى الله عليه وسلم: (مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ فِيمَنْ يُقَاتِلُ) . وقد حاول البعض إستحلال قتال غير المقاتلين بالإدعاء أنهم مظاهرين ومعاونين للمجهود الحربى للعدو . وهى حجة باطلة مدفوعة ، فوجود المدنيين فى حماية العدو وشراءهم وبيعهم معه ومعاملتهم السلمية معه لا تُعتبر مُظاهرةٌ له إلا أن أن يكون الفعل دعماً مباشراً للعمل الحربى ، وحتى فى هذه الحالة لا يُقتل الأطفال والصبيان ،لأن من سنة الشرع أن لا يؤاخذ غير المكلف صغيراغير مُميز أو مجنوناً.وكل ميثاقبين الأمم يحمى المدنيين والنساء والأطفال أثناء الحرب لوضع أوزارها عنهم يجدر بالمسلمين أن يلتزموا به و أن يدعوا إليه فهم أحق به وأولى .إن الآفة الكبرى فى زماننا هذا ليس هو غياب الجهاد وإنما غياب الفقه به ، وهى آفة وجهالة عظمت بها البلوى ، حتى إعتاد الناس على أنباء القتل للمسلمين وغيرهم المسالمين فى كل صباح ومساء ، وكثر الهرج والمرج والقتل والإغتيال ، وصار قتل الناس بالجملة بالتهمة ، وإخراجهم من أرضهم بالشبهة ، هو الأمرُ الدراج المعتاد ، وكل ذلك بإسم الجهاد ، والجهاد منه فى الضفة الأخرى منه وهما فى خطان متوازيان فى تضاد لا يلتقيان ، فحسبنا الله ونعم الوكيل.
نواصل
الإرهاب معضلات التعريف والمواجهة 2
د. أمين حسن عمر
المفردة المصاحبة لمفردة الإرهاب هى مفردة التطرف وهى الأخرى تستخدم إستخداما خاطئاُ وهو إستخدام مجانب أيضا للإستخدام العربى المتعارف عليها قبل إستعمالها مقابلاً عربيا للمفردة الإنجليزيةExtremism بل وأحيانا لمفردة Radicalism وهذا وحده ينبيك عن الإفتقار للدقة عند التعريب .فبرغم التشابه فى المعنى لغويا فإن الإستعمال الإنجليزى للمفردة إستعمال سلبى يجعلها مرادفة للتعمق والتكلف بينما الإستخدام العرفى العربى إستخدام محايد فمجرد إتخاذ موقف مباعد للوضع الراهن ليس أمراً سلبيا فى ذاته إلا أن يكون الوضع الراهن هو الوضع المرضى شرعياً أو عرفياً . والتطرف أو النزعة اليسارية فى التاريخ الغربى يعتبران نزوعاَ ضد الوضع الراهن status quo وهو الأمر الذى يعتبر سلبياً لتهديده لحالة الإستقرار. فالمجتمعات الغربية تميل فى الغالب للمحافظة على الإستقرار ومؤشر ذلك أن التغير فى الطبقة السياسية بطىء بعامل ما يسمى Incumbency Factor فالوجود فى وضع ما يضمن فى الغالب الإستمرار فيه ما لم يمنع ذلك القانون بتحديد دورات تعاقبية معلومة .
تطرف أم غلو :
التطرف فى لسان العرب هو إتخاذك موقفا أو رأياً على تباعد من الوضع الراهن أو الرأى المطروح وهو أمر لايذم لذاته إلا أن يكون الوضع الرأهن أوالرأى المطروح شرعاً معلوماً أو عرفا معروفا والكلمة التى تستخدم ذما هى كلمة الغلو والتى تعنى التزيد والتنطع والتشدد وأقرأ إن شئت ( يا أهل الكتاب لا تغلو فى دينكم ولا تقولوا على الله غير الحق )النساء 171 قال الطبرى فى تفسير الآية ( لا تجاوزوا الحق في دينكم فتفرطوا فيه، وأصل الغلو في كل شيء مجاوزة حده الذي هو حده، يقال منه في الدين قد غلا فهو يغلو غلواً . و ههنا التزيد على الشرع المعلوم يعتبرتشددا. وتقول غلا الماء اذا ارتفع وزاد بأثر الحرارة .يقول صاحب لسان العرب (وغلا في الدين والأمر يغلو غلوا : جاوز حده . وفي التنزيل : لا تغلوا في دينكم وقال الحارث بن خالد :
خمصانة قلق موشحها رؤد الشباب غلا بها عظم
وفى التهذيب : وقال بعضهم غلوت في الأمر غلوا وغلانية وغلانيا إذا جاوزت فيه الحد وأفرطت فيه ؛ قال الأعشى : أنشده ابن بري :
أو زد عليه الغلانيا
وفي التهذيب : زادوا فيه النون ؛ قال ذو الرمة :
وذو الشنء فاشنأه وذو الود فاجزه على وده وازدد عليه الغلانيا
زاد فيه النون . وفي الحديث : إياكم والغلو في الدين أي التشدد فيه ومجاوزة الحد ، كالحديث الآخر : إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ؛ وقيل : معناه البحث عن بواطن الأشياء والكشف عن عللها وغوامض متعبداتها ؛ ومنه الحديث : وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه ؛ إنما قال ذلك لأن من آدابه وأخلاقه التي أمر بها .ويختم أبن منظور بقوله
وكلها من الإرتفاع والتجاوز وجمعها غلوات ) وقال الزبيدي في تاج العروس : " غلا في الدين غلوا تشدد وتصلب حتى جاوز الحد . وقال صاحب الصحاح: وأفرط في الأمر: أي جاوز فيه الحد. فالغلو فى كل ما ذكر هو التزيد والتشدد .وفى الحديث الذى رواه أبو داؤد ( ألا هلك المتنطعون ) يقول صاحب اللسان ( والتنطع في الكلام : التعمق فيه مأخوذ منه . وفي الحديث : هلك المتنطعون . هم المتعمقون المغالون في الكلام الذين يتكلمون بأقصى حلوقهم تكبرا ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون . وكل منها مذكور في موضعه ، قال ابن الأثير : هو مأخوذ من النطع وهو الغار الأعلى في الفم ، قال : ثم استعمل في كل تعمق قولا وفعلا . وفي حديث عمر رضي الله عنه : لن تزالوا بخير ما عجلتم الفطر ولم تنطعوا تنطع أهل العراق . أي تتكلفوا القول والعمل) والتعمق التنطع تكلف بالزيادة على المطلوب سواء كان قولاً أو فعلاً ,هو التجذر المسمى عند الغربيين بالراديكالية.
مما سبق قد نرى إن الإستخدام الأمثل لوصف حال التزيد أو التعمق والتكلف هو كلمة الغلو التى إستخدمها القرآن الكريم وإستخدمتها السنة المطهرة أو هى كلمة التنطع والتعمق فى حالة التكلف فى فهم المراد أو إنفاذه . وآفة كل ملة أو نحلة إنما هى التقصير عن مطلوباتها أو التزيد فيها أو التنطع تكلفا ولكن أهل القصد هم أهل الحق الذين لا يقصرون ولا يغالون على مطلوبات الدين . والغلو فى الدين أكبر خطراً وأبعد أثراً من التقصير فيه . ذلك أن التقصير نقص فى العمل بينما الغلو تحريف للدين قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبن عباس وأورده النسائى فى سننه ( بأمثال هؤلاء بأمثال هؤلاء و إياكم والغلو فى الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو فى الدين ) وفى سنن البيقهى من رواية أبى هريرة (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وإنتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ) وما من فكرة ولا ملة ولا نحلة إلا وأصابها ما أصابها من تحريف الغلاة وانتحال وكذب أهل الباطل وتأويلات وتفاسير أهل الجهالة بالفكرة أو الملة أو النحلة . لذلك كان من سنن الدين أن أهل العلم به المؤتمنين عليه بصدق إيمانهم يجددون الفهم به كلما تأثرت الفهوم بالتحريف والإضافات الزائفة أو بالتأويلات والتفسيرات الساذجة الجاهلة .
التطرف والوسطية :
الفهم الحسابى لمفردتى التطرف والوسطية فهم خاطىء . فالتطرف لا يعنى الغلو إلا إذا كان تطرفا من المعلوم شرعا أى إتخاذ موقف مباعد من الموقف الذى أمر به الدين أو الموقف المعتمد فى الأخلاق التى يمارى فيها أحد. وكذلك العرف معيار آخر لمعرفة الحق . والمعروف فى الدين مشروع إلا أن ينفى . وما رآه المؤمنون حسناً فهو عند الله حسن. ولكن هذا لا يعنى إعتماد مبدأ الأغلبية فحسب لتقرير وجه الحق من المسائل إلا أن تكون الأغلبية قائمة على مرجعية شرع معلوم أو عرف معروف .فمجرد إتخاذ موقف طرفى مما هو مطروح لا يعنى الغلو ولا التشدد . ولذلك فالأمر ليس حسابيا ولا جغرافيا، وكذلك مفردة الوسطية ما هى حسابية ولا جغرافية . وأعنى أن أتخاذ موقف الوسط بين موقفين أو بين رأيين ليس أمراً ممدوحاً فى ذاته ، بل قد يكون مذموما فى غالب الأحوال لأنه لو تحرى ذلك طوال الوقت لا يكون إلا أمعة يتحدد رأيه برأى جهتين عن اليمين واليسار . وقد أشكل على الناس القول أن الوسطية هى حد بين الإفراط والتفريط وهذا صحيح . وفيه يقول أبن قيم الجوزية ( ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان ؛ إما إلى تفريط وإضاعة ، ودين الله وسط بين الجافى عنه والغالى فيه والغالى فيه ) ولكن الوسطية تحيل الى شرع معلوم فلا تغلو وتتزيد فيه ولا تقصر عنه أوهى وسطية مرجعيتها شرع معلوم أو عرف معروف فلا تغلو فيه ولا تقصر عنه . فالوسطية الحسنة هى التوسط والإعتدال فى الفهوم والأفعال وفقاً لمرجعية صحيحة.يقول أبن منظور فى شرح مفردة وسط (وسط الشيء وأوسطه : أعدله وقال الجوهري: "وَسَطتُ القوم أسِطهم وَسْطًا وَسِطَة: توسطْتُهم، وفلان وَسِيط في قومه، إذا كان أوسطَهم نسبًا، وأرفعَهم محلاًّ، والوسطُ من كلِّ شيء: أعدله، ويُقال أيضًا: شيء وسَط؛ أي: بين الجيد والرَّديء، وواسطةُ القِلادة: الجوهر الذي في وسطها، وهو أجودها ) وقال الراغب الأصفهاني "الوسط: ما له طرفان متساويا القدر، و تارة يقال فيما له طرفان مذمومان؛ يقال: "هذا أوسطهم حسبا، إذا كان في واسطة قومه، وأرفعهم محلا، كالجود الذي هو بين الإسراف والبخل، أما الفيروز ابادي فيعرف الوسط بأنه "العدل فيقول: الوسط، من كل شيء هو أعدله وهكذا فإن الوسطية ترد بمعنى الاعتدال و العدل و التيسير و التوازن بين أمر وأمر وشىء وشىء . فهذا هو المعنى المراد من إستخدام مفردة وسطية وهو ما يدل عليه الفهم الصحيح لأيات الكتاب العزيز (قال الله تعالى " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا")
قال ابن جريرفى تفسير الآية: "إنَّما وصفهم بأنَّهم وسط؛ لتوسُّطهم في الدِّين، فلا هم أهل غلو فيه - غلوَّ النصارى الذين غالوا بالتَّرهب، وقيلِهم في عيسى ما قالوا فيه - ولا هم أهل تقصير فيه - تقصير اليهود، الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم وكفروا به - ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه")
وقال الزمخشري: "(وَسَطًا): أي: (خيارًا)، هي صفة بالاسم الذي هو وسط الشيء، وقيل للخيار: وسط؛ لأنَّ الأطراف يتسارع إليها الخلل، والأغوار والأوساط محميَّة محوطة، أو عدولاً؛ لأنَّ الوسط عدل بين الأطراف، ليس إلى بعضها أقرب من بعض ) فالإبتعاد مما يسميه الناس وسطاً وإتخاذ طرف قصى عنه لايعنى بالضرورة التفريط ولا الغلو ما لم يكن ذلك الوسط هو أعدل الأمور ولا يكون أعدل الأمور إلاتكون بينته شرع معلوم أو عرف معروف أو معلوم بالضرورة من حقائق الكون والحياة .
التعمق والتطرف العنيف والإرهاب:
الرائج فى دوائر الإستخبارات الغربية والدراسات والإعلام أنها تستخدم مفردات مثل راديكالزم(التعمق أو التجذر ) فايلونت إكستريزم(التطرف العنيف ) ترورزم (الإرعاب والترويع والمفردة المشتهرة هى الإرهاب ) وهى تستخدم هذه المصطلحات وكأنها يمكن أن ينوب بعضها عن بعضها الآخر . بينما يتوجب التفرقة بين معانيها لتحديد المراد من المفردة تعييناً.وعندما يجرى تعريب هذه المفردات تزداد غموضا على غموضها الأصلى لأن المفردة العربية تأتى هى الأخرى بظلال إستعمالاتها وإيحاءاتها. وعبارة التطرف العنيف عبارة مستحدثة فى دوائر الأمم المتحدة . وهى تقارب التدقيق بالتفريق بين مجرد التطرف الذى لا يخلو منه أحد أو جهة ما فى موقف من المواقف على أقل تقدير، وبين إستصحاب النزعة العنيفة فى التعبير أو الفعل . فالتطرف لايعنى أكثر من إتخاذ موقف أو رأى على مبعدة من الوضع الراهن أو الموقف الراهن أو الرأى المقبول رسمياً أو شعبيا . فهو لا يحمل معناه إلى بنسبته لرأى آخر أو موقف آخر قد يسمى المعتاد أو الوسطى أو العرفى أو الرسمى أو الرائج . ولا يننبغى أن يكون هناك مشاحة فى حرية إتخاذ المواقف السلمية أو التعبير عن الأراء السلمية ، لكنه على الرغم من أن الجميع يقر بذلك أو على الأقل يجاهر بالقول بذلك ، فإن الأراء والمواقف غير الشعبية أو التى تناهض المواقف الرسمية أو تلك التى تحاول إفتكاك ثغرة فى رأى سائد أو عرف مستقر ، دائما ماتواجهه موقفا عدائياً من السواد الأعظم من الناس . لذلك اضطبغت كلمة التطرف دائما بصبغة غير مستحبة لدى جمهور الناس ، وبخاصة لدى الحكام والرسميين ومن يظاهرهم . والإضافة الجديدة فى المصطلح الذى تتبناه الأمم المتحدة وقد إعتمده الإتحاد الأفريقى مؤخرا لا تزيل الغموض تماما عن معناه . فما يمكن أن يسمى أو يصنف عنفاً أمرٌلا يزال عليه الناس يختلفون ، و تختلف حوله كثير من التشريعات والقوانين ، كذلك فإن البعض يعتقد أن ما يسمى بالتطرف يكتنز فى باطنه بذرة العنف فهو تطرف بالقوة لا بالفعل و لم يصر تطرفا عنيفا بعد ، ولكنه قد يكون بسبيله إلى ذلك .وهذه وجهة نظر يحملها ويجاهر بها للطرافة اليمنيون المتطرفون الذى لا يرون التطرف إلا فى الضفة الأخرى من حيث يقفون . ومفردة عنف هى الأخرى ليست بالوضوح الذى يعتقده كثير من الناس . فالعنف هو إستخدام القوة المادية للتوصل إلى نتيجة مرغوبة وسريعة . ولكننا لايمكننا الإستغناء عن مفردة قوة لشرح معنى مفردة عنف . فالقوة هى أداة العنف والفرق بين إستخدام القوة وإستخدام العنف لا يختلف فى الوسيلة وإنما فى الهدف والغاية . فإستخدام الدولة للقوة لا يعتبر عنفاً عند عامة الناس ، لأنه يُنظر إلى أن الهدف والغاية منه هى حفظ السلم العام من خلال القوة التى يوجهها القانون . بيد أن ذلك لايكون إلا تبريرا لفظيا فى غالب الحال ،عندما يكون القانون نفسه إرادة مستبد أو وسيلة لإمضاء الظلم لا ذريعة لتحقيق العدل . وهكذا يتداخل معنى التطرف ومعنى العنف بالوسائل والغايات . وما أسهل على الإنسان الذى هو أكثرالخلق جدلاً أن يبرر الوسائل والغايات.أما كلمة الراديكالية التى أحب أن أعربها بمفردة تعمق بأكثر من المصطلح الرائج الذى يتركها كما هى فى اللغة الانجليزية ،أو يعربها بالنزعة للتجذر أو الجذرية ، فهى حالة من الرغبة فى رؤية صورة مغايرة للوضع الراهن بإعتباره غير كاف لتحقيق الغاية . فلربما لا يختلف الراديكاليون مع غايات الوضع الراهن ، ولكنهم لا يرون وسائله مفضية لتحقيقها. فهم يتشددون ويبالغون ويرون التشدد والمبالغة وسيلة ناجعة لتحقيق الغاية سواء إن كانت هى إسعاد المجتمع أو الوصول إلى الرضا الإلهى أو تحقيق مساواة الجنس الانسانى. فالرهبانية كما يراه الإسلام نوع من التعمق والراديكالية فى مكابدة إرضاء الإله بحرمان النفس مما أباحه الإله نفسه . والراديكالية الأوربية المعاصرة هى نزعة( إيغالتيرانية ) إى نزعة تدعو للمساواة التامة من خلال تغيير الأوضاع الراهنة بصورة جذرية . والراديكالية بهذا المعنى إنتقلت إلى المشرق إنتقالاًمن أوربا ولم تنشأ فيه ، وإن نشأت نزعات فى المشرق تدعو إلى تغيير شامل من خلال مقاربات تجديدية تريد تغيير الراهن من خلال إحياء أصول درست من ذات التراث الفكرى ، فهذه حركات إحيائية ، ومثال لهؤلاء المفكر المصرى سيد قطب الذى يدعو للإنقلاب الإسلامى ، وهو يعنى لديه تغييراً جذرياً للوضع الراهن الذى يسميه جاهلية القرن العشرين . وذلك الإنقلاب قابل للتحقق بإحياء أصول فى التراث الإسلامى نُسيت أو درست أو إستبعدها الإستعمار. والنزعات الراديكالية مثلها مثل التطرف يمكن أن تكون راديكالية عنيفة مثل راديكالية الخوارج . ويمكن أن تكون راديكالية مسالمة يرى تعمقها فى كون غايتها على مبعدة من المعتاد أو المعتمد أو الراهن ، ولكن وسائلها شرعية وسلمية . بيد أن التيارات المتطرفة إلى اليمين لا ترى فى أية دعوة للتغيير الجذرى إلا دعوة للعنف فهوإن لم يكن العنف الحال فهو العنف المحتمل .أما الكلمة الأكثر إشتهاراً فهى مفردة إرهاب وهى كما سبق إن ذكرنا تعريب سىء لمفردة تيرورزم . وهى كلمة تثير معان مختلفة عند ذكرها لدى المسلم الذى لا يراها كلمة سيئة بما يقرأ ويفهم من نصوص القرآن والسنة ، بل هى عنده متصلة بمعان الخشية والإنابة ودرء العدوان لا إرتكابه . بينما يراها المفتقر للفهم للمصطلح والمفهوم الاسلامى مفردة تدعو للعدوان والمبالغة فى العنف والترويع بتبريرات أيدولوجية أو مذهبية أو دينية ، أو حتى بسبب مظلومية لا يخطىء رؤيتها بصر المنصف .فالترويع والإرعاب الناجم عن تأويل خاطىء للدين أو المبرر بسبب رغبة فى الإنتقام العارم ليس من الإسلام فى شىء ، وهو ليس له نسبة إلى أية ديانة حقة فى مقربة أو مبعدة . وكلمة إرهاب قد إكتسبت بكثرة الإستعمال فى الأعلام الغربى والتابع ، نسبة الى الإسلام وهو منها براء. فالإرعاب والترويع والقتل العنيف وبالجملة لا علاقة له بإلإسلا م ونسبته فى التاريخ القديم والحديث لمن ينسبونه للإسلام أقوى من نسبته للإسلام . فالإسلام عندما غزا أرضاً خارج محيطه الأصلى ضم أهلها سلماً إلى جماعته فصاروا فيها أصلاء حتى لم تعد نسبة من بدأ بهم الدين إلى نسبة القادمين إليه من شتى أطراف الارض إلا نسبة لاتكاد تذكر، ثم تداخلت الشعوب وأنصهرت بآصرة الدين فلم تعد الأنساب القديمة إلا ذكرى باهتة ، ولكن أناساً آخرين ذهبوا إلى أطراف الأرض غزاة فأبادوا أهاليها بالجملة ، ثم لم يبق من أهل الأرض القدامى إلا بقية متحفية للعرض الأنثربولوجى يسمونهم الأصلاء. والإسلام كذلكم لم يكن هو الدين الملهم لإختراع أسلحة الدمار الشامل ، ولا أهله هم من أقدموا على إستخدامها لتفنى المدنى المسالم والمرأة المرضعة و الطفل الرضيع والشيخ المهيض الجناح.من فعلوا هذا هم المارقون من كل ديانة بأسم الدهرية المحدثة التى هى لا دينية لا يمليها إلا هوى الأنفس والشهوات الجامحة الجانحة .
نواصل