السبت، 8 أكتوبر 2016

الترابى ......حياة الأفكار7
                 دأمين حسن عمر

كان الدكتور الترابى يفهم القرآن بوصفه كتاب الحياة .فهو الدليل لسبل أن يحيا المؤمن الحياة التى تحصل له  بها السعادتان،سعادة الأولى والآخرة.لذلك كان يفهم القرآن كتاب خطاب وتعليم وتفهيم للإنسان. فالإنسان عندما يجىء الى محراب القرآن عليه أن يأتيه متفرغا ليقرأ فيتلو ويرتل. وإنما يقرأ القارىء متمهلاً مترسلاً رتلاً من بعد رتل من الكلمات والجمل والآيات ليتدبرها فيفهمها.لأن من أنزل هذا الكتاب شرف الإنسان ليكون هو الناطق به بكلماته . لذلك وجب  أن يقربه متأدبا ويقرأه ويتلوه مترسلاً ، ليفهم عن الله سبحانه وتعالى ما يخاطبه به.وهو إذ يقرأ وإذ يتلو ويرتل ويتدبريكتنفه الخشوع وتمتلكه الهيبة ، لما يعلم أن المُخاطِب له بهذه النداءات القرآنية  هو الله سبحانه وتعالى . وسياق القرآن  دائماً هو مخاطبة المؤمنين وقلما يُخاطب به الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم ، وحتى عندما يوجه الخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم فإنما يُطلب منه أن ينقل الخطاب لأمة المومنين . وذلك كذلك ليعلم كل إنسان أنه مقصودٌ بشخصه ومخاطبٌ من ربه بالقرآن. فالقرآن هو خطاب الرب للمربوب والخالق للمخلوق والمعبود للعابد.
القرآن لتعليم الإنسان:
إن رؤية الترابى القرآنية رؤية إنسانوية مركزها الإنسان . لأن تعليم الإنسان وتفهيمه هو مقصد الخطاب . ومركز رسالة القرآن للإنسان  هى أن يتوحد روحاً وجسدا، عقلاً ووجداناً . وأن يرى الكون حوله متناغما موحدا، ولن يكون ذلك ممكنا فى الفهم مالم يكن الصانع واحد ومقصوده مما صنع واحداً . فلذلك  فإن المقصد  هو توحيد الإنسان لنفسه ألا تتفرق وتتمزق . وتوحيد الانسان لحياته فى مجتمعه أن لا تتصارع فتتنازع ,وتوحيد الانسان نظرته للأكوان ليراها  كما هى متسقة متنظمة بسنن لا تتبدل ولا تتغير . وتلكم هى طريقه الايمان بالله الواحد الأحد الذى إن لم نره واحدا  فندركه  واحدا فردا صمدا لفسدت السموات والأرض ومن فيهن. ولأن القرآن تنزل خطاباً مباشراً لأمة الدعوة والاستجابة التي كانت قائمة حين تنزيله وتناول واقع حياتهم بالأحكام الفاصلة فأوضح مقتضى التدين الحق من خلال الإحاطة الوثيقة بواقعهم . فهو تلبس بحياتهم وأتخذ من مادتها مناسبات التنزيل من بعض أحوالهم الشخصية ومواقفهم النفسية ،و محاولاتهم وتساؤلاتهم من طوارئ الأحداث الخاصة والعامة ومن ظواهر الوجود كما يلاحظونها ومن مقارنة التاريخ  الذي أحاطت بهم ظلاله وبين القرآن مغزى ذلك كله بميزان الحق الأزلي والعلم الصادق والعدل المطلق.
فأحكام القرآن  وتعاليمه لدى د. الترابى هى خطاب لأهل الوقت أيما  وقت . ذلكم الوقت وهذا الوقت ما في ذلك  من ريب . وهو خطاب بالحق الأزلي الذي تسرى حجته مطلقاً لمدى ما يبلغ من الأمم المعاصرة واللاحقة إلى يوم الدين . ذلكم لأن الله أحكمه على الإطلاق وانقطع بعده خبر السماء وأختتمت  الرسالات . والترابى لا يشغل نفسه بالمقولات الفلسفية وحوارها العقلي حول جواز مخاطبة المعدوم أو عدم جواز ذلك . فالأنسان فى علم الله وقدره حاضر وإن لم يولد . وقد سبق لله سبحانه وتعالى أن خاطب الذرية الأدميه وهى فى ظهور الأباء (ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ).  فالترابى يؤمن ان القرآن خطاب أزلى للإنسان وإن تنجم على أحوال الجيل الأول . ولذلك فهو ينظر الى معانى القرآن متنزلة على الجيل الأول فلا يغفل معانى الكلمات وإستعمالاتها فى ذلكم العهد . وكذلك أسباب التنزل وملابسته . وأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأقوال أصحابه فى شرح الأيات والمعانى . كل ذلكم عنده هو التفسير. لكن التفسير الذى هو فهم القرآن فى سياقه الذى أنزل فيه ليس بالكافى . فنحن لسنا مطالبون بتفسير القرآن بل نحن مطالبون بتدبره . ولن يكتمل التدبر دون تأويل والتأويل نعنى به نقل حجة ذلكم الخطاب من سياقه الى واقع الحال الذى آل اليه الأمر فى زماننا . والترابى يدعو إلى  وقفة تأمل لتكييف مقارن وشامل للواقع الجديد . فهو يقول (وربما يجوز لنا اليوم أن نفرق في معني القرآن بين " تفسير " وتأويل باصطلاح جديد يطلق الأول لتبيين معني الأصل في عهد التنزيل وما اتصل به . والثاني لتبين معني " الفرع " المتجدد في كل عهد فهماً جديداً تؤول فيه معاني القرآن إلى وجه جديد . إذ تقوم في مواجهة واقع جديد ويجوز لنا أن تسمي الأول شرح " فهم " والثاني شرح " اعتبار " )ذلكم لأن الإعتبار هو تعدية مراد الخطاب للواقع المعاش ليتلبس به كما تلبس مجتمع التنزل الأول بمراد الخطاب أول مانزل. ولأن المقصود هو تحسين حياة الانسان وأعمار الأكوان بالفهم عن الله سبحانه وتعالى تدبراً لما يخاطبنا به. فالقرآن إنما جاء رحمة للعالمين ، وهى رحمة تتبدى فى توجيههم لأحسن التصرف والسلوك فى كل حال، تصرفا يسعد به الإنسان ويُسعد به غيره ، ويصون به الطبيعة وينميها على الوجه الذى به تربو وتزيد . لا على الوجه الذى به تتغير وتفسد أو تفنى وتبيد.وفكرة الفهم التوحيدى للقرآن أبعد مطالاً وأعمق معنى من فكرة التفسير الموضوعى للقرآن . وهى تلكم التى تصل الموضوعات التى تناولها الخطاب القرآنى ببعضها البعض فلا يُفهم رتل من الآيات الا بوصله بأرتال الآيات التى تتصل بذات الموضوع الذى يتناوله الخطاب .وهو كذلك أبعد مطالاً وأعمق معنى من تفسير القرآن بالمقام أى مقام المخاطبة وقتاً ومحلاً ، ومن تفسيره بالسياق سياق المخاطبة وقتاً ومحلاً وحالاً وحدثاً ونازلة وإتصال  عبارة . وتفسير القرآن بالسياق هو توسع فى تفسير القرآن بإعتبار الوقت والمحل وسبب النزول ،والعرب تقول صادقة لكل مقام مقال. بيد إن المُحدثين من أهل التفسير وبسبب تطور علوم الألسنية ذهبوا الى تحريك المقام ليكون سياقاً ، أو ما يعرف بالشرح بالمقاربة للموقف الكلى  Contextual Approach)) . ونظرية السياق التى تجاور المقاربة التوحيدية تعجز عن إدراك تلكم المقاربة. فالمقاربة التوحيدية تتحدث عن أرتال أى وحدات معنوية يأخذ بعضها بأيدى بعض فى تشابك فريد ينشىء معان جديدة دون أن ينقص من معنى الرتل المخصوص شيئاً. يقول أصحاب نظرية السياق ( معظم الوحدات الدلالية تقع في مجاورة وحدات أخرى و إن معاني هذه الوحدات لا يمكن وصفها أو تحديدها إلا بملاحظة الوحدات الأخرى التي تقع مجاورة لها ) وذلك يعنى أن نسيج الكلام مثل نسيج الأجسام يتفرد ولكنه  فى ذات الآن يتكامل وهذا  هو المعنى فى المقاربة التوحيدية . وتقترب نظرية السياق من ذلك لأنها تؤكد بأن الوحدات المعنوية يتغير معناها أو يتحور بما يجاورها من وحدات أخرى. ولكن الرؤية التوحيدية تتجاوز الوحدات المعنوية لتصل السياق بما يحرك من معانٍ فى ذاكرة القارىء ، وبما يستجيش من مشاعرفى وجدانه . فالأنسان ههنا كلٌ موحدٌ يعقل بوعيه الذى يشتمل على فهمه للواقع وأحساسه وشعوره تجاه هذا الواقع .لأن مشيئة الأنسان لاتتبلور بإدراكٍ مجردٍ للأمور وإنما بإحساسٍ وتفاعلٍ وجدانى ونفسى. وإنما مقصود الفهم أن يفضى بالإنسان إلى التصرف الرشيد تجاه كل موقف. ولذلك نحن نقرأ القرآن بمنهج  التدبر الذى لايكتفى بتنشيط الطاقة الفكرية بل يرتدف معها الطاقة الوجدانية والروحيه . وذلكم بإستشعار الانسان أنه فى معيه عظيمة هائلة . وأنه يصغر بإزائها حضوراً حتى يكاد يفنى ولكنه يكبر بما يقترب منها وجودا حتى كأنه يحيط علما بالأكوان . ويقبس منها قوة حتى كأنه قادر فلايعجزه شىء أو أمر.فمن فهم عن الله وعمل بما فهم أحبه الله ومن أحبه الله كان (سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها وقدمه التى يمشى بها) وأذا سأله أعطاه واذا استغفره غفر له واذا استعاذه أعاذه ، أو كما ورد فى الحديث القدسى الذى رواه البخارى وأحمد والبيهقى .والمعنى أنه يعلم بعلم من الله ، ويقوى بقوة من الله،  وينال غفران الله ورض وانه ،وحفظه وكلاءته. فالقران هو حبل الوصال بين العابد والمعبود والخالق والمخلوق والرب المربى والمربوب . فالقرآن هى كلمة الله العرفانية وسنن الحياة والطبيعة هى كلمته التكوينية . ولا يكون فى ملك الله إلا ما أراد الله أو أذن به. والقرآن هو هادى الإنسان لحقائق الكون والحياة كما حققها الله ، وكما كونها الله سبحانه وتعالى . يقول الترابى فى شرح المعنى (تتوالى آيات القرآن وتتضاعف معانيها وتتأيد وتوحد هدى الإنسان لحقائق عالم الغيب ليرسخ يقينه بها فى حياته فى عالم الدنيا المشهود ، وليسعى الى عين اليقين فى الأزل وفى الحياة الأخرة ، فالقرآن يُذكر كثيرا بمركوز الفطرة الإنسانية بخيار عقد إيمان بالله الواحد وميثاق عبادة له وراء الغيب. ويذكر كذلك ظواهر العالم المشهود الناظر فيها ببصيرة قد يعزز ما تلهمه الفطرة إيماناً يتزكى بخواطر التفكر والتدبر النافذ للخالق المعبود ) والترابى يتأمل كيف أن عجز المشركين عن رؤية روح الوحدانية فى الوجود قد قطعهم عن الأله الحق . وكيف يمكن لإدراك روح الاتساق والانسجام والوحدة  فى الكون والحياة ، كيف يمكن لها أن تهدى لله الواحد الأحد الصمد . إن معرفة الانسان للسنن الكونية تهيئه لإتباع السنن والنظم التى لا تضل ولاتزيغ . والشريعة لدى الدكتور الترابى هى السنة التى يجتمع عليها  أهل الإيمان فينتظمون ويتوحدون فى الاستجابة لنداءات الإيمان فى القرآن التى توحدهم وتساوى بينهم . فكلهم لآدم وآدم من تراب ، كلهم سواسية يخضعون لحكم عدل هو الله رب العالمين ، الذى لا يحابى أحداً ولا يرى لأحدٍ فضلاً على أحد إلا بما كسبت يداه ، ولا دنية لأحد دون أحد إلا بما أكتسبت يداه . والترابى رغم أنه يحفظ الفضل لأهل التفاسير القديمة إلا أنه لا يخفى أنتقاده لجوانب القصور فيها . وبخاصة تلكم التى خطها المتأخرون زماناً. وهو تنتقد تجافيها عن أدراك سياق القرآن المتصل الذى يصل أحوال الإنسان بظواهر الأكوان.( فهى تمربذكر آيات الكون  المشهود عرضا ولا تبين ما فيهامن سنن وأقدار هادية وواعظة .ولا تشير إلى حكمة وصلها سياقاً بذكر آيات الوحى وحياة الإنسان . ) وهو ينتقد علماء الطبيعة المسلمين الأقدمين الذين حفظوا القرآن وأتقنوا بعض وجوه العلم بالطبيعة ولكنهم  لم يصلوها بالقرآن ، ليوضحوا كيف أن العلم بالكون وسننه  هو سبيل معرفٌ بالله موصلٌ إليه . وكيف أن العالم الربانى الذى يصل علمه بالكون بعلمه بالغيب ، كيف يكون عابدا لله بحق عبادته . لأن علمه يكشف ما أنحجب عن سواه من علم الله الواسع وسلطانه العظيم .وهو أيضا ينتقد إنشغال بعض اهل التفسير بالجدليات والفلسفات المستعارة من الفلسفة الهيلينية . وهو يمضى فى ذلك على نهج صاحب إحياء علوم الدين الإمام الغزالى ، وصاحب نقض المنطق الإمام أبن تيمية. ويأخذ الترابى على أهل الجدل من المفسرين أن جدلياتهم التجريدية أضعفت مغزى أن معانى القرآن إنما جاءت من أجل الإنسان لا من أجل أفكار مجردة لا صلة لها بأحوال الناس وأقدارهم .فالقرآن إنسانى التوجه يتعامل مع الانسان بروح الرأفة والرحمة والعناية والحرص. وخطاب القرآن للإنسان هو دعوة للصلاح الدائم والشامل، صلاحا تصلح به سيرة الانسان فى نفسه فلا تمزق بين نفس تغويه ونفس تهديه ، وصلاحا يٌصلح به  الإنسان أحوال من حوله محبة ورحمة ، وتواصيا بالحق وبالخير. وصلاحا يُصلح به البيئة والطبيعة ، فتكثر ثمارها من حرث ونسل ، وتعمر شعابها لتكون للناس ولسائر المخلوقات مسخرةٌ لكل مشيئة صالحة خيرة .

نواصل
الترابي .. حياة الأفكار (5)
د. أمين حسن عمر

       ولد الترابي وعاش في عصر ضعف و إستضعاف الأمة الإسلامية بعد أن كانت ولقرون تعد على الأصابع هي الأمة الغالبة. وقد آمن الترابي أن ما وقع على الامة من عدوان وإستضعاف هو نتاج كسب اياديها بعد أن تراجعت الفكرة وخارت الهمة ،وانحلت الروابط . وسبب ذلك كله عند الدكتور الترابي هو التباعد عن الفكرة المركزية فكرة التوحيد. فالتوحيد هو استجاشة فكر الإنسان ليكون في حالة نشاط فكري مستمر وذلك هو الاجتهاد . والتوحيد هو استجاشة إرادة الإنسان ليكون في حالة وعي مستمر يحفز مشيئته على الاستقامة على الفكرة . ومجابهة الركون للكسل المستعاذ منه ،وللدعة والترف والسرف ،وتلكم هي المجاهدة. والتوحيد هو استجاشة همة النفس لتتوحد النفوس جميعاً على همة واحدة هي الدعوة للإرتقاء بالأنفس والجماعات إلى مقام الإنسانية القائدة والشاهدة على الأمم و ذلكم هو الجهاد.
الفقه هو الفهم :
       والفقه لدى الترابي هو الفهم . وأول ذلك فهم الإنسان لما هو عليه من حال وأوضاع متغيرة ومتحولة ومتبدلة ،لأن النظر في الحال هو إبتدأ الأمر. وهو الوعي الذي هو مقابل الغيبة والغيبوبة . وهو المعاش مقابل السبات وهو الصحوة مقابل الغفوة . فغير العاقل ما هو بمكلف بشيء من تكاليف الدنيا أو الآخرة. فلحظة الوعي هي مبتدأ لحظة التكليف. لذلك فإن الوعي الفكري للإنسان هو الهداية الأولى وقد أوكل الإنسان الأول إليه عندما أنزل إلى الأرض. "قلنا أهبطوا منها جميعاً فاما يأتينكم منى هدى ممن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون"  فقد أنزل الإنسان ليهتدي بفطرته وبعقله . ووكل إليهما حتى إذا خذلته الفطرة وخذله العقل وأجاءاه إلى سبيل الضلال ،جاءه الهدى المتنزل وحياً من السماء ليعيده إلى السبيل القويم والصراط المستقيم . ولا يزال الإنسان موكلُ إلى عقله وفطرته ليدرك  ماهية الحال التي هو عليها . ومن ثم ينظر في هدى السماء المتنزل عليه لا كتاباً يقُرأ فحسب بل قدوة انسانية عملية متمثلة في الرسول المرسل صلى الله عليه وسلم . فالرسول ليس  محض حامل رسالة فحسب بل هو شاهد وشهيد . هو شاهد على إن معرفة مراد الله وحياً وكسباً بالامكان . وهو شهيد على ان الاستقامة على مراد الله الذي يهدي إليه الوحي والعقل بالامكان . وأن الجهاد ليكون مراد الله هو الكلمة العليا الحاكمة بين الناس هو ايضاً بالامكان. لذلك فان الفقه هو الفهم للحال وما يناسبه من هداية متنزلة متمثلة في الكتاب المنير، أو هي هداية تُهدى إليه من معرفة حال السراج المنير محمد صلى الله عليه وسلم المتبدية في سمته وحاله وسيرته وسنته.
       ولئن كان الأمر كذلك فلا عجب أن عصر الركود الفكري الفقهي كان منزلقاً للانحدار الحضاري والتخلف الإنساني. ذلكم الذي آض بالأمة إلى ما هي عليه من استضعاف واستتباع. فالضعيف تابعٌ ولا غرو والقوى متبوع يلا شك . وبذلك يفسر دكتور الترابي ظاهرتا الاستباع والاستعمار التين خضع لهما العالم الإسلامي . وهو يدرك أن تغيير الحال لا يكون إلا بتغيير الباطن. ما يعنى تغيير طرائق التفكير لإعادة الأنفس من غفوتها إلى صحوتها ،ومن ضلالها إلى وعيها المتجدد المتعاظم. ولن يتحقق ذلك إلا بالفكرة المركزية القرآنية التوحيدية . وأقرأ ان شئت خطابه سبحانه إلى عبده محمد صلى الله عليه وسلم "إلم يجدك يتيماً فآوى ووجدك ضالاً فهدى ووجدك عائلاً فأغنى" أي وجدك في حال الضعف والاستضعاف فآواك وجعل لك ملجُاً ومعاذاً . ووجدك في حال حيرة العقل وضباب الوجهة والقبلة فهداك إلى مقاصدك . ووجدك قليل الحيلة لا تغني نفسك عن نفسك شيئاً فأغناك عن من سواك . وهذا هو حال الأمة اليوم ضعيفة مستضعفة وملجأها ومعاذها في القرآن . وحائرة ضالة وهداها في القرآن. وقليلة الحيلة واهنة القوى وقوتها وبأسها من القرآن. والقرآن هو كتاب التوحيد، توحيد العابد والمعبود . فالأمة العابدة أمة واحدة بما تقرأ من الكتاب وما تدرس . ومصدرها للهداية رب واحد وكتاب واحد ودين واحد لا تفرقه المذاهب ولا تتشعب به الآراء والمقاصد.
توحيد النفس العابدة:
       والتوحيد يبدأ بتوحيد النفس العابدة لتكون نفساً عازمة ومريدة للحق ومستقيمة عليه وداعية إليه. يقول الترابى "والأصل في الدين ان يكون موحداً للظاهر والباطن، بل الباطن هو جوهر التدين والظاهر صورة التعبير عنه" ولكن الوضع البشري كثيراً ما يجنح نحو تغليب الظاهر وأعلاء الطقوس والنظام الشكلي الفارغ . وهي ظاهرة تصيب العقائد والشرائع الوضعية والسماوية على حدٍ سواء . فتتوارد على اطوار تاريخها دورات التقلب والشكلية ،ثم تتهيأ مراحل وعي واحياء للمعاني بالتعويل على النوايا الحسنة وتوخي المقاصد وتحقيق وظائف التوجيهات الدينية في الضبط النفسي والإجتماعي. والظاهرية هي الموت السريري للتدين . ذلك أن مظاهر الحياة تظل موجودة والمفقود هو حيوية الحياة نفسها. الظاهرية هي إعطاء الاعتبار للمباني دون المعاني والاعتبار بالالفاظ والقوالب الشكلية دون ­­النوايا التعبدية والمقاصد المرعية . وشيوع الفقه الظاهري المضيع للنظر في الأحوال المهدر للمقاصد الشرعية القليل العناية برفع الأمر والحرج عن الناس هو العلة الأولى. وأما الداء المقابل لهذا الداء فهو الباطنية السلبية التي لا تنظر إلى الأحوال الظاهرة ولا إلى المشكلات التي تعم بها البلوى بين الناس . بل تنصرف إلى تأملات ذاتية ومكابدات باطنية تنأى بها ان تكون ذات هداية للناس أو عناية بأمرهم . والظاهرية تقود إلى جمود العقل والتبعية للاسلاف بغير نظر في الأحوال المتغيرة المتحولة . والباطنية تقود إلى خمود الإرادة  وبرود الهمة عن تغيير احوال الناس وتحسينها . والانصراف عن ذلك إلى التربية الذاتية الخصوصية التي لا تجد لها معيناً من المجتمع ،فمن لا يعين لا يُعان فتنزلق هي الأخرى إلى مزالق الناجي من جرفها الهار قليل . ان النهضة لدى دكتور الترابي تبدأ بالتوحيد ، توحيد ظاهر الإنسان وباطنه فالاشكال والطقوس والشعائر لابد لها أن ترتبط بالمعاني والمقاصد . ومراعاة النيات العابدة لابد لها أن تتصل بمشيئة عاملة ناصبة لتكون حياة الناس أمثل وأفضل ، ويلاحظ الدكتور الترابي انقسام الأمة إلى فئتين عظيمتين إحدآهما تُعني بالظاهر فتقلد السلف بلا بصيرة واعية . ويصبح ولاؤها للاسلاف لا للأفكار . وتعصبها للاشخاص والأئمة لا تمسكاً بالحقائق وتعرفاً على الوقائع ،يستوى في ذلك من يتسمى سلفياً أو شيعياً . والفئة الثانية هي فئة باطنية تقلد أئمة التصوف بلا وعي ولا بصيرة وتنصرف عن نوازل الزمان وأحوال الناس . وكأنما التدين مطلوب لأجل ذاته لا ثمراته في النفس والمجتمع.
       ويستخدم دكتور الترابي أنموذج الشعائر ليعرض من خلاله كيفية توحيد ظاهر النشاط الانساني وباطنه . فيقدم أنموذج الصلاة مرآة لهذا المعنى . فالصلاة عماد الدين من أقامها أقام الدين ومن هدمها فقد هدم الدين . فلماذا هذا المقام الرفيع للصلاة؟؟ ويجيب لأنها بيان بالمطلوب من العبادة كل العبادة ، فجوهر العبادة إبقان معرفي وتسليم لله بالعلم والقدرة . ولئن كان الدعاء هو مخ العبادة فانما الصلاة هي الدعاء ولكنها دعاء مخصوص . فهو ليس محض كلام ولا هو محض حركات وطقوس ولا معاني ومواجد تجيش بها النفس، بل هي كل ذلك معاً . هي توجه وإستعانة في آن واحد . وهي سكون الاعضاء وجيشان الوجدان . والصلاة تعلمنا كيف تتجانس حركة الجوارج رأساً وأيادي وأقدام . وكيف تقوم وكيف تتوجه إلى قبلة واحدة وتستقر على سبعة لوجة واحدة. والصلاة الحقة هي تدير وتذكر . وهي اتصال وما هي بالانقطاع . هي صلة بالله وصلة بالجماعة المرصوصة صفاً واحداً . وثمرة الصلاة الحقة هي وعي بما تنكره النفس الصادقة الصافية وابتعاد عن كل فعل فاحش مجانب للفكرة الطاهرة . وثمرتها تماهي الفرد في الجماعة وانقياد الجماعة للقيادة بوعي وبصيرة. وسائر الشعائر كذلك فالصيام للفحشاء وجاء ،وللأثرة دواء ومن القسوة شفاء . والزكاة تزكية للنفس من شحها وللمال من خبثه وللمجتمع من مظالمه . والحج شفاء للحاج من عُجب ومن كبر . وتذكير له بالقبلة الواحدة والأمة الواحدة والرحلة القاصدة. ودكتور الترابي يمضي في شرح ذلك وتفصيله فيما كتب عن الشعائر وعن الصلاة التي هي عماد الدين . فالشعائر هي رآيات الدين المشرعة وألويته المرفوعة . وهي التذكير المستمر بمعاني الشرائع التي ما شرعت إلا لتوحيد العابدين بنفي الظلم والتظالم . وتحقيق المودة والإخاء فالمؤمنون أخوة . وهم وإن كانوا اشخاصاً متعددون فهم في تواصلهم وتوادهم جسدٌ واحد إذا أشتكي بعضُه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

نواصل ،،،
الترابي .. حياة الأفكار (5)
د. أمين حسن عمر

       ولد الترابي وعاش في عصر ضعف و إستضعاف الأمة الإسلامية بعد أن كانت ولقرون تعد على الأصابع هي الأمة الغالبة. وقد آمن الترابي أن ما وقع على الامة من عدوان وإستضعاف هو نتاج كسب اياديها بعد أن تراجعت الفكرة وخارت الهمة ،وانحلت الروابط . وسبب ذلك كله عند الدكتور الترابي هو التباعد عن الفكرة المركزية فكرة التوحيد. فالتوحيد هو استجاشة فكر الإنسان ليكون في حالة نشاط فكري مستمر وذلك هو الاجتهاد . والتوحيد هو استجاشة إرادة الإنسان ليكون في حالة وعي مستمر يحفز مشيئته على الاستقامة على الفكرة . ومجابهة الركون للكسل المستعاذ منه ،وللدعة والترف والسرف ،وتلكم هي المجاهدة. والتوحيد هو استجاشة همة النفس لتتوحد النفوس جميعاً على همة واحدة هي الدعوة للإرتقاء بالأنفس والجماعات إلى مقام الإنسانية القائدة والشاهدة على الأمم و ذلكم هو الجهاد.
الفقه هو الفهم :
       والفقه لدى الترابي هو الفهم . وأول ذلك فهم الإنسان لما هو عليه من حال وأوضاع متغيرة ومتحولة ومتبدلة ،لأن النظر في الحال هو إبتدأ الأمر. وهو الوعي الذي هو مقابل الغيبة والغيبوبة . وهو المعاش مقابل السبات وهو الصحوة مقابل الغفوة . فغير العاقل ما هو بمكلف بشيء من تكاليف الدنيا أو الآخرة. فلحظة الوعي هي مبتدأ لحظة التكليف. لذلك فإن الوعي الفكري للإنسان هو الهداية الأولى وقد أوكل الإنسان الأول إليه عندما أنزل إلى الأرض. "قلنا أهبطوا منها جميعاً فاما يأتينكم منى هدى ممن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون"  فقد أنزل الإنسان ليهتدي بفطرته وبعقله . ووكل إليهما حتى إذا خذلته الفطرة وخذله العقل وأجاءاه إلى سبيل الضلال ،جاءه الهدى المتنزل وحياً من السماء ليعيده إلى السبيل القويم والصراط المستقيم . ولا يزال الإنسان موكلُ إلى عقله وفطرته ليدرك  ماهية الحال التي هو عليها . ومن ثم ينظر في هدى السماء المتنزل عليه لا كتاباً يقُرأ فحسب بل قدوة انسانية عملية متمثلة في الرسول المرسل صلى الله عليه وسلم . فالرسول ليس  محض حامل رسالة فحسب بل هو شاهد وشهيد . هو شاهد على إن معرفة مراد الله وحياً وكسباً بالامكان . وهو شهيد على ان الاستقامة على مراد الله الذي يهدي إليه الوحي والعقل بالامكان . وأن الجهاد ليكون مراد الله هو الكلمة العليا الحاكمة بين الناس هو ايضاً بالامكان. لذلك فان الفقه هو الفهم للحال وما يناسبه من هداية متنزلة متمثلة في الكتاب المنير، أو هي هداية تُهدى إليه من معرفة حال السراج المنير محمد صلى الله عليه وسلم المتبدية في سمته وحاله وسيرته وسنته.
       ولئن كان الأمر كذلك فلا عجب أن عصر الركود الفكري الفقهي كان منزلقاً للانحدار الحضاري والتخلف الإنساني. ذلكم الذي آض بالأمة إلى ما هي عليه من استضعاف واستتباع. فالضعيف تابعٌ ولا غرو والقوى متبوع يلا شك . وبذلك يفسر دكتور الترابي ظاهرتا الاستباع والاستعمار التين خضع لهما العالم الإسلامي . وهو يدرك أن تغيير الحال لا يكون إلا بتغيير الباطن. ما يعنى تغيير طرائق التفكير لإعادة الأنفس من غفوتها إلى صحوتها ،ومن ضلالها إلى وعيها المتجدد المتعاظم. ولن يتحقق ذلك إلا بالفكرة المركزية القرآنية التوحيدية . وأقرأ ان شئت خطابه سبحانه إلى عبده محمد صلى الله عليه وسلم "إلم يجدك يتيماً فآوى ووجدك ضالاً فهدى ووجدك عائلاً فأغنى" أي وجدك في حال الضعف والاستضعاف فآواك وجعل لك ملجُاً ومعاذاً . ووجدك في حال حيرة العقل وضباب الوجهة والقبلة فهداك إلى مقاصدك . ووجدك قليل الحيلة لا تغني نفسك عن نفسك شيئاً فأغناك عن من سواك . وهذا هو حال الأمة اليوم ضعيفة مستضعفة وملجأها ومعاذها في القرآن . وحائرة ضالة وهداها في القرآن. وقليلة الحيلة واهنة القوى وقوتها وبأسها من القرآن. والقرآن هو كتاب التوحيد، توحيد العابد والمعبود . فالأمة العابدة أمة واحدة بما تقرأ من الكتاب وما تدرس . ومصدرها للهداية رب واحد وكتاب واحد ودين واحد لا تفرقه المذاهب ولا تتشعب به الآراء والمقاصد.
توحيد النفس العابدة:
       والتوحيد يبدأ بتوحيد النفس العابدة لتكون نفساً عازمة ومريدة للحق ومستقيمة عليه وداعية إليه. يقول الترابى "والأصل في الدين ان يكون موحداً للظاهر والباطن، بل الباطن هو جوهر التدين والظاهر صورة التعبير عنه" ولكن الوضع البشري كثيراً ما يجنح نحو تغليب الظاهر وأعلاء الطقوس والنظام الشكلي الفارغ . وهي ظاهرة تصيب العقائد والشرائع الوضعية والسماوية على حدٍ سواء . فتتوارد على اطوار تاريخها دورات التقلب والشكلية ،ثم تتهيأ مراحل وعي واحياء للمعاني بالتعويل على النوايا الحسنة وتوخي المقاصد وتحقيق وظائف التوجيهات الدينية في الضبط النفسي والإجتماعي. والظاهرية هي الموت السريري للتدين . ذلك أن مظاهر الحياة تظل موجودة والمفقود هو حيوية الحياة نفسها. الظاهرية هي إعطاء الاعتبار للمباني دون المعاني والاعتبار بالالفاظ والقوالب الشكلية دون ­­النوايا التعبدية والمقاصد المرعية . وشيوع الفقه الظاهري المضيع للنظر في الأحوال المهدر للمقاصد الشرعية القليل العناية برفع الأمر والحرج عن الناس هو العلة الأولى. وأما الداء المقابل لهذا الداء فهو الباطنية السلبية التي لا تنظر إلى الأحوال الظاهرة ولا إلى المشكلات التي تعم بها البلوى بين الناس . بل تنصرف إلى تأملات ذاتية ومكابدات باطنية تنأى بها ان تكون ذات هداية للناس أو عناية بأمرهم . والظاهرية تقود إلى جمود العقل والتبعية للاسلاف بغير نظر في الأحوال المتغيرة المتحولة . والباطنية تقود إلى خمود الإرادة  وبرود الهمة عن تغيير احوال الناس وتحسينها . والانصراف عن ذلك إلى التربية الذاتية الخصوصية التي لا تجد لها معيناً من المجتمع ،فمن لا يعين لا يُعان فتنزلق هي الأخرى إلى مزالق الناجي من جرفها الهار قليل . ان النهضة لدى دكتور الترابي تبدأ بالتوحيد ، توحيد ظاهر الإنسان وباطنه فالاشكال والطقوس والشعائر لابد لها أن ترتبط بالمعاني والمقاصد . ومراعاة النيات العابدة لابد لها أن تتصل بمشيئة عاملة ناصبة لتكون حياة الناس أمثل وأفضل ، ويلاحظ الدكتور الترابي انقسام الأمة إلى فئتين عظيمتين إحدآهما تُعني بالظاهر فتقلد السلف بلا بصيرة واعية . ويصبح ولاؤها للاسلاف لا للأفكار . وتعصبها للاشخاص والأئمة لا تمسكاً بالحقائق وتعرفاً على الوقائع ،يستوى في ذلك من يتسمى سلفياً أو شيعياً . والفئة الثانية هي فئة باطنية تقلد أئمة التصوف بلا وعي ولا بصيرة وتنصرف عن نوازل الزمان وأحوال الناس . وكأنما التدين مطلوب لأجل ذاته لا ثمراته في النفس والمجتمع.
       ويستخدم دكتور الترابي أنموذج الشعائر ليعرض من خلاله كيفية توحيد ظاهر النشاط الانساني وباطنه . فيقدم أنموذج الصلاة مرآة لهذا المعنى . فالصلاة عماد الدين من أقامها أقام الدين ومن هدمها فقد هدم الدين . فلماذا هذا المقام الرفيع للصلاة؟؟ ويجيب لأنها بيان بالمطلوب من العبادة كل العبادة ، فجوهر العبادة إبقان معرفي وتسليم لله بالعلم والقدرة . ولئن كان الدعاء هو مخ العبادة فانما الصلاة هي الدعاء ولكنها دعاء مخصوص . فهو ليس محض كلام ولا هو محض حركات وطقوس ولا معاني ومواجد تجيش بها النفس، بل هي كل ذلك معاً . هي توجه وإستعانة في آن واحد . وهي سكون الاعضاء وجيشان الوجدان . والصلاة تعلمنا كيف تتجانس حركة الجوارج رأساً وأيادي وأقدام . وكيف تقوم وكيف تتوجه إلى قبلة واحدة وتستقر على سبعة لوجة واحدة. والصلاة الحقة هي تدير وتذكر . وهي اتصال وما هي بالانقطاع . هي صلة بالله وصلة بالجماعة المرصوصة صفاً واحداً . وثمرة الصلاة الحقة هي وعي بما تنكره النفس الصادقة الصافية وابتعاد عن كل فعل فاحش مجانب للفكرة الطاهرة . وثمرتها تماهي الفرد في الجماعة وانقياد الجماعة للقيادة بوعي وبصيرة. وسائر الشعائر كذلك فالصيام للفحشاء وجاء ،وللأثرة دواء ومن القسوة شفاء . والزكاة تزكية للنفس من شحها وللمال من خبثه وللمجتمع من مظالمه . والحج شفاء للحاج من عُجب ومن كبر . وتذكير له بالقبلة الواحدة والأمة الواحدة والرحلة القاصدة. ودكتور الترابي يمضي في شرح ذلك وتفصيله فيما كتب عن الشعائر وعن الصلاة التي هي عماد الدين . فالشعائر هي رآيات الدين المشرعة وألويته المرفوعة . وهي التذكير المستمر بمعاني الشرائع التي ما شرعت إلا لتوحيد العابدين بنفي الظلم والتظالم . وتحقيق المودة والإخاء فالمؤمنون أخوة . وهم وإن كانوا اشخاصاً متعددون فهم في تواصلهم وتوادهم جسدٌ واحد إذا أشتكي بعضُه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

نواصل ،،،
الترابي .. حياة الأفكار (4)
د. أمين حسن عمر

       عندما كنا أيفاعاً نحرص على الكد في طلب العلم والفهم ، كنا نلتهم مما يُكتب كل ما يقع عليه البصر، لكن دكتور الترابي قدم لنا نصيحة ذهبية . وهي ان نضع أولويات لما نقرأه عاجلاً وما نؤجله لاحقاً . فهو يقول أن تقسيم الحاجة إلى القراءة أيضاً يخضع لمبدأ الأولويات الضروري أولاً ثم الحاجي ثانياً ثم التكميلي ثالثاً . والمرء والمرأة بحاجة إلى الأخذ من كلٍ نصيب ، ولكن تعهد الضروري يأتي أولاً وأكبراً ، وتعهد الحاجي يأتي ثانياً وكافياً ، ونصيب التكميلي  يكون بقدر الحاجة إلى التكميل. وكان يوصينا في ترتيب هذه الأولويات أن نبدأ بالأصول ثم الفروع ثم  ما يكتمل به ذلك . ولكنه في رؤيته التوحيدية لا يرى إن بالامكان فهم الأصول دون النظر في فروعها ولا فهم كل ما يتصل بهما مما تكتمل به الصورة العامة إلا في إطار رؤية توحيدية شمولية.
تجديد أصول الفقه:
       كانت دعوة دكتور الترابي لتجديد الفقه وأصول الفقه دعوة مستفزة لعقول غشتها غلبة العاطفة المتحمسة عليها، فلم تفهم ما المقصود من الدعوة وما مغزاها في إطار الدعوة للاحتكام للاسلام من جديد .. فأصول الفقه لدى الدكتور الترابي هي أصول الفهم وهوادي العمل . وهو يشرح كيف دُونت هذه الأصول وكيف تطورت ثم كيف جمدت . فحفظت في كتب صفراء لا يطلع عليها إلا القليل المنزوي عن الحياة العامة العاجز عن التأثير عليها. وأما ما يظنه البعض من الناس أنه يمكن نفض الغبار عن تلكم المكتوبات ثم استهدائها لترشدنا إلى كيفية الالتزام بالاسلام في زمان تغيرت حيثياته كثيراً ،وتبدلت أحواله تبدلاً كبيراً ،فذلكم ظن قائم على التوهم لا على التيقن . ولا يقلل ذلك القول من القيمة العلمية الباقية لهذه المكتوبات فهي بلا شك الأساس الذي يتوجب أن يشاد عليه كل بناء جديد. ذلكم أن الترابي يفهم أن الفقه  إنما هو الفهم الصحيح. والفهم الصحيح لا يكتمل إلا بالمزواجة بين ما هو مكتوب وما هو مشهود. والمكتوب هي تلك العلوم المدونة والمشهود هو أوضاع الحياة وأحوال الناس . ولأن تعاليم الدين ليست كلها نصوصاً توقيفية آمرة بل أن جُلها إشاراتِ هادية تتصل بما عليه حال المخاطبين، لزم العلماء ان يراجعوا فهمهم لتلكم الاشارات مرة بعد مرة ،وعصراً من بعد عصر ،ليفهموا دلالتها ومناسبتها لما عليه الحال ،وما قد يؤول إليه المآل .
       والفقه وأصوله حسب قراءة الترابي إنما بدأ بعهد الطلاقة والأجتهاد الفطري . فكانت دلالات النصوص واضحة والرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بين يدي الناس وظهرانيهم . وكانوا أذا سئلوا أجابوا وإذا استوضحهم الناس أوضحوا اتباعاً لنص الكتاب أو توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم أو الرأي المناسب عقلاً لهذين المصدرين ،أو كما قال معاذ "أجتهد رأيي ولا ألو" فأجابة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله" . والعودة لفقه الرأي المستهدي بهداية النص القرآني والسنة النبوية هو مدخل د. الترابي لتجديد أصول الفقه. ذلك أن منهج التخطيط الأصولي الذي شرحه الأمام الشافعي ،ومنهج تخريج الفروع على الأصول الذي سبق به الأمام أبو حنيفة قد أنتهى بتطاول القرون إلى غلبة للاعتبارات المنطقية النظرية على الأعتبارات العملية الواقعية . فاصيب الفقه وأصوله بداء الشكلية الصورية . والمقصود بها مراعاة الاتساق الشكلي واعطائه الأولوية على تحقيق المقصد من التوجيه الإلهي أو التوجيه النبوي. ورغم محاولات الاجتهاد التي ازمعت ان ترد الأمر إلى أصله في مراعاة المصلحة والمقصد والحال، وذلك من لدن أبن تيمية إلى الشاطبي فان داء الشكلانية الصورية لا يزال يلازم الكثير من المكتوبات في الفقه وأصول الفقه . يضاف إلى ذلك إتجاه الفقه إلى الانحصار حول الشعائر والأحوال الشخصية والمعاملات الخاصة . وابتعاده عن ما تعم به البلوى من الشؤون العامة في المعاملات العامة والسياسات والحكم وإدارة الاقتصاد والمعايش . وانصرفت بعض المكتوبات الأخرى إلى اتخاذ الفقه مطية للاستنصار به على الآخر المخالف . فكما نشأت شيعية متحيزة نشأة سلفية متشددة متحيزة. وهكذا اتسعت الفجوة بين الفقه وأصوله وبين وقائع الحياة واحوال الناس . لذلك أصبح يسيراً على أهل المذاهب العلمانية واللادينية أن يسدوا فراغ الحاجات العامة التي جعلها الفقهاء خلاء بلقعاً ، وانصرفوا إلى تفصيل التفصيل وتفريع التفريع في فقه الشعائر والأمور الخاصة. وإخلاء جوانب من حياة الناس العامة أو الخاصة مجانب للتوحيد مفارقٌ له . ففي فهم الدكتور الترابي "الأصل في التدين ان يكون شاملاً لجملة الحياة . ولكن ما ان يعول الناس أو تغلبهم إبتلاءات الواقع المتجدد حتى يقصروه على الحياة الخاصة وتلك سنة الحياة في الديانات والمذاهب يعتريها التبديل وعجز التطور فتنحسر دون الحياة العامة) وانحسار هداية الدين عن الحياة العامة هو العلمانية بعينها. وإن جاءت نتيجة لتقصير الفقهاء أو جاءت لغلبة الأمراء الذين لا يرون الدين إلا قيداً على سلطانهم المطلق على الأمور العامة. لذلك فدعوة د. الترابي لاعادة بسط سلطان الدين العلمي والعملي على سائر وجوه نشاط الحياة هو مصداقٌ للتوحيد . ذلك الذي تهدي إليه الآية "قل ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين" . فمدخل الترابي لتجديد الفقه وأصوله منهج توحيدي . يهدف إلى استجاشة "تجديد جذري لا مجرد التجديد للصور والمصطلح والتبويب أو الاستدراك والترقيم في بعض الفروع لكنه تجديد لا يلغى القديم ولا يستغنى عنه بل يتغذي بالصالح والثابت منه ثم يتجاوزه إلى مبالغ الحاجة الاجتهادية المعاصرة.
الفقه للناس :
       ودعوة الترابي لتجديد الفقه والفهم ليست دعوة موجهة لطائفة سُميت بالفقهاء ، ولكنها دعوة لسائر أهل الفهم والإدراك في الأمة . فالفقه ليس مهنةٌ لأحد من الناس، إلا إذا صار الفهم الصحيح والسليم مهنة تمتهن. فلرب فقيه في مسألة يكون من عوام الناس كما صححت تلكم المرأة عمر رضي الله عنه عندما أراد أن يحدد المهر فردته بفهمها الصحيح لكتاب الله . فلا يجب ان يحتكر فهم الدين ولا إفهامه طائفة من الناس بدعوى العلم . فلا أحد من العلماء يمكن له ان يدعى الاحاطة التامة بكل مسألة حتى في مجال اختصاصه. وربتما فكرة ملهمة جاءت ممن يراه الناس أبسط الناس و أضعفهم شأناً . فالفهم للدين جزء من تدين الناس ولا يجب ان يدعى احتكاره طائفة مخصوصة  "الأصل في الدين التوحيد وإشاعة سوية لوجوه التدين فلا يقوم رجال الدين وسائط يستغنى بهم العوام أو الحكام عن مباشرة التدين والالمام ببعض علمه" ولا شك أن الأخذ عن علماء متفرقين يقتضى قدراً من الالمام بالعلم للإختيار بين هذا وذاك ، ليس بتقواه فحسب بل بعلمه المقترن بالتقوى. وهذه ليست دعوة للسماح لغير أولى الأهلية للخوض في مسائل علمية لا يملكون آلتها العلمية ،ولكنه رفض للحجر على العامة ان يوضحوا فهمهم للدين ليحاجهم غيرهم سواء كانوا علماء أو عامة من أمثالهم. فنحن اليوم نخوض في علوم أهل الاختصاص الطبية والهندسية وغيرها بما يتيسر لنا من فهم بغير نكير . وليس هنالك من جلاوزة يردون الناس عن فهمِ في تلكم العلوم التى اتسعت وسائط العلم بها وانتشرت الثقافة العامة المتصلة بها . ومحاولة اخراج علوم الدين من متناول العامة بدعوى أن القول فيها قول بغير علم محاولة مردودة .فإنما العلم بالتعلم وبعض طرق التعلم هي القول للاجازة أو القول على سبيل الاستيضاح . وأما أن تنشأ طائفة مخصوصة لا تلبث ان تتحول إلى سلطة دينية تحتكر تفسير الدين وتوضيح مسائله ،فذلكم مفارق لمعنى ان كل انسان يتعبد لله بفكره وباستقامته وعمله وبدعوته لما يراه الحق . ولا يكون الدين شاملاً إلا بذلك ولا يكون مقتضى التوحيد الأكمل إلا كذلك .


نواصل ،،،
الترابى .... حياة الأفكار 3
            د.أمين حسن عمر

أثار الدكتور الترابى سؤالات كثيرة حول التوحيد ليفهم على وجه الحقيقة. ولا شك أن قضية التوحيد قضية متصلة ملتحمة بالتقديس . ولذلك نشأ تحسس هائل من مناقشتها مناقشة عقلية، رغم دعوة القرآن المتكررة للناس لكى يستخدموا عقولهم لمعرفة الدين الحق . بيد أن الذى شاع فى عصور التقليد هو التقديس الحاجب للمعرفة وليس التقديس الحافز على المعرفة . ولاشك أن قضية التوحيد هى قضية إخبار فى المقام الأول ولكنها قضية تصديق وإيمان من بعد ذلك . ولن يكون التصديق حقيقيا واغراً فى القلب ما لم تطفأ كل شبهة . وتبدد بنور الفكر والنظر العقلى السديد. وهذا ما يدعونا اليه القرآن (قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد ) فهى سبيل واحدة للتوصل لحقيقة أن الدين الذى يحثهم عليه الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق الذى هو مقتضى العقل السليم وليس هو مخالفة مقتضى العقل الذى هو الجنون.
أنسنة التوحيد :
فلئن كان سبيل الوصول الى الحق فى قضية التوحيد هو العقل فإن المقاربة الصحيحة هى البدء من تلقاء الإنسان .فهو الباحث عن الحق الناصب الى ربه بعقله ليلاقيه. والتقديس ههنا حاضر لا يريم . فالبحث عن الله بحث عن موجود ليس كمثله شىء. وهو محيط بكل شىء ومؤثر فى كل شىء فلم لا تراه بصائرنا ما دامت عجزت عن رؤيته أبصارنا. العلة تكمن فينا ،هى مسألة إنسانية. يجب علينا أن نعرف أنفسنا لنعرف كل حقيقة متصلة بهذا الوجود . وأهم هذه الحقائق هى هى قصة الخلق والإيجاد والخالق والمخلوق والكون والمكون له.إن دعوة القرآن للتأمل فى الأكوان وفى قصة الخلق وفى نفس الانسان لدعوة ذات مغزى من أخطاها ،أخطأه فهم حقائق كثيرة . هى الهادية الى الله رب العالمين  ليفهم فهماً ليس إلى  التقليد فى شىء، ويؤمن إيمانا  يكون على بصيرة .لا إيمان من يظل العمر كله يروغ من الشبهات فلا يبددها بنور العقل ونور العلم . ومشكلة الدكتور الترابى مع مخاصميه كانت هى إيمانه الذى لا يتزحزح أن العقل هو وحده السبيل الى الله ، فهو مفتاح حل شفرة النص المكتوب . وهو مفتاح فهم آيات الله فى الآفاق وفى سنن النفس والاجتماع البشرى . وقد يتهمه البعض جزافا أنه يسرف فى تحكيم العقل فى كل مسألة . ولكن إجابته وإجابتنا عليهم أنه ما لم يحكم العقل حكم الهوى.والهوى هى ميول النفس بلا ضبط العلامات والأشارت التى تهدى الى السبيل القويم. وأولئك الذين يعيدون الأغلوطة القديمة التى هى معارضة صريح المعقول بصحيح المنقول عليهم أن يدركوا أن صريح المعقول هو الحاكم على صحة المنقول . فالآية تعظ الكافرين المتهمين الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر واحد  هوأن يقوموا لله مثنى وفرادى ليتفكروا فى معقولية ما يحدثهم النبى صلى الله عليه وسلم من عدم معقوليته. والناس تدرك ان النص إنما هو لغة تدرك بالاصطلاح . ويكون بعضه واضح بلا كثير تفكر وبعضه الآخر تشتبه فيه المعانى ولابد من إستخدام الملكات العقليه فى فهمه وتدبره.  ثم أنه لاتكليف بدين حال ذهاب العقل سواء كان تكليفأ بقول أو بعمل . فالعقل هو مناط التكليف فهماً وعملاً .  لذلك فإن المستفرغ جهده ليفهم  مقصود الشارع مأجور ولو جانب الصواب فى إجتهاده. وقد كان الدكتور الترابى عقلانيا حتى أعتبر بعض مخاصميه ذلك سُبة فى حقه. وكان عقلانيا إلى الدرجة التى ربما تمنى أن لا تكون هناك معجزات ليتوصل عقل الإنسان الى الرب بلا إعجاز. وكنا نخالفه الرأى احيانا فى محاولته صرف معجزة ما الى تفسير عقلى يبعدها عن المعجزة ،لأننا أقل عقلانية منه. فتقديره لعقل الانسان من تقديره للإنسان . وهو طالما قال إنما  كان تكريم الإنسان لملكة التعقل والتفكر لديه . وكان إمتحان الله سبحانه وتعالى للملائكة ليظهر لهم تفوق آدم عليهم  فى تلكم الملكات. والملائكة كانوا أولو علم بما علمهم الله وحياً يوحيه إليهم . ولكن آدم علمه الله علم معرفة العلامات والآيات والأشارات والرموز . فهو علم الاستنباط والإستقراء والقدرة على تخليق الأفكار ،علم علمه له الله أحسن الخالقين .وهو علم ليس للملائكة إليه من سبيل . لذلك كان الترابى لا يطيق كسالى العقول وتستفزه الخرافات وما شابه الخرافات استفزازا لا يجتهد فى إخفائه .وكان يقول أن الله خلق الخلق وهو ليس له حاجة إليهم ولكنه خلقهم لتتجلى فيهم رحمته ونعمائه . فليس المخلوق فى خدمة الخالق بل الخالق هوالذى يعطى وينعم ويحمى ويحب. وعلى أن الإنسان ليكون سعيدا أن يعرف ربه ويتحلى بصفات الرب التى تجلى بها على الانسانية فيكون معطاءً ويكون رحيما ومنعما وحاميا ومحباً. لذلك فالتوحيد الحق هو الذى يرتقى بالانسانية ويتجلى فى حياة الانسان بأثاره التى تجعل الانسان يرتقى فى مراقى الانسانية ليكون ربانى الأخلاق والصفات.
التوحيد والتجديد :
 والترابى يدرك أن الأمة التى غلبت عليها التقاليد لن تنهض حتى تكون عابدة لله حق عبادته . وهى لن تعبده حق العبادة الا اذا استفرغت الجهد فى طلب تلكم العبادة .وإستفراغ الجهد يبدأ ببذل الوسع فى التفكر والتدبر فى الكتاب الذى أنزل هداية للناس. لأنه جاء لنفى المعاناة والخوف والحزن عنهم (فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداى فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون ). فالكتاب جاء لسعادة الناس فى الدنيا وسعادتهم فى الأخرة . وفهم الكتاب وآي الكتاب أنما يكون بالنظر على أثره على حال الانسان  . فإنما جاء لرفع الإصر من الناس ودفع  العنت عنهم . فإيما فهم أو تفسير أعنت الناس أوشدد عليهم فليست نسبته للكتاب بصحيحة. لذلك كان الترابى يدرك أن من الضرورى تجديد فهم الدين عند الناس عوامهم وخواصهم . تجديدا يدركون به المغازى الكلية للإيمان بالله وإرسال الرسل وإنزال الكتب.وكما يدركون به مغزى الإيمان بالغيب وبالقدر وعلاقة الأقدار بالإختيار. وكان يعلم أن الناس إن لم يدركوا الكلى من هذه المعانى لجأوا الى التفسيرات الخرافية أو الجدل الشكلى العقيم . ولذلك جاءت دعوته للتوحيد شاملة لتجديد الفهم لأصول الاعتقاد وفروعه ولأصول الأعمال والأحكام وفروعها بل لأصول الإجتماع الاسلامى وفروعه . فدعوته التجديدية دعوة شاملة لأنه ما كان يؤمن بتبعيض الأمور. فهذه القضايا متصلة مرتبطة ببعضها البعض  . ولايمكن أصلاح فهمنا لبعضها وإهمال البعض الآخر. فالعقيدة هى ملهمة الفكروالعمل . والفكر والعمل هما المفسران المعززان لحقائق العقيدة. وحال المؤمنين فى إجتماعهم وتفرقهم متصل بحسن الفهم للعقيدة والشريعة. لذلك أنفق الترابى عمره لشرح قضيتى التوحيد والتجديد.والفكرة الجوهرية الناظمة لأفكار الترابى هى أن التوحيد فكرة واحدة لا تتبعض , وان كلمة الله كلمة واحدة لا تتجزأ فتتعارض , وان رسالته من لدن آدم فنوح رسالة واحدة وإن تفاوتت تكاليف الشرائع بتفاوت أحوال الأمم.وأن كتابه المقروء قرآنا كتاب واحد ومقاصده واحدة وإن إختلف المفسرون والمشرعون بإختلاف فهومهم وأحوالهم. وأن الإيمان بالله كل واحد وان قسمه الناس الى عقيدة وشريعة . فالعقيدة  أخبار تفسر للناس معنى ومغزى وجودهم . وعلاقة ذلك الوجود بالأكوان ومكون الأكوان . وهو علم يراد لهم من بعده أن يعبدوا الله على بصيرة بإتباع تعاليمه ومطابقة مرادهم مع مراد الله حسب الوسع والإستطاعة . ليكون ذلك سبيلهم للقرب منه سبحانه وتعالى . فإنما تتجلى إنسانيتهم بقدرتعلمهم من ربهم كما تعلم آدم من ربه . وبقدر تخلقهم بما تجلى به عليهم ربهم من أسماء قدسية وصفات ربانية هى وصفة السعادة للفرد وللجماعة .والترابى يدرك الصلة القوية بين ما بالناس من أحوال تفرق أو إجتماع ومستوى فهمهم للدين الحق وللتوحيد الحق وللشريعة الحقة .
تجديد أصول الإجتماع :
يرى د. الترابى أن الإختلال الأعظم فى المجتمعات الاسلامية هو إختلال الفهم لطبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة . فالمجتمعات الاسلامية لم تر ولم تفهم حق الفهم الثورة الهائلة التى جاء بها الاسلام لاصلاح الإختلال المريع فى فهم موقع المرأة فى المجتمع ودورها في نهضته أو قعوده. ومرجع الازمة الى خلل فى فهم العقيدة والشريعة على حد سواء. فالله سبحانه وتعالى خلق الرجل والمرأة سواء بسواء فى الانسانية  . وجعلهما مكلفين بذات التكاليف الأخلاقية والعملية مع إختلاف التكليف مع مقتضى حال كل منهما. وهذا أمر متصل بالعقيدة فما كان الله ليظلم أحدا بإن يجعل حظه منقوصا من العقل كما يزعمون ومن القدرة كما يدعون ثم يجعل الحساب للرجل والمرأة سواء بسواء. والترابى يلحظ أن جل سلوكيات الجاهلية الأولى إرتبطت بالنظرة الدونية التى تنتقص من دور المرأة ومن مقدارها وكرامتها . بل وتسلب منها الحياة لأتفه الاسباب أو ترثها كما يورث المتاع . جاء الاسلام ليغير كل ذلك وليعلم الناس أن النساء شقائق الرجال والشق هو النصف المكمل لنصفه الاخر. والناس تلحظ أنه إن لم يتساوى شق الانسان مع شقه الآخر تعذرت حركته وأختل مشيه الى ما يمشى إليه.وفى هذا السياق جعل الترابى قضية المساواة بين الرجال والنساء قضية جوهرية لأصلاح فهم المجتمعات المسلمة . وتوحيد مسيرتها نحو النهضة والتقدم الانسانى والرقى الاجتماعى. ومدخل الدكتور الترابى لقضية المرأة مدخل توحيدى فهو يرى أن وحدة العابدين ضرورية لتوحيد المعبود .لان علم الانسان له أبعاد إجتماعية وكذلك عمل الانسان له أبعاد اجتماعية. فالانسان لن يعبد الله حق عبادته الا اذا اتسق سلوكه وتكامل عمله مع عمل الجماعة . وغالب تكاليف الشعائر والشرائع أنما تؤدى فى جماعة . لذلك فإن وحدة الجماعة المؤمنة شرط لإرتقاء عبادتها وتوحيدها لله رب العالمين . وهو يرى أن سيادة المفاهيم والسلوكيات الخاطئة فى شأن المرأة هو أكبر القوادح فى وحدة الجماعة المؤمنة العابدة . وتصحيح المفاهيم حول علاقة شقى المجتمع بسببها هو أصل من أصول الإجتماع الاسلامى . وهو ينبه الى كثرة الأيات الشارحة لاوضاع علاقة الرجال والنساء بل وقوة العبارة القرآنية بإزاء ظلم النساء اوإعضالهن أو التضييق عليهن بأوهى الأسباب . وسوف نتطرق لذلك تفصيلا عند الحديث عن أراء د. الترابى فى الشائع من الافكار حول المرأة وتأثير الإسرائيلات على كثير من التفاسير والشروح الفقهية المتصلة بشؤون النساء . وذلك رغم كثرة ووضوح الخطاب القرآنى فى ذلك الشأن . والمسألة الثانية المتصلة بأصول الاجتماع الاسلامى تتصل بقضية الحكم والعدل وبالمبادىء المتصلة بهذا القضايا. وأهمها مبدأ المساواة فى الانسانية وتكافؤ الناس فى نيل الحقوق وتحمل الواجبات. وقد عبر الدكتور الترابى عن أفكاره فى هذا المجال فى عدد من الكتب والدراسات وعشرات بل مئات من المحاضرات ولاغرو فهو إستاذ الدستور الذى لم يكتف بالكتابة والمحاضرة بل سعى من خلال سيرته السياسية للتعبير عن فكره. والدكتور الترابى يقدم تصورا شاملا يؤصل به للحكم الراشد بمنظور اسلامى . ويرد به كثير من المفاهيم التى سادت مؤخرا الى أصول أوسع نظراً وأعمق فهماً فى أصول السياسات الاسلامية . وقضية أخرى متصلة بأصول الإجتماع الاسلامى هى علاقة مجتمع المسلمين بالآخر غير المؤمن والمسلم . وهى  مسألة تعم بها البلوى الآن بسبب تشدد الجماعات المتشددة التى تؤمن بأكراه غير المؤمن على الايمان أو جعل عدم إيمانه سببا لللانتقاص من حقوقه وكرامته الانسانية . وقد عالج الدكتور الترابى هذه القضية من وقت مبكر. وكان من أول المنادين بالتوافق على ميثاق إجتماعى ينهض على حق المواطنة والمساكنة بغير تمييز بين الناس على إختلاف أديانهم أو مذاهبهم أوطوائفهم . وقد أشار فى وقت مبكر لمرجعية دولة المدينة التى أقامها الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم وجعل الحقوق والواجبات فيها على مبدأ السواسية (لهم ما لنا وعليهم ما علينا ). والترابى أدرك أنه فى زماننا هذا فان السعى لاقامة دولة الفكرة الخالصة أمر لا يمكن تحقيقه , وان طبيعة الدولة الحديثه أنها دولة متعددة الاديان والاعراق والعقائد .ولذلك لزم الجماعة المؤمنة أن تقدم أنموذجا فى الادارة الرشيدة لهذا التنوع ليتحقق التماسك الوطنى والاجتماعى .وهو الذى سيمهد السبيل للحوار السلمى وللدعوة بالتى هى أحسن فهى السبيل لأن يدخل الناس فى دين الله أفواجا .

نواصل
الترابي .. حياة الأفكار (2)
د. أمين حسن عمر

       لا إله إلا الله منهج حياة ، وتلك هى حياة الأفكار وحياة الجوارح الراغبة فى لقاء ربها الناصبة فى مسعاها إليه . وهكذا فهم وأفهم الدكتور الترابي من يسمع ويقرأ له . والعبارة  التوحيدية الأقدس يسبق فيها النفىُ الإثباتَ . وتعني أن لا أحد تميل إليه فطرة  القلوب وتأله ( أى تتوجه إليه بالمحبة الخالصة وبالرجاء وبالرهبة ) إلا الله فهو سبحانه الأله الذي تحبه القلوب لصفاته وأسمائه التى عَرفَنا بها . وكلها أسماء رفعة وسمو وجمال . وكذلك لرعايته ورحمته التي أسبغها على خلقه . فهو الرب المربي الخالق والرازق. والأمام أبن تيمية يجعل توحيد الألوهية هو التوحيد الأكبر الذي يشمل توحيد الأسماء والصفات كما يشمل توحيد الربوبية . فهو توحيد المحبة التي تسمو فوق كل محبة . لأنها محبة إدراكٍ للجمال والكمال في اسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته . ومحبة معرفةٍ وامتنانٍ لرحمة الله ونعمائه على خلقه .
الترابي والمنهج التوحيدي
       و بوابة د. الترابي للفكر وللحياة هي التوحيد ، توحيد الله سبحانه وتعالى . ولئن كانت الأسماء والصفات مبتدأها ومنتهاها عند الله سبحانه وتعالى ، ولئن كان الرحمة والنعماء هي من الله سبحانه وتعالى ،فإن توحيد الإلوهية هو توحيد الإنسان للأله ذي الاسماء والصفات الخالق الرازق. لذلك فإن الدكتور الترابي يبدأ من حيث الإنسان حيث تفيض المعرفة بالله والمحبة له من فؤاد الإنسان . فالله سبحانه وتعالى أحب أن يُعرف فخلق  الخلق أجمعين ،وعلم أنهم أذا عرفوه أحبوه لاسمائه وصفاته ولرحمته ونعمته . وكل المخلوقات كذلك إلا من شطن من الجن والأنس ،لأن الله أختصهم بالمشيئة الحرة فمن وافقت مشيئتة المشيئة الإلهية فهو من السعداء المقربين . ومن خالفت مشيئته المشيئة الإلهية فهو من الشاطنين القاسطين. والانسان أكرم الخلق على الخالق سبحانه وتعالى ،ولذلك أسجد له الملائكة وسخر له الكائنات وفضله في جوانب عديدة على كثير ممن خلق تفضيلاً . والترابي لا ينظر للتوحيد وكأنه علاقة أحادية من طرف إلى طرف بل ينظر إليه علاقة بين مُوحِد هو الإنسان ومُوحَد هو الله سبحانه وتعالى ، فهي علاقة تواصل وتفاعل.وإن شئت فاقرأ شئت فأقرأ الحديث الذى رواه البخارى من حديث أبى هريرة (عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال أن الله تعالى قال من عادى لى ولياً فقد آذنته بالحرب وما تقرب الي عبدى بشىء أحب الي مما أفترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببنه كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها وإن سألنى لأعطينه ولئن أستعاذنى لأعيذنه ) وذلكمإرتحالٌ و تفاعلٌ الانسان  كادحٌ فيه إلى ربه كدحاً فملاقيه. و تلكم هي رحلة يسمو بها الإنسان نحو الله بفكره ووجدانه وإرادته ،فهي رحلة علو وصعود . وزادها هي المعرفة بالله والتقرب إليه بالفرائض والنوافل حتى تُنال محبته. وبمحبة الله يخرج الإنسان من حال إلى حال آخر . يخرج من حال الأخلاقِ الإنسانية التي تعلو به وتسفل إلى حال الأخلاق الربانية التي تعلو ولا تسفل أبداً.فالإنسان بالله فى أعلى عليين وبالبعد عنه فى أسفل سافلين . وسبيله للعلو والسمو إتباع الكتاب فكراً وإتباع الكتاب عملاً  "كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون" . فالقرآن هو الدليل الهادى لتوحيد الله سبحانه وتعالى . والتوحيد هو السبيل لسعادتي الدنيا والأخرة . لذلك فإن مدخل الدكتور الترابي لقضية التوحيد إنساني وقرآني في آن واحد. أنساني يُعني بتطوير المعرفة والأخلاق الربانية ،ليسلك الإنسان إلى الله صراطاً مستقيماً لا عوج فيه . لا يخشى فيه ضلال العقل ولا ضلال الخطو الساري بالليل السارب بالنهار. ولذلك فإن فقه الترابي فقه أنساني ،وفهمه للقرآن توحيدي رباني. والدكتور الترابى يُدرك كيف ولج الفقهاء والعلماء من قبله لقضية التوحيد التي هي  القضية المركزية من مسائل الدين والتدين. لذا يقول في ذلك "إذا تأملنا مقالات الإسلاميين السالفين في قضية الايمان لنا ان ننسبها لثلاث من وجوه النظر : أولاً نظر المتكلمين والفلاسفة الذين تصدوا لبراهين الايمان وإثبات حقائقه علاجاً للمسائل التي طرحها الجدل مع الكتابيين والزنادقة والخلاف بين الفرق الكلامية عند المسلمين . وتغلب على ذلك كله قوالب المناظرة واساليب المنطق التي كانت سائدة آنذاك . ثانياً نظر الفقهاء الذين تورع كثير منهم عن الخوض في مناظرات علم الكلام ولكنهم شرحوا احكام الايمان والكفر شرحاً فقهياً فحرروا الفاظها وحددوا شروط انطباقها . ولا سيما حين أتجه الفقه بعد طور الاهتمام بمقاصد الدين ومعانيه نحو الإيغال في مباحث الألفاظ والأشكال. ثالثاً نظر علماء الدين الذين إشتهر من بينهم أهل التصوف الذين أهتموا بحقائق الايمان الحية وراء أشكال المنطق والفاظ الفقه فأبانوا دقائق الاعتقاد وشعاب العاطفة الدينية ومناهج التربية النفسية لتزكية الايمان. يقول الترابي "لو قومنا اليوم هذه الوجوه من الفكر الإسلامي فأننا لا ريب واجدون لكل منها بعض القيمة الباقية لاسيما إذا شذبنا أطرافها من الشطط الذي يبدو شذوذاً اليوم أكبر مما بدأ لاهلها يوم كان تحرير تلك الأفكار إستجابة لازمات حادة راهنة . استدعت أن يبالغ أطباء المجتمع المسلم أحياناً في وصف العلاج. ويمضي للقول ولكن ظروف فكرنا الحاضر أدعى إلى نظرة جامعة في العقيدة تأخذ من معاني القرآن الخالد الذي لا تنفد ذخائره بيد أنها تعني بجملة أثر الايمان في الحياة.                                         
الإيمان أثره في حياة الإنسان
       جاء منهج الترابي للنظر لقضية التوحيد حيوياً أى متصلاً بفكرة معنى الحياة ،وأنسانياً أى أنه متصل بواقع حال الانسان وفكره وتطلعه إلى السمو . وهو قد ساهم مساهمة مهمة في أنسنة علم التوحيد من خلال فهم التوحيد من تلقاء المُوحِد أو الجماعة المُوحِدة سمواً إلى الأله المُوحَد أى الجماعة العابدة والأله المعبود فأولاها وحدة متعددين وثانيها وحدة  معبود أحدية صمدية . ولذلك لزم  إسطحاب المنهج الواقعي لا المنهج النظري في معالجة قضية التوحيد. وهو يستعين على هذا المنهج الجديد باستخدام المناهج المتطورة التي ما كانت متأنية في زمانٍ سابقٍ لهذا الزمان . فهو يقول "لقد أصبحت الدراسة الواقعية لشأن الأنسان مشهورة وميسورة لأن العلم البشري مذ تقدم أشواطاً في اكتشاف نواميس الوجود قد أفاض في دراسة الانسان. يحلل الأصول النسبية لمواقفه ومسيرته . ويتأمل السنن العامة في نهج حياته . ولأنه انتشر الوعي بظواهر التطوير الذي يكتنف حياة الإنسان. وأهتم الناس بتوجيه مصائر الحياة حتى صارت حركة التخطيط والتغيير ناشطة في كل مكان".
       ودكتور الترابي ينتقد ذلك الموقف الذي يرى الايمان شطر الحياة ولا يراه متخللاً كل نواحي الحياة . لأن أولئك يصورون الايمان وكأنه متعلق بالحقائق النظرية . والتعبير عن هذه الحقائق النظرية عند هؤلاء إنما يتصل فقط بالشهادة على صدق الدين والمجادلة عن كونه هو الحق المبين، أو ربما شرح شعائر التعبد التي تتوجه مباشرة وأخلاصاً لتوقير الله وتكبيره والتخشع والتضرع له. وهؤلاء لا يرون فساد العقيدة يتجلى إلا في خطأ وخطل هذه التقريرات النظرية أو خطأ الوجهة التي تتوخاها شعائر العبادة. فالامر ليس فكرة نظرية أو مقولة لفظية أو  خطل  أو صواب توجه النية فحسب بل أن الايمان والتوحيد كما يفهمه الدكتور الترابي "هو معنى يتخلل كل وجود المؤمن وينبغي أن يتمثل في كل لمحة من حياة المؤمن" فعقيدة الايمان تقوم على التوحيد والاستغراق . فهي موقف كلي ليس لوجوه التعبير عنها من حصر، بل مسرحها الحياة الانسانية جميعاً فحيثما كانت عبادة فهي تحقيق للعقيدة وتربية لها في ذات الوقت" . فالايمان التوحيدي لدى د. الترابي وجودي وليس نظري . ولذلك فكما أن الوجود تتعدد وجوهه فإن الايمان تتعدد وجوهه، وكما أن الوجود مُوَحَد في صورته رغم تعدد الوجوه ، فإن الايمان مُوَحَد في صورته رغم تعدد الوجوه . وهذا المنظور الوجودي للتوحيد هو مصداق الآية "قل أن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين" . فالايمان معرفة بالنفس وبالكون وبالله تتفاعل مع واقع الوجود ، يقول الدكتور الترابي "الدين لم يشرع للانسان من فراغ وإنما يتحقق من خلال العيش في الأرض والتفاعل مع أشيائها وبشرها ومن ثم تكون معرفة الرب وتقدير الغيب وتكون عبادته سبحانه وتعالى والسعي نحو لقائه" فرحلة الإنسان في الحياة هي رحلته نحو الكمال  . ولا يمكن للإنسان أن يسمو للكمال ما لم يهتدي بهدي  الإله ، وهدي الإله لا يُنال إلا كدحاً وكفاحاً . فهى ليس محض معرفة نظرية ولكنها مسيرة الحياة كلها مسخرة لمعرفة مشيئة الله وسننه في الخلق وفى الأشياء ثم الاستقامة علي تاكم المعرفة ،وذلكم هو الصراط المستقيم، ذلكم هو الصراط المستقيم.


نواصل ،،،
المدونة السياسية
الترابي ... حياة الأفكار
د. أمين حسن عمر

ربما قليلون من الناس هم من يأخذ بوصية الفيلسوف رالف إمرسون "لا تذهب حيث يأخذك الطريق بل أذهب حيث لا يوجد طريق وأترك هنالك أثراً" ، وكان د. الترابي من هؤلاء الفئام القليل . ولاشك أن من يأخذ بهذه الوصية سوف يتعرض لإبتلاءات عظمى ومهددات ومخاطر جمة ولكنه بقدر ما يكون الإبتلاء يكون الأثر الذي يفتح طريقاً جديداً للعابرين. وصاحب هذا القلم أحد السابلة على الطريق الجديد الذي شقه على الأرض العراء الدكتور حسن الترابي. وأني إذ أكتب بعد أسبوعين على وفاته ينشأ في خاطري معنى المناسبة بين المداد الأسود وفكرة الحداد ، فإنه مما يثير الأشجان الكئيبة أن نكتب عن من نحب بإستخدام الأفعال الماضية ولكنها سنن الحياة وفق مشيئة الله . والسعيد من وفق لتمضي مشئيته على سنن المشئية الإلهية . ولقد عاش د. الترابي حياة بمعيار متوسط الأعمار ليست بالقصيرة ولكنها  بمعيار إحتشادها بالمعاني كانت جد قصيرة. وكان المكان الذي يحل به الترابي يفارق معتاده المعهود وكان الزمان الذي يشغله الترابي ينسى أعتياده المعلوم .فهو ليس بالرجل العادي ولو إعتاد الناس حضوره بين إيديهم وظهرانيهم . وهم سيعرفون له فضله وقيمة حضوره بعد أن أقفر المكان من ظله والزمان من فعله  . وكما قال الفيلسوف الألماني شبنهور "فقداننا الشيء هو ما يعلمنا قيمته". وعندما توفي الترابي كتب عن مماته المحب والمبغض , كتب عنه الشرق والغرب ، والعبارة التي رافقت أقوالهم جميعاً أن مماته يضع حداً لحقبة بأكملها . ولكن الذي لم يقولوه هو القول إن كان ممات المرء يضع تعريفاً لفترة من الزمان فلاشك أن حضوره هو الذي أعطى هذه الفترة معالمها وهويتها المميزة . وأوجز المقال أن نقول كان الترابي رجلاً وليس مثل سائر الرجال لأن فكرته كان ساطعة وإرادته كانت حادة قاطعة . وكانت مشئيته الخيرة تتقدمها رؤية فكرية نيرة . وكانت الأفكار  لديه على هدى النبؤة هى مصباحه الذي يستضيء به في دياجير زمان الالتباس وعصر حيرة الناس. وكانت الفكرة لديه تتولد على مهل وتختبر مرة بعد أخرى بغير كلل ولا ملل . ثم ما تلبث أن تستقر على مرفأ الإطمئنان فحينئذ لا يثنيه شيء مهما كان عن القول بها . ولا تردعه غرابتها على أسماع أهل المعتاد الموروث عن الجهر بها والاعلان عنها . وكان دكتور الترابي يعي ويدرك أن السير على طريق "اللامُفكر فيه " والمسكوت عن الجهر به هو طريق من لا يؤثر السلامة والعافية والمعافاة من العوام والخواص.
إن أعلام أرباب الفكر وقادته هم مصابيح التنوير في زمان العتمة. ولقد وصف الكتاب العزيز الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بأنه سراج منير . ودأب السراج أن نوره للعامة وناره هو وحده من يكتوي بها ، والعلماء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم هم ورثة الأنبياء ، هم ورثتهم في العلم والصادقون منهم هم ورثة الأنبياء في حظوظ الدنيا والأخرة. ولكم تقل حظوظ الدنيا لأمثال هؤلاء ولكم تعظم حظوظ الأخرة لمن عُد في زمرتهم وسار في صحبتهم. ولئن كان للغرب المزدهر مادياً في زماننا هذا عصر ظلمته وعتمته وزمان تنويره وتفكيره ، فإن عالم الإسلام يوشك ان ينفك اليوم من الظلمة المدلهمة إلى بادئة الفجر ثم إلى ساطعته . وذلك بفضل رجال من أمثال الدكتور الترابي وأمثاله قليلون. وهم من أفنوا أعمارهم ليصنعوا زمان التنوير لمن جايلهم وعاصرهم . ولئن  كانوا قد لاقوا المشقة والإعنات في ذلك السبيل فإنما ذلك هو شأن الرواد الذين يسيرون خبباً إلى مدى الانظار. وهم قد ذهبوا كما يقول الفيلسوف البريطاني توماس كارليل "إلى أقصى مدى يمكنهم رؤيته وعندما وصلوا هنالك كان بامكانهم أن يروا إلى أبعد مدى" فهذه حياة تقصر عن مداها الاعمار ولو طالت.

الترابي .. رجل فكرة
       قد لا يبدو لأول وهلة للملاحظ والفاحص كم أثرت الفكرة الصوفية (بعيدة الجذور في تربة السودان الثقافية وفي بيت آل الترابي بصفة خاصة ) على حياة وتفكير الدكتور الترابي. فالحياة الأصيلة لدى أهل التصوف هي حياة الباطن الواعي المتحنث  المتغير المتجدد الأحوال . فهي حياة الفكرة التي تملأ الوجدان ثم ما تلبث تفيض على سائر الإنسان . فتصبغه بصبغتها وتسمه بسمتها ،فيكون هو الفكرة التي تسير على أقدام وتبصر بالأعين وتسمع بالآذان وتبطش بالأيادي.وقديماً قال أفلاطون بما يشبه ذلك المعنى . فقد كان أفلاطون فكروياً روحانياً فالحياة الحقة عنده هي حياة الأفكار والمثل والصور الذهنية المعقولة . وكان لفكرته هذه آثارها على فلاسفة الشرق والغرب من لدن أرسطو إلى هيجل . ولكن مصدر الفكرة لدى الفلاسفة المسلمين (ذوي الأصالة )كان مرجعه للايمان وليس إلى الفلسفة . ذلك أنهم أدركوا أن جوهر الايمان معرفة ، وأن جوهر المعرفة هي فكرة مركزية. ولذلك حثوا السير وبالغوا في الطلب والبحث والتنقيب عن تلكم الفكرة الجوهرية التي هي لب المعرفة. ولقد وصل الموفقون إلى شاطيء تلكم الفكرة لكنهم أدركوا أنها أقيانوس المعاني والأسرار ، وأن الارتحال إليها تفنى دونه الأعمار . ذلك أنهم أدركوا أن الواحد هو أصل كل شيء فلا يكون شيء إلأ وهو منسوب إليه . وعلموا أن توحيد الواحد بالاقتراب بالأفكار والاعمال إليه هي رحلة الدنيا والأخرة. وأيقنوا أن حقيقة الحقائق هي فكرة توحيد الواحد الأحد. فشغلوا أنفسهم بالتعريف بالفكرة باضاءتها بأسرجة العقول وتجسيدها معناها بالصور البلاغية والبيانية وبالأمثلة الواقعية والأسوة العملية . ثم أنهم أدركوا بالعقول أن كل ذلك هو مجرد أقتراب وما ثمة وصول . وأن الموفق هو من وفقه الله ، والمقرب هو من قربه الله ، والمنبأ هو من نبأه الله ، والملهم هو من الهمه الله . وكان علمهم هذا هو الأخر قبس من أقباس التوحيد . فلا غرو اذاً أن تطوف حياة الترابي حول فكرة التوحيد . فقد نشأ في ترابها وشرب وأستقى من كأسها وطاسها . فجمع بين منهج المجاهدة الروحية لدى أهل التصوف ومنهج الاجتهاد العقلي لدى أهل التفلسف . ولكنه نظر إلى ذلك كله من  منظور القرآن الذي حفظه وتشرب معانيه صغيراً ، فسقت معاني القرآن الزكية الندية فسائل أشواق روحه الوامقة الصبية . فكان القرآن (من ابتداء حياته إلى إنتهائها في الدار الفناء) صاحب مجلسه ومؤنسه،ومسامره ومحاوره . فقد كان يعلم أن القرآن وإن كان أُنزل على النبي صلى الله عليه وسلم على حاله وعلى أحوال زمانه ،فهو صالح لإلهام كل زمان ومكان، لأنه مستودع المعاني المشاكلة للأحوال كل الأحوال على تحول المكان والزمان . يجد فيه كل ضالٍ هدايته ،وكل حائر ضالته ،وكل طالب حاجةٍ حاجته ، مما يشفى الجروح ويشبع أشواق الروح ،ويهدي إلى خيري الدنيا والأخرة.كانت فكرة التوحيد هى الكعبة  التى تطوف حولها الأفكار والمعانى كما تطوف الجسوم والأبدان حول الكعبة المشرفة.فليست رحلة الحج الا الرمز للارتحال بالروح والجسد للواحد الأحد.

نواصل ،،،