الثلاثاء، 22 يناير 2013

الحزب الشيوعى وبديله الديموقراطى4


تحدثنا في مقالات سابقة أن الحزب الشيوعي والايدولوجيا التي تهديه  لعلها تضله لا يؤمنان بالديمقراطية الليبرالية التي يزعم الحزب الشيوعي أنه يريد لها أن تسود . وقد أوضحنا من خلال الأقتباسات والإشارات إلي النصوص النظرية والي التجارب العملية مفارقة الحزب الشيوعي للديمقراطية وكفرانه بها نظرياً واجتنابه اياها عملياً في شأنه الداخلي وفي ممارسته العامة في كل محفل يكون له فيه سلطان.
الحزب الشيوعي.. التراجع عن الماركسية
وكما قلنا أن للماركسية رؤيتها في الديمقراطية . وهي الديمقراطية الجديدة التي تتسع لطبقات يُراد لها أن تتمكن حتى تحقق ديكتاتوريتها أي سيطرتها المحكمة علي كل السودان.  بينما تسعي تلك الديكتاتورية الي تقييد طبقات أخري وحرمانها من أية حقوق ديمقراطية أياً ما  كانت لأنها رأسمالية غير وطنية أو رأسمالية طفيلية أو رجعية ظلامية أو برجوازية صغيرة عالقة في المصالح الرأسمالية. ولكن الحزب الشيوعي في وقتنا هذا ليس إلي الديمقراطية بمكان . سواء كانت ديمقراطية جديدة أو ليبرالية . وانما أصبح ساكتاً عن كل منطوق نظري ماركسي . وأما من الناحية العملية فقد خالف الماركسية  مخالفات جوهرية . فمضي في الاتجاه المعاكس لنضالهافلم يبق من الماركسية لديه الا أسمالحزب والا مفردات الشيوعية الفارغة الجوفاء. والسؤال المنتصب الآن أمام الحزب الشيوعي هل يزال الحزب الشيوعى السودتنى حزباً ماركسياً حرفياً أم انه أصبح من أصحاب المراجعات في الماركسية . ذلك الموقف الذي ذهب إليه الزميل الخاتم عدلان وجماعته في (حق) وأخذه عليه فلاحقوه  الشيوعيون الأصوليون .وأما حق بشقيها فقد اكتفت من التنظير بذلك الكتيب الذي نشره الزميل الخاتم ثم ذهبت مع الحزب الشيوعي إلي كل مذهب .  فلم نعرف لها ولم نسمع منها بعد فكراً مغايراً نقدياً للماركسية . ولم نر لها نهجاً عملياً مخالفاً لممارسات الحزب الشيوعي الماضية والحاضرة والمستمرة. ونشأت إلي جانب الحزب الشيوعي طفيليات ماركسية أنشأها شيوعيون سابقون أو أبناء شيوعيين سابقين أو حاضرين مثل المؤتمر السوداني وغيره من التنظيمات الورقية . كما نشأت الحركة الشعبية ماركسية بالمانقستو الأول . وشيوعية النكهة والممارسة في المانقستو الآخرين يقودها جنوبيون مثل باقان رضعوا ألبان الماركسية في كوبا أو شيوعيون سابقون مثل عرمان  وسائر الشيوعيين الذين عرفنا بعضهم وعاصرنا بعضهم. وأول ما تراجع عنه الحزب الشيوعي السوداني هو تراجعه وتناسيه للطبقة العاملة . وبالتالي تخلصه من مقولة  ديكتاتورية الطبقة العاملة . فلم نر في قياداته ولا في خطابه شيئاً له علاقة بالطبقة العاملة التي يري الزميل الخاتم أنها تلاشت لصالح توسع الطبقة الوسطي. فما هي الكتلة الحرجة أو الطبقة الجديدة أو الشرائح الجديدة التي يراهن عليها الشيوعيون الجدد القدامى . أنهم يراهنون بجمبع تنظيماتهم علي من يسمونهم المهمشين . ومفردة المهمشين مفردة شديدة الغموض . و هم يعرفونها تعريفاً عنصرياً بالمجموعات السوداء تارة . ولما كان غالب اهل السودان سوداً فهي المجموعة الأشد سواداً وتارة أخرى  يطلقون عليها صفة الأفريقية وكأن الآخرون يقومون علي ارض أخري هي ليست أفريقيا . وأحيانا يُعرفون المهمشين تعريفاً قبلياً . فهم قبائل محددة في جنوب كردفان او النيل الأزرق او دارفور مع استخدام التعمية احياناً بعدم ذ كر تلك القبائل تحديداً . واحياناً يعرفون التهميش تعريفاً جهوياً فهي مناطق معينة ومعلومة . والغموض هنا مقصود علي الرغم من أن الغموض ليس شيئاً تعلمه الشيوعيون من  الماركسية . فالماركسية ان كان لها أن تمُدح بشئ أكثر من أشياء أخري فذلك الشىء هو وضوحها وجلاءها النظري .  فالغموض يُراد به استخدام خطابات متعددة . بحيث تُخاطب كل مجموعة بما يلائمها من الخطاب . والحزب الشيوعي وأحلاس الماركسية الأخرون بمختلف مسمياتهم من أحزاب أو مراكز بحثية معلومة ومعلومة انتماءات أصحابها وأرتباطاتهم  يراهنون جميعاً علي أعادة تشكيل الدولة والمجتمع تشكيلاً يلائم مطلوباتهم الغامضة . وذلك بتوظيف تحريض الجماعات العرقية والعنصرية والقبلية والجهوية . والديكتاتورية الجديدة التي باتوا يدعون لها بعد ديكتاتورية البرولتاريا هي ديكتاتورية النخبة المتطلعة  للسلطة من أبناء هذى المجموعات التي يزعمون تهميشها. ومهما يكن من مخالفة ذلك للماركسية التي لا تعتد بالتقسمات العرقية او القومية او القطرية بل نري ان الوحدة الحق هي وحدة الطبقة وأن الديكتاتورية انما هي ديكتاتورية الطبقة مالعاملة فان ذلك  ما عاد يهم زعامة من يتسمي بالحزب الشيوعي السوداني وسائر الطفيليات الماركسية الاخري. واذا كان الحديث قد أنتهى او أنتفى عن الطبقة العاملة فلا حديث اذاً يرجي عن مرحلة سلطة الجبهة الوطنية الديمقراطية . فلا الوطن قد اصبح وطناً واحداً بل صار اوطاناً وشعوباً وأقاليم ومهمشين وآخرين يهمشونهم  فماذا تعنى الوطنية . وصار الوطن موضعاً لاعادة النظر في وحدته وحدوده وهويته وانتماءاته الحضارية . فكل شئ فيه صار برسم التغيير الي وجهة غير معلومة والي فكرة لحمتها وسداها العرقية والعنصرية والتفرقة بين المواطنين علي اساس أصولهم ان كانوا جلابة يتبعون الي قبائل نيلية محددة في وسط السودان أو كانوا بزعمهم مجلوبين مهمشين قد آن أوان  ديكتاتورية كياناتهم الجديدة. والديكتاتورية الجديدة ليست ديكتاتورية الحكم بل هي ديكتاتورية الدولة . فليس المراد السيطرة التامه علي الحكم بواسطة من يسمونهم المهمشين بل تفكيك الدولة شرطتها وجيشها وقضاءها وخدمتها المدنية بزعم ان كل هذا اصبح  دولة الوطني لا دولة الوطن . ولم يواجهوا السؤال البدهي اذا كان الوطني قد تمدد في كل ركن وكل طرف من أطراف الدولة فكيف لا يتماهي الوطني مع الوطن. وأما الشئ الآخر المفقود في ادبيات الشيوعيين الجدد القدامى فهو الاشتراكية واجتناب سبيل التطور الرأسمالي . وهذا سكوت  مقصود عن ما لا يجوز ان يسكت عنه ماركسى قح قط. فمناهضة الراسمالية هي أس النضال الشيوعي . ولكن كيف تتأتي مناهضة الراسمالية بحزب يقوده فلول من البرجوازيين الصغار والرأسماليين الطفيليين والذين صارت أمريكا هي الممول الأول لمراكزهم الفكرية ولنشاطهم الهدام السلمي والمسلح منه علي حدٍ سواء. أن العدو الجديد القديم للشيوعيين الجدد القدامى هو الدين والمتدينون لأن الدين وحده هو العاصم لجماهير الشعب  من ان تُفتتن بالدعوات العرقية والعنصرية الضيقة. ولأن الدين الذي يدعو للمقاومة والممانعة هو ماتخشاه وتكرهه القوي الاستعمارية فتناهضة وتحاربه وأنما هم بعض أدواتها في معتركها مع أهل التمسك بالعقيدة وسيادة الوطن.

الحزب الشيوعى وبديله الديموقراطى3


أوضحنا فى المقال السابق وباعتماد النصوص عن وثائق الحزب الشيوعى السودانى أن الديمقراطية التى ينادى بها الحزب ليست هى الديمقراطية الليبرالية التى يدلس بها على الجمهور ليعتقدوا أنه يعنيها .ديمقراطية الحزب الشيوعى هى ديمقراطية الماركسيين التى لا للرأسماليين والرجعيين وقوى التخلف الاجتماعى اليها من سبيل .و هى مشرعة الأبواب أمام القوى التقدمية وهى مرتجة الأبواب أمام كل قوى الثورة المضادة. هى أذاً الديمقراطية الانتقائية الخاصة أما الرجعيون فيمتنعون.
تجارب الديمقراطية التقدمية :
 لا أود أن أذكر بتجارب الحزب الشيوعى أيام تمكنه القلائل بدءاً بجبهة الهيئات وانتهاء بسكرتارية الجبهات التقدمية وقد كنت مراقباً طوراً وشاهداً طوراً آخر. ولكن الاحالة للقراء ليتذكروا بلداً واحدا حكم فيه التقدميون فأحتكموا الى الديمقراطية التى يحسنون تنميق عباراتها وترديد شعاراتها وتحريف معانيها ومن ثم ازالة مبانيها. وهذا داء سرى لكل من سمى نفسه تقدمياً من الأحزاب الاشتراكية والقومية التى عرفتها منطقتنا. أعنى الأحزاب البعثية والناصرية والاشتراكية بأطيافها وأحلافها . وليذكرنى المترافعون عن هؤلاء بسابقة ديمقراطية  واحدة  لهؤلاء جميعا فلربما أنسانى الشيطان أن أذكرها . لقد كانت الدولة الأنموذج فى روسيا دائما هى المختبر الأكبر للتجربة الماركسية اللينينية ومن ثم الستالينية الخروشوفية فشيرننكو فأندروبوف الى غورباشوف كلما جاءت حقبة لعنت أختها وهم فى الأستبداد والسحل والسحق والأجرام سواء. فما الذى فعله الرفيق الأكبر لينين بالتعددية التى كانت مزهرة فى روسيا أبان العهد الملكى بل ما الذى فعله بمن جاء الى السلطة على ظهور مركباتهم كيرنسكى ورفاقه. ما الذى فعله برفاقه أولى الرأى الآخر فى الحزب تروتسكى ورفاقه . وكيف تحولت التعددية الى أحادية والحوار الفكرى الحزبى الى شمولية خانقة يقول الزميل الخاتم: (فمن خلال عمليات تصفية نشطة استخدمت فيها المؤتمرات الحقيقية والمفتعلة ثم القضاء على جميع الأحزاب الأخرى وسُحق استقلال المنظمات الاجتماعية والأهلية وصار الحزب حزباً واحداً الرأي رأياً واحداً والتصور للماضي والحاضر والمستقبل تصوراً ضحلاً وبائساً) وهذا ما تكرر من بعد ذلك فى كل بلد حكمته الأحزاب الشيوعية سواء فى شرق أوربا أو آسيا أو امريكا الكاريبية أو أمريكا اللاتنية أو اليمن الجنوبى أو أفغانستان أو أثيوبيا الجارة الحبيبة القريبة. هذا ما فعله الشيوعيون فى بلادهم فما الذى فعلوه بأحلام الشعوب فى الحرية والديمقراطية. تلكم الشعوب التى ضمت للأمبراطورية السوفياتية لا بقوة الكلمة والفكرة ولكن بقوة السلاح. ماذا فعلوا برفقاء الفكرة فى المجر وتشيكوسلوفاكيا وماذا فعلوا بالطبقة العاملة الذىن يزعمون تمثيلها فى بولندا. (فى بولندا وقفت الطبقة العاملة كلها ضد السلطة وضد الحزب ونظمت نفسها فى نقابة (تضامن) ومع ذلك لم ير الحزب أنه كف أن يكون حزبا للطبقة العاملة وأستعان قادته بالجيش الذى تقمصته روح هيجلية حولته الى نقيض فصار هو الطبقة العاملة بينما أصبحت الطبقة العاملة نقيضا لذاتها ولم يكن استخدام الجيش ضد الطبقة العاملة وفقا على بولندا فقد استخدم فى ألمانيا عام 1953 وفى المجر 1956 وفى ىتشيكوسلوفاكيا 1968)والنص المنتهى للزميل الخاتم عدلان . وما لنا نذهب بعيدا ما الذى فعله الرفقاء بالرفقاء فى عراق عبدالكريم قاسم قبل عراق صدام وفى اليمن الجنوبى طوال عهدهم الانقسامى سئ الذكر.
الحزب الشيوعى فاقد الشئ :
اذا كان فاقد الشئ ليس منظوراً أن يعطيه فآخر ما نتوقعه من الحزب الشيوعى أن يتحدث عن الديمقراطية  أو أن يقدم عروضاً بشأنها . فالحزب الشيوعي السودانى  شأنه ِشأن الأحزاب الماركسية سائرها كافر بالديمقراطية اليبرالية لأنه يراها المولود الشرعى للرأسمالية . فالديمقراطية البرجوازية هى وسيلة الطبقة الرأسمالية للتحكم بالمجتمع والدولة على حد سواء . والمطلوب هى ديمقراطية جديدة تطلق العنان للجماهير الثورية وتقيد حركة الثورة المضادة . أما داخل الحزب فالمركزية المطلقة هى سيدة الموقف وكلمة الديمقراطية المضافة لكلمة المركزية فى مصطلح (المركزية الديمقراطية ) لا تعنى سوى السماح لقواعد الحزب بمناقشة ما يتنزل اليها من الملأ الأعلى فى الحزب . وهى مناقشات صورية فى الغالب تحكمها روح الحماسة والتعبئة أو التزلف والنفاق لمن بأيديهم مقاليد الأمور . و بالرجعى للزميل الخاتم نقرأ هذا النص(ولكن ثمة عقبة ذاتية داخل الحزب ذاته تعيق نموه وتحبط تطوره وهى تتمثل فى المبدأ التنظيمى الذى يحكم حياته الداخليه المسمى بالمركزية الديمقراطية . فسيادة هذا المبدأ هى المسئولة عن عقم حياة الحزب الداخلية وضيقه بالرأى المخالف .  وتبرمه باستقلال الفرد ونمو شخصيته المستقلة  . وتوخيه للطاعة المطلقة فى كوادره وأعتبارها شرطاً للترقى الحزبى . وهى المسئولة عن ظهور الشيخوخة المبكرة فى هيئات الحزب القيادية ) وبعد أغلاق الأقواس هل تغير الحال اليوم ؟؟ولا أجابة فالحال يغنى عن السؤال والأجابة على حد سواء.
وفى واقع الحال لا شئ يتغير فى الحزب الشيوعى فهو أكثر الأحزاب السودانية محافظة على نظمه وقيادته ورغم تلاشي الأيدولوجيا وأفولها فلا تزال الشكول هى الشكول والشخوص هم الشخوص . والفضل فى ذلك يعود للمبدأ التحنيطى المناقض للديمقراطية الموسوم بالمركزية الديمقراطية . يمضى الزميل الخاتم ليقول (ان هذه الديمقراطية عندما تلحق كرديف ثانوى لمركب المركزية الديمقراطية وتستخدم كمسوغ لقبول المركزية المطلقة وكغطاء سكرى لجرعتها المريرة فان نهايتها تكون قد حلت . وبالفعل فأن تجارب الأحزاب الشيوعية تشهد بأن الديمقراطية قد تمت التضحية بها على الدوام لمصلحة مخدومتها المبجلة المركزية المطلقة . فعلى مستوى الحزب صارت القيادات الحزبية العليا تفرض هيمنتها على كل عضويتها . وتحتفظ لنفسها بسلطات تظل تتسع باستمرار . وتتطور فى أثناء ذلك آليات تنظيمية تسحق كل نزعة مستقلة ) ولئن كان هذا هو حظ المحظيون المحظوظون من ديموقراطية الأحزاب الشيوعية فماذا يمكن أن يكون نصيب المصنفون من القوى الرجعية المتخلفة أو الرأسمالية الطفيلية وقوى الظلام من أعداء التقدم ؟ وكما تقتضى المركزية الديموقراطية فان الأهلية للصعود الى القيادة هى الأهلية الثورية لا أهلية الأنتخاب . واذا أُجريت الأنتخابات فهى للثوريين دون سواهم . وفى هذا فان أصحاب السابقة النضالية لا كسواهم من المناضلين . ولذلك فان الأنتخاب أن  وجد فهو للخاصة الثورية النقية المنتقاة .يكتب الميل الراحل الخاتم (أن أجراءات أنتخاب اللجنة المركزية وكل الهيئات القيادية التابعة لها هى اجراءات غير ديموقراطية .فاللجنة المركزية السابقة أو مكتبها السياسى بالأحري هى التى تقدم قائمة الترشيحات للجنة الجديدة . وما دامت هى القائمة الوحيدة فهى ستفوز فى جميع الحالات . وفى ضوء القانون اللائحي بمنع التكتلات والاتصالات الجانبية فأنه يستحيل عمليا تبلور أية مجموعة بمعزل عن المجموعة القائدة ) (ولا يبقى أمام المعارضين سوى الامتناع عن التصويت وهو حق العاجز الذى لا يستطيع أن يقدم و لا يؤخر.  وبمجرد انتخاب اللجنة المركزية فان هيئات الحزب الأخرى كلها يكون أمرها قد حسم . واللجنة المركزية والمكتب السياسى والهيئات المحيطة بهما هى التى تحدد سياسة الحزب ومواقفه العملية وهى التى تحكمه حكما صارماً) ومصداقا لحديث الزميل الراحل الخاتم عدلان فان وثيقة الماركسية وقضايا الثورة السودانية التى أشرنا اليها سابقا والوثائق المرفقة بها تقر بأن واحدة من معوقات تطور الحزب وانتشاره جماهيريا بعد ثورة أكتوبر هو (عقم الحياة الداخلية للحزب ) فمن أين أصبح الحزب عاقراً وعقيماً. تقول الوثيقة متلطفة (أن بعض الرفاق يضعون السلطة التنظيمية مكان الصراع الفكرى والاقناع . أنهم لا يحترمون رأى الأقلية أنهم لا يناقشون رأى الحزب بقدر ما يصدرون الأوامر العسكرية) وعودة لشهادة الزميل الخاتم ننقل هذا النص: (وهذه نصوص واضحة فى دلالاته على أن الممارسة الديموقراطية معدومة على مستوى قاعدة الحزب وقد أوضحنا أنها معدومة على مستوى قيادته) فهل يرجى من فاقد الشئ أن يعطيه ؟؟

نواصـــــــــــــــــــــــل،،،


الحزب الشيوعى وبديله الديموقراطى2


تحدثنا في المقال السابق عن طرح الحزب الشيوعي مع أحزاب أخرى ما يسمى بالبديل الديمقراطي والذي يرجو الحزب أن يعود به عبر ما يسمى بالفترة الإنتقالية إلى وضع حكومة القصر التي فُرضت آنذاك خارج البرلمان (1989م) أو إلى وضع حكومة جبهة الهيئات بُعيد ثورة أكتوبر حيث سيطر الشيوعي على مفاصل الحكم عبر واجهات متعددة حتى سيطروا على غالب مقاعد مجلس الوزراء باعضائهم وحلفائهم ثم مضوا عبر شعار (التطهير واجب وطني) للاستيلاء على مراكز ومفاصل الخدمة المدنية . وكل ذلك بأسم الديمقراطية والتي هى بلاشك ليست الديمقراطية التي يعرفها سائر الناس .
الديمقراطية في الرؤية الماركسية:
        الديمقراطية لدى ماركس ليس إلا طريقاً للاشتراكية . ولذلك فأن الديمقراطية التي يدعو إليها هي (الديمقراطية الجديدة) . وهي ليست الديمقراطية الليبرالية التي يرفع لها الشيوعيون اليوم الأعلام وهم يضمرون غيرها بل هى نقيضها تماماً حسب الرؤية الماركسية. فالديمقراطية الليبرالية هي الذريعة لديكتاتورية البرجوازية. ولكن ديمقراطية ماركس الجديدة هي ذريعة ديكتاتورية البرولُتاريا . وماركس يقول أن تحقيق سلطة الشعب في إطار الديمقراطية الليبرالية حلم عصى على التحقيق . ذلك أنه في الدولة الرأسمالية كما يقول  فان ما يسمى بوسائط الاعلام والإتصال المستقلة وكذلك الأحزاب تقع تحت سيطرة القوى الرأسمالية. ولا سبيل لحزب من الأحزاب لتحقيق الفوز الإنتخابي إلا بتبني البرجوازية له وتمويل الرأسمالية لمنصرفاته. أما لينين فيقول أنه في النظام الرأسمالى فأن الدولة تُعنى بحل مشكلات الطبقة البرجوازية أما البرولُتاريا فهي منسية ومستغلة تماماً . ولا يُحقق لها أي مكسب إلا بالرضا وحسن النية من الطبقة البرجوازية الحاكمة.
        فالديمقراطية الليبرالية كما يقول لينين (هي ديمقراطية الأقلية، ديمقراطية الأغنياء وهي ديمقراطية المجتمع الرأسمالي . وأنها مصممة لابقاء الفقراء خارج دائرة الفاعلين في مؤسساتها . وهو يقول أنه حتى في الحالة الإفتراضية بتكون غلبة برلمانية للفقراء في البرلمان فأنه ليس بامكانهم فعل شيء لتغيير الواقع . ذلك أن الاقتصاد يسيطر عليه القطاع الخاص، ووظائف الدولة محصورة في الحد الأدنى الذي يكرس للسيطرة الرأسمالية على مقدرات البلاد. وربما يقول قائل أن ذلك ما قاله ماركس أو لينين ولربما يؤمن الحزب الشيوعي السوداني بغير ذلك . والأجابة أن الحزب الشيوعي السوداني هو أكثر الأحزاب الشيوعية العربية والأفريقية أرثوذكسية ، وقد عُرف بتطبيقه للماركسية اللينينية وفق النصوص. ودعونا نقرأ شيئاً حول هذه المسألة في وثيقة (الماركسية وقضايا الثورة السودانية) وهي الوثيقة التي أجازها الحزب في مؤتمره الرابع المنعقد في العام 1967م.
        ففي أجاباته عن مستقبل النظام البرلماني بالسودان يقول التقرير المجاز بواسطة المؤتمر الرابع (فإن الوضع الاجتماعي الراهن يشير بقوة إلى ضعف القواعد الإجتماعية التي يمكن أن يُبنى عليها نظام برلماني برجوازي. وفي نفس الوقت فأن الرأسمالية السودانية نفسها التي يمكن ان تبني هذا النظام السياسي البرجوازي ما زالت من أضعف الطبقات الإجتماعية في بلادنا وهي لا تستطيع التعبير المستقل عن ذاتها إلا في حيز التحالف مع القوى القديمة القبلية وشبه الإقطاعية).
        ويمضي التقرير للقول (بهذا التحالف فالنظام البرلماني يُعبر في واقع الأمر عن تسلط القوى الممعنة في الرجعية وهي تهدم أساساً هاماً يقوم عليه : الحقوق الديمقراطية البرجوازية أنها تقدم شكلاً للنظام البرلماني مجرداً من كل محتوى وقائماً على قهر الجماهير المتقدمة التي تشكل عصب الحياة الاقتصادية والسياسية الحديثة).
        ويواصل التقرير (ولأن النظام البرلماني بحكم الأوضاع الإجتماعية والطبقية في بلادنا يصبح أداة لوقف التطور والنمو الإقتصادي والإجتماعي فإن الجماهير النشطة وهي ترفض التدهور في حياتها ويثقل كاهلها التخلف والاستغلال تشق طريقها . وتبحث عن خير الطرق للتقدم والتطور. فالقول بامكانية إستقرار النظام البرلماني على هذه الصورة لا يعني إلا أمكانية استمرار سلطة الطبقات والفئات الاجتماعية التي ترفض استكمال النهضة الوطنية الديمقراطية.
        والوثيقة لا تكتفي بطرح المسألة والمشكلة بل تقدم الحل وهو (اقناع الجماهير واستنهاضها في النضال من أجل ديمقراطية جديدة تفتح الطريق للتقدم).  والحزب ههنا يستخدم اللغة الماركسية اللينية الصميمة باستخدام مصطلح ديمقراطية جديدة ومصطلح التقدم. ولا يكتفي بذلك بل يمضي إلى شرح مفصل (ديمقراطية جديدة تفتح الطريق للسلطة الوطنية الديمقراطية وترفع إلى أقصى درجة من نشاط الجماهير وأبداعها وترمى بثقلها لتوجيه سياسة بلادنا واعادة بعثها . وهذا المحتوى يعني تمتع الجماهير الشعبية بالحقوق الديمقراطية الاساسية وتقييد نشاط الفئات المعادية للثورة الديمقراطية! وإطلاق طاقات الطبقات والفئات الوطنية والديمقراطية من مزارعين وعمال ومثقفين وطنيين وعناصر رأسمالية وطنية غير مرتبطة بالاستعمار وتقييد ومصادرة نشاط الطبقات ذات الروابط مع الاستعمار والتي ليس لها مصلحة في البعث الوطني ) . وهذا بالضبط ما فعله الشيوعيون إبان الفترات القصيرة التي أمسكوا بمقاليد الأمور في ستة أشهر آبان حكومة جبهة الهيئات وسنة ونيف هي الفترة الأولى من حكم مايو . فهذه الفترة شهدت أشد الحملات شراسة ضد القوى الوطنية الموسومة بالرجعية يصادرون ممتلكات من أسموهم بالرأسمالية المرتبطة بالاستعمار والرأسمالية الطفيلية تلك الممتلكات التى آلت الى بروقراطيين فاسدين من اعضاء الحزب أو محالفيهم.وضربت الجزيرة أبا بالطيران العسكري وكأن جموع الأنصار (الرجعيين) هناك فيلق من فيالق القوى الاستعمارية. وطُرد غالب قيادات الخدمة الوطنية وأمتلأت السجون بالأحرار وعلى رأسهم رموز الاستقلال الوطني توفي منهم من توفي  وعلى {اسهم الزخيم الأزهرى وبقي من بقي تحت نير سلطة الوطنيين الديمقراطيين الجدد من مثقفين وطنيين ومزارعين وعمال ورأسمالية وطنية وعسكريين تقدميين ) وكُممت كل الأفواه وحُظرت كل المنابر . ولما أرتفع صوت من الجامعة أرتفع شعار ( لن تبقى الجامعة جزيرة رجعية وسط محيط ثوري هادر ) وحُظرت كل التنظيمات الطلابية إلا منظمات اليسار وألغي أتحاد الطلاب واُستبدل بتحالف قوى اليسار فيما عُرف ب (سكرتارية الجبهات التقدمية) وما هذا إلا غيض من فيض أنتهى بشعور النظام آنذاك بأنه يقدم ثمناً باهظاً لحزب يتسارع في معاداة الجميع . ويتعجل في الجلوس في مقعد القيادة في كل مؤسسة وكل منظمة حتى بات يرمق كرسي الرئيس بذات النظرة . لأن الحزب أصبح يعتبر كل ممانعة ولو على سبيل الرأي المغاير مقاومة من قوى الرجعية المندحرة أو محاولة اختراق من الثورة المضادة. وأثناء ذلك عاني الحزب وهو يحوز على ذلك السلطان الكبير من سلطوية مفرطة وطغيان تجاوز كل الحدود من قبل السكرتير العام الاستاذ عبدالخالق محجوب . مما أدى إلى تجاذبات واختلافات أدت إلى انفجار الحزب من الداخل وانقسامه إلى مجموعتين متساويتين في العدد مع ترجيح الميزان لصالح المجموعة الرافضة لاستبداد وتعجل السكرتير العام . وتفاقم الأمر داخل الحزب وخارجه فكانت القاصمة هي انقسام الحزب إلى ما عُرف آنذاك بالبلشفيك والمنشفيك  قياساً على صراع لينين وتروتسكي . فقد كان كل ما يجري في السودان هو استنساخ ومقايسة لما يجرى في روسيا إليست الدجى ترضع من ضوء النجيمات البعيدة  في روسيا.
نواصل،،،

الجزب الشيوعى وبديله الديموقراطى 1


 يغرم الشيوعيون بالتحلي بزينة مفردات الديمقراطية يضيفونها إلى أسماء بلدانهم وأحزابهم ولكن الديمقراطية ليست بحلية . وأنما هي خلق وسلوك يقف بالموازاة تماماً مع تاريخ السلوك السياسي للأحزاب الشيوعية أكان ذلك حولنا أم في داخل بيتنا الوطنى . والحزب الشيوعي السوداني أو ما تبقى من أشلائه أو أطلاله هو المتزعم مع حزب المؤتمر الشعبى شعار اسقاط النظام وأقامة البديل الديمقراطي. و لم أقرأ في سطور بيانه الديموقراطى وبين تلك السطور  إلا الحرص على الوصول للسلطة والبقاء فيها بغير تفويض شعبي . ثم هدم مؤسسات الدولة بدعوى تصحيح المسار بلا مرجعية شعبية . فكأنما يريد الحزب الشيوعي أن يعيد السودان إلى حقبتي سلطة جبهة الهيئات وسلطة مايو ما قبل 20 نوفمبر 1970م . و تلك الفترات القصيرة من التحكم الشيوعي بمفاصل السلطة شهدت أنجاز الحزب من التخريب للقيم السياسية وللمؤسسات الوطنية ما لا يُنافسه فيه أحد مترشحاً للدخول إلى موسوعة جينس للأرقام القياسية. وهذا المقال عن علاقة الحزب الشيوعي بالديمقراطية سيكون شركة بيني وبين الزميل الراحل الخاتم عدلان اقتباساً من كتيب (آن أوان التغيير) والذي كتبه عقيب سقوط المعسكر الشرقي الشيوعي وأنهياره انهياراً مدوياً لم يشهد التاريخ له مثيلاً ولا حتى في سقوط الأمبراطورية الرومانية العظمى.
الحزب الشيوعي .. شيخوخة الفكرة:
        الحزب الشيوعي السوداني سيبلغ من العمر سبعة وستينا عاماً بانقضاء هذا العام. وأنا أتحدث ههنا عن الحزب لا عن محازيبه من قيادته التي تكبره عمراً . وكلاً الحزب والقيادة قد دخلا مرحلة شيخوخة الفكرة وشيخوخة القيادة . ولكي لا أتهم بالمغالاة في التحيز فان الفكرة الشيوعية لم تكن شراً كلها بل كان فيها في يومٍ من الأيام وفي كثير من البلدان من الخير أكثر مما فيها من الشر. ولم يكن كارل ماركس يهودياً بغيضاً كما تصوره الأدبيات الإسلامية. كان يهودياً ولم يكن  كل اليهود بغضاء ولا أعداء . والقرآن نفسه يستثنى في كل حالة (إلا قليل منهم  ) وكان كارل ماركس من هذا القليل فيما أحسب وأظن . ولم يكن مؤمناً باليهودية ولا بالنصرانية ولا بالاسلام. لم يكن يؤمن بالأديان . وكان يرى وكان محقاً أن الأديان قد استخدمت في أحيان كثيرة لتدجين الشعوب ولحملها على الصبر على الحيف والظلم . وعبارته الدين أفيون الشعوب عبارة مشهورة ولكنه يقر فى نفس الكتاب أن الدين فى أحيان كثيرة كان محرضا للشعوب على الثورة ولا غرابة أن يكفر بالتلمود من يدعو الى اخاء الشعوب. ونحن أمة نكره الكفر والإلحاد ولا نحب أن ننسب أي مزية لكافر أو ملحد . ولكن واقع الحال أن الكافر قد يتبطن بعض الخير وأنه قد يحمل بعض الخير . وفي سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ما يعلمنا بعض ذلك عن بعض كفار قريش. وفي واقع الحال في زماننا ما يرينا بعض نماذج من ذلك . أما ماركس فكان يهودياً مثالياً كره الاستغلال المريع للضعفاء على طريقة الفلاسفة مثلما كره ذلك فكتور هيجو ذلك  الاستغلال على طريقة الروائيين فأنتج الأخير كتاب البؤساء وانتج الأول كتاب (رأس المال) . وكان كتاب ماركس أقوى صيحة في زمانه في وجه فلسفة احتقار الإنسان وظلمه. ولم يكتف ماركس بكتابة كتاب فضح فيه وجوه الاستغلال الطبقى للمستضعفين المسحوقين من  (البرولتاريا) بل مضى في طريق كفاح إجتماعي لرفع الظلم عن المظلومين . وكان رفيقه فى الكفاح ذلكم الارستقراطي المتخلي عن طبقته وثروته لمناصرة الفقراء (أنجلز) . وكانت الأخوية التي شادها ماركس وانجلز أقوى الملهمات لحركات الممانعة والمقاومة الاجتماعية من كوميونة باريس إلى ثورات المستضعفين في كل أرجاء أوربا. وهذا البعد الإنساني في الماركسية هو الذي جذب المناضلين في شتى أصقاع الأرض. وفي السودان نشأت الحركة الشيوعية بصفة المقاومة للاستعمار . ولكنها نشأت في بيئة اجتماعية مغايرة تماماً للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في أوربا ثم في الأتحاد السوفيتي من بعد ذلك. ولم تنشأ الشيوعية السودانية حركة تحرير اجتماعي بل حركة للتحرر من الاستعمار الأوربي ، ولكنها حملت معها جرثومة الخضوع لنوع آخر من الاستتباع لكيان أوربي هو الاتحاد السوفيتي والذي أصبح مجسداً سياسياً للفكرة الماركسية اللينينية. ثم أن الماركسية اللينينية الستالينية ما عادت ذلك الحلم الجميل بل تحولت إلى دولة ونظام دولة حديدية قابضة قاهرة مسيطرة لا على شعبها فحسب بل على شعوب كثيرة مقهورة وقعت تحت النير السوفياتى بفعل معادلات الجيوبولتيكا في أوربا وغرب أسيا. ورفع  الحزب الشيوعي السودانى شعارات الماركسية في مناصرة الضعفاء وتعزيز نضال الطبقة العاملة (لم يكن لها وجود يذكر) ولكنه حمل أكثر من ذلك شعارات الأممية التي جاءت على حساب الولاء الوطني . وشعارات الصراع الطبقي (في بلاد لم تعرف الطبقات الاجتماعية) . وأصبح القضاء على الرجعية الملتحفة بدثار الدين هو همه الأول . ومحاربة تقاليد التدين الاجتماعي بوصفها التجسيد للعادات السيئة المعوقة للتقدم هو دأبه وديدنه. وكانت الماركسية هي دليله في ذلك وكتابه المقدس (راجع كتيب الماركسية وقضايا الثورة السودانية) وأكثر الحزب الشيوعي من الحديث عن محاربة طريق التطور الرأسمالي للتنمية في بلاد لم تغادر آنذاك ربع الاقتصاد الكفائي ولم تعرف الاقتصاد النقدى الا قليلا بله أن تعرف الرأسمالية .
        وتحدث الحزب الشيوعي كثيراً عن سلطة الطبقة العاملة وسعى باتجاه تحقيق ديكتاتورية الطبقة العاملة المفضية إلى بناء دولة الكفاية والعدل ثم إلى تناهي تلك الدولة إذا بلغت الأوج من الكفاية والعدل(ثم تتلاشى الدولة). وقد كانت التجربة السوفياتية تجسيداً لنقيض كل ما بشر به ماركس ولينين قبل  الدولة . فكانت طبقة البيروقراطيين السوفيتية أسوأ ألف مرة من الطبقة الرأسمالية . وكانت قهريتها وشموليتها أسوأ من قهر واستبداد أية دولة رأسمالية عرفها التاريخ .
        (فمن خلال عمليات تصفية نشطة أستخدمت فيها المؤتمرات الحقيقية والمفتعلة تم القضاء على جميع الأحزاب الأخرى وسُحق استقلال المنظمات الاجتماعية والأهلية وصار الحزب حزباً واحداً والرأي رأياً واحداً والتصور للماضي والحاضر والمستقبل تصوراً ضحلاً وبائساً ) (وهذا ما كتبه الخاتم عدلان لا ما كتبته).
        ويمضي الزميل الخاتم في وصف الدولة السوفياتية (حلت سياسة الهيمنة والضم والألحاق وفرض النماذج السياسية والاقتصادية بل والنهب الواضح الفظ في بعض الحالات محل السياسات القائمة على أخويه الشعوب وحريتها وحقها في تقرير المصير) ولكن روسيا هذه كانت هي الأيقونة للحزب الشيوعي ولشعرائه ولأدبائه وقادته " فالدجى (السودان) يرضع من ضوء النجيمات البعيدة (روسيا)" . وإذا كانت روسيا السوفياتية هي الأنموذج ومصدر الالهام فلا تعجب من الملامح الستالتينية على وجه الحزب الشيوعي الارثوذكسي في السودان.
نواصل ،،،،

الأربعاء، 12 ديسمبر 2012

الفكرة المتفجرة



أحداث محاولة الإنقلاب في الخرطوم، وحدث معركة الدندر مع جماعة من السلفيين الجهاديين حدثان يطرحان أسئلة مهمة حول  التطور الفكري والسياسي في بلادنا. فظاهرة الشرعنة الاخلاقية للعنف قد أنتشرت إلى مدى يهدد الإستقرار إلى أمد طويل. والظاهرة ليست بارزة في السودان فحسب، بل أنها توطنت منطقة الحوض العربي الإسلامي بأسره من أفغانستان مروراً بالعراق ولبنان وسوريا ومصر وليبيا وتونس والجزائر إلى مالي والمغرب الكبير. وأطرافها كل التيارات الفكرية والسياسية من أقصى اليسار إلى تلقاء السلفية الجهادية.
ثقافة العنف .. ثاوية أم مستزرعة:
        من أين يستقي هذا التعانف الأهلي مشاربه هل هي مسائل ترتضع من نسغ نبع أسلامي الجذور كما تزعم الدعاية الغربية المناهضة للاسلام المروجة للاسلامو فوبيا والناشرة للكراهية للاسلام ورسول الاسلام وأهل الإسلام؟ أم هي نبت مستزرع من ثقافة الافناء وأبادة الشعوب شرقاً إلى استراليا وغرباً حتى أمريكا وأمريكا اللاتينية. والتى هى ثقافة محاكم التفتيش والحروب الصليبية والإضطهاد الديني والعرقي الأعرق في مشارب الثقافة الغربية المعاصرة. والإجابة هى أن العنف الفكري ليس إلى عقيدة الإسلام بسبب ولا نسب. فأداة ترويج الفكرة والعقيدة في الإسلام هي الدعوة. وتأمل في مفردة الدعوة كم فيها إحترام لكرامة الإنسان واستقلال ارادته ورأيه وقناعته . هى دعوةٌ إلى مأدبة الرحمن فمن شاء فليأت ومن شاء فليعتذر "لا أكراه في الدين قد تبين الرشد من الغى ) (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" "لست عليهم بحفيظ" " لست عليهم بوكيل" "أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة" " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا باللتي هي أحسن" "أنا أوأياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين" "قل لا تسألون عن ما أجرمنا ولا نسأل عن ما تعملون" هذه بعض مقتبسات من الأدب الألهي لترويج الفكرة. ولا يصلح لترويج الفكرة سبيل آخر. فالفكرة ليست إلا علاقة ثلاثية بين الإنسان والكون والحياة. فهي إذاً مسألة وجودية غير قابلة للاستزراع الجبري. وإذا شاء بعض المتجبرين أن يأطروا بعض الناس على اعتناق أفكارهم باستخدام العنف والقوة فان الكفر لا الفكر هو محصلة الاجبار . ولئن كان الفكر هو الإضاءة الساطعة على الواقع فإن الكفر هو تغطية الفكر وتغطية الواقع بغشاء من الرفض والكراهية. والقرآن يحدث عن مثل هذه الظاهرة عندما يقول "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً" فرفضهم ناشيء من بطر الحق والاستعلاء على أهله والإقامة على الظلم . وأما الفكرة فواضحة جلية أمام سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم . فهؤلاء هم من يوصوفون "لهم قلوبُ لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون"
        منهج القرآن في نشر الأفكار هو مداواة النفوس من دنفها والقلوب من مرضها وتفتيح الأبصار والاسماع بأزالة غشاء الهوى ووقر التعصب. ومنهج القرآن لنشر الأفكار هو منهج المعرفة والعرفان والتعارف . فالمعرفة هى مصباح العرفان يهدى إلى الدار المظلمة . وما لم يُفتح له الباب المؤصد المخفور بجلاوزة الشك والريبة والخوف الدفين فليس الى دخول من سبيل . والدعوة هي أن تطرق الباب بالكياسة واللطف وأن تقول لصاحبها"قولاً ليناً لعله يذكر أو يخشى" والدعوة أن تخاطب الناس بأحسن مما يتوقعون وأن تصبر على ما يفترون.


آفة الفكرة حاملها:
        وللأفكار المطابقة للحقائق والوقائع قوة نفاذ ذاتية للفهوم وللشعور ما لم تتصدى لها الأفئدة بالممانعة والعقول بالمعاندة. ولا يحرك ممانعة القلوب ولا معاندة العقول مثل استعلاء حامل الفكرة على المحمولة إليه . وليس ثمة استعلاء فوق محاولة الأكراه والاجبار . وليس ثمة استعلاء مثل أن تقول للناس ما لا تتمثله "كبر عند الله مقتاً أن تقولوا ما لا تفعلون) .  وكأنك تقول للناس أنتم بحاجة إلى ما أنا غني عنه. ومن يفعل ذلك إنما يُحسن الظن بنفسه ويسيء الظن بالناس . ولكن تعاليم القرآن تعلمنا بغير ذلك . فاساءة الظن  بالنفس باب من أبواب الرقائق عظيم. لأنها تجعل صاحب الفكرة محاسبياً يحسب الخطى قبل أن يخطوها ويحاسب النفس على الخطى التي مشاها . أما أصحاب الدعوة في زماننا وناشرو الفكر في أواننا فجلهم لا كلهم (بحمد الله ) فبخلاف ذلك. فهم يدخلون الباب على الناس عنوة ويُسمعون الناس من القول أشده وأغلظه . ويُحسنون الظن بأنفسهم حتى كأنهم ممن طُهروا تطهيرا ويسيئون الظن بالناس . ولكأن الناس قد أنقسموا إلى فسطاطين فسطاط الفساق وفسطاط الكفار . وكل مستور الحال عندهم متهم حتى يسلم لهم بالحق الذين لا يرون من ورائه إلا الباطل.
        لأجل ذلك فان أولى الناس بالدعوة في هذا الزمان هم أهل الدعوة. ومن لم يبدأ بنفسه لمحاسبتها ومراجعتها فليسوا أهلٌ لتذكير الناس أو تبصيرهم. فلينظر أهل الفكرة والدعوة إلى حالهم اليوم فطائفة منهم تساير أهل السلطان بنصح قليل ومدح كثير ، وطائفة تجانبه استكباراً وعلواً . وطائفة تُجهل المجتمع بأسره وتضلله وطائفة أخرى تكفره . ولكننا نحمد الله على الطائفة الصابرة المرابطة المستعينة بالله على أنفسها وعلى خلقه . والتي نرجو أن يفتح الله لها وبها فتحاً لأهل الإسلام فيكثر علماؤه ويعدل أمراؤه وتستقيم جماعته على الجادة وعلى الصراط المستقيم.

الفكرة وتغيير ما بالناس:
        لاشك أننا نعيش في زمان ضُعف فيه شأن المسلمين وهان . فلا غرو أن امتلأت نفوس الشباب ذوي الهمم بالموجدة والغضب . ولكن شتان ما بين الغضب الذي هو من نفث الشيطان ومن فيح جهنم وبين الغيرة للحق وبالحق. حُق لشباب المسلمين الصاعد أن تمتليء نفوسهم بالحسرة والخيبة . ولكن المؤمن الحق لا يستسلم لخيبة الأمل وتناهي الرجاء بل أنه يستمد من روح الله الذي لا ييأس من روحه إلا القوم الكافرون أملاً ضخماً ورجاء عريضاً لنهضة وشيكة ترودها عزائم الرجال والنساء.  ابتداءً من تغيير واقع النفوس إلى تغيير واقع الحال. ولابد لأهل الإصلاح والتغيير أن يبصروا بمقاصده وأن يدركوا  سننه وسبله وأن يمسكوا بذرائعه. وأول التغيير هو تغيير ما بالنفس ولا يغير ما بالنفوس مثل المعرفة . فالمعرفة المعتادة تنشيء وتدُيم الواقع المعتاد. والمعرفة الجديدة تنشيء وتقيم الواقع الجديد المطل على المستقبل بالفأل الحسن. وكما أن حبة الدواء الواحدة تنشيء ممانعة بالجسم لتغيير واقع المرض فإن الفكرة الواحدة تنشيء سلسلة من الأفكار تبرئ سقم الأفئدة والألباب فتعود لتزهو بها الحياة من جديد.
        ولن نستطيع أن ندرك ذلك حقاً حتى نعرف كيف تتفاعل الفكرة والنفس والواقع المحيط. فالعلاقة بين الفكرة والشعور والواقع علاقة تماس وتفاعل وتكامل. وهي أعمق كثيراً من يظن بعض الناس ويحسبون، وأبعد وقعاً وأثراً. وأفضل تمثيل تشبيهي لهذه العلاقة هو الانسان نفسه "وفي أنفسكم أفلا تبصرون" . فالعلاقة بين حركة الفكر وحركة الشعور (السايكولوجيا) وحركة الأعضاء والخلايا (الفيزولوجيا) تعرض أفضل أنموذج توضيحي لحركة الفكر والواقع . وهي علاقة مثل علاقة البيضة والدجاجة لا تستطيع أن تجزم بأيهما كان المبتدأ . فأن شئت ان تبدأ بالفكرة فهي تتولد من معطيات واقع ماثل وواقع مختزن وواقع متصور . فهي تصوير لعلاقة الفكر بالزمن الحاضر (الواقع الماثل) والزمن الماضي (الواقع المختزن في الذاكرة) والمستقبل (الواقع المتخيل المتصور). والفكرة تتعرف على الواقع المعاش من خلال التحسس بالسمع والبصر وسائر الحواس ثم من خلال التدبر (إدارك علاقة الأشياء والأحداث ببعضها البعض ) ثم من خلال التذكر (إدراك علاقة أحداث الراهن بأحداث الماضي الدابر ) وكذلك من خلال التخيل وهو وصل أحداث الراهن والماضي بمآلاتها المتصورة ومصائرها المتوقعة. وكل ذلك لا يستغرق إلا برهة لا تكاد تحتسب من الزمان . وعبر هذه الصيرورة يتصل الشهود الحاضر بالغيب الماضي والغيب الآتى فتتولد الفكرة . وعندها يخفق القلب ويتدفق الأدرانالين ويحرك المشاعر حباً أو بغضاً أو خوفاً أو اطمئناناً أو حماسة أو خشية . ويتولد النزوع للفعل فينقل صاحبه من الهدوء الى الثورة ومن الحزن الى الفرح، ومن اليأس إلى الرجاء. فاذا تغير الحال بالمعرفة تغير الفعل . ولاشك أن الفاعلية هي التي تحدد الواقع أو تعيد أنتاجه من جديد. فالفكرة المعتادة لا تلد معرفة جديدة فلا يتولد بها فعل جديد ويمضى الحال على حاله بل ينزلق إلى أسوأ من حاله لأنه من سنة الحياة أن ما لا يتحرك يجمد وما يجمد يموت أو  يتفتت.
الفكرة المتفجرة والفكرة الخلاقة:
        فاما الفكرة الخلاقة فهي الفكرة التي تتعلم من "الله أحسن الخالقين" . فهي لا تقتأ في  تأمل وتدبر كما أمرها خالقها وخالق كل شئ . وهي بذلك في تجدد مستمر يحاكي تجدد الجسد المستمر في دمائه وذراته وخلاياه . وأما الفكرة الهدامة فهي تلك الفكرة التي تجمد تحيزاً أو تعصباً أو وجلاً أو خوفاً. ولئن كان التحول في الواقع هو ما يحرك الفكر والتحول في الفكر هو ما يغير الواقع فأن الجمود الفكري يؤدي إلى ركود الواقع وتأسنه وتخلفه . كما نرى واقع حال الحوض العربي الإسلامي اليوم. والركود والتأسن ليس غثاءً طافياً وزبداً طافحاً فحسب بل وفقاقيع متفجرة يحسبها الناس من الفكر وهي ليست إلى الفكر بصلة. هي أفكار نمت من نتن التعصب والكراهية وسوء الظن . ثم يوشك أن تكون تبعة ذلك أرواح تهدر ودماء تسفك وموارد  تبدد .  ويحسب أولئكم أنهم يحسنون بذلك ولا يسيئون  . ويعلم الله أي الناس هم الأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيُهم فى الحياة الدنيا ويحسبون أنهم يحسنون صنعا . وهو وحده المطلع على الضمائر العالمُ بالسرائر والهادي الناس إلى صراط مستقيم.

ليبراليون .. بلا ديمقراطية


ما يجرى من أحداث في مصر وتونس بين المجموعات العلمانية واللادينية وبين القوى الإسلامية التي أضحت تمثل الضمير الوطني في هذه البلدان هو صورة مكبرة لما يحدث في السودان واليمن والمغرب ، وربما سائر البلدان العربية التي تشهد بلا استثناء نهضة غير مسبوقة للتيار الإسلامي. هذه القوى العلمانية وبعد أن أيقنت أن الجماهير أعلنتها بالكفر بعنوانها اللا ديني وحكمها الإستبدادي وسياستها الظالمة الفاسدة، نصبت لأنفسها خيمة كبرى وضعت على بوابة منها أسم القوى المدنية وعلى الأخرى القوى الليبرالية وقد يعجب المرء من تهرؤ العبارة وتفسخها وعجزها عن تحمل الفكرة. أما الآن فهذه القوى التي تُجسد كل معنى ثارت عليه جماهير الأمة العربية تجيء متدثرة بعباءة المدنية . وتارة أخرى بدثار القوى الليبرالية . وهي مدنية ظلت الأحزاب التي حكمت المنطقة طيلة فترة ما بعد الاستعمار تجافيها وتباعدها كما باعدت الثريا سهيلاً . فالبذة العسكرية هي ما تحلت به هذه الأحزاب في العراق وسوريا ومصر وليبيا أو اتكأت على منسأتها في تونس. وأما الحقوق المدنية Civic Rights فهي أبرز الممنوعات على عهد حكم البعث والناصريين والشيوعيين والبيروقراطيين الذين ظلوا الملأ الأدنى للأنظمة القهرية وإن أحسنوا التمشدق بالكلام (الصحيح سياسياً).


الدولة المدنية والقوى المدنية:
        أحزاب الزمن الداثر سكت مصطلحاً جديداً لا تعرفه الأكاديميا السياسية ولا الاستخدام الدارج السياسى في هذه المنطقة أو أية منطقة سواها من العالم وهو مصطلح الدولة المدنية. وهم يعلمون تماماً أنه مصطلح جديد يخبئون تحته الأسم القديم للدولة العلمانية والذي خبأوا تحته الأسم الحقيقي الذي لا صلة له بالمدنية ولا بالعلم وهو الدولة اللا دينية . فالقواسم المشتركة التي تجمع كل هؤلاء هى مباعدتهم للدين سلوكاً فردياً وجماعياً . ومجانبتهم للاسلام استلهاماً أو استهداءً ثم محبتهم وعشقهم للمتغلب المستعمر المستكبر ثقافةً وسياسة واقتصاداً.  فالصحيح الذي عاقد قلوبهم وعقولهم هو ما جاء من تلقاء أوربا أو أمريكا . أكان فكرة أو خطة أو صرعة من صراعات الفنون والأزياء المتقلبة المتحولة في العالم الذي يتسمى بالعالم الأول. وهؤلاء المتدثرون بثوب القوى المدنية ساسة كانوا أو أعلاميون أو بيروقراطيون في الخدمة العامة أو القضاء كانوا جميعاً أدوات الأنظمة التي ثارت عليها الجماهير العربية صيفاً وشتاءً . وليس ربيعاً كما أطلق عليه المستتبعون الاعلاميون . فلئن كان الاعلام الأوربي لا يريد أن يرى في العالم حدثاً إلا وهو صدى لحدث أوربي أو فكرة أو سياسة أوربية فإن اعلام المحاكاة العربي هو الذى أطلق أسم ربيع عربي على ثورات وقعت في ديسمبر ويناير وفبراير. ولكن لأن شرق أوربا لا يمكنها أن تثور في مواسم الجليد فكانت ثوراتها في الربيع فإن الثورة العربية أصبحت لدى الوراقين أو المرددين للأصداء في الاعلام العربي هي ثورة الربيع العربي . فكم يُنبيك هذا عن المدى والشوط الذي مضي عليه جل أعلام العرب في مسيرة المواكبة والتبعية للاعلام الغربي. والمتدثرون تحت غطاء القوى المدنية المبشرون باقامة الدولة المدنية يعلمون ان الحكم ما بعد الثورة في مصر أو تونس أو اليمن أو غيرها قد نهض على أنقاض حكم المؤسسة العسكرية. وهم اليوم من ينفذ مخططاً مقصده استثارة الفوضى لاستدعاء حكم العسكرتاريا من جديد. وهم كذلك يعلمون أن دولة المواطنة التي تقوم على تحقيق مساواة المتساكنين جميعاً في الحقوق المدنية والسياسية هي ما ينادى به الإسلاميون ويطبقونه على واقع الحال. فلا يوجد في القوى الإسلامية سواء في مصر أو تونس أو السودان أو غيرهم من ينادى بدولة تفرق بين المواطن والآخر بسبب العقيدة أو العرق أو اللون أو النوع أو الرأي السياسي. وأهل الاختصاص جميعاً يعرفون مصطلح الحكم المدني ويعرفون الحقوق المدنية والمجتمع المدني ولكنهم لم يسمعوا بالدولة المدنية إلا من معسكر الانهزام الفكري والسياسي التي تمثله فلول أحزاب الزمن الداثر من ناصرين وبعثيين وشيوعيين وبيروقراطيين يعرضون خدماتهم وولائهم لمن يضمن لهم الإرتقاء الشخصي والمنافع الخاصة.
ليبراليون ولكن بلا ديمقراطية:
        وهذه الأحزاب والقوى السياسية التى تتسمى  بالقوى الليبرالية تقف موقفاً جديداً .  فما نعلمه عن البعثيين والناصريين والشيوعيين  أنهم كانوا يستنكفون أن يوصفوا بهذا الوصف. كذلك فان الاعلام الغربي والاعلام التابع له عربياً أصبح يسلم لهم بهذا الوصف ولا أدرى كيف ولماذا الا اذا كان صدام والأسد وعبد الناصر من أرومة الليبرالية . يقولون ذلك رغم أنه لا يوجد في أيدولوجيا ولا في تاريخ أيٍ من هذه المجموعات السياسية ما يوائم الليبرالية بأي وجه من الوجوه . فهذه أحزاب تدعو بخلاف الليبرالية إلى هيمنة الجماعة على الفرد . وأنما تنهض الليبرالية على فلسفة فردانية متطرفة . ولأن هذه الاحزاب  تقول بهيمنة الجماعة على الفرد فأنها تراه أمراً مشروعاً أن تسحق أراء وأفكار وكرامة ومصالح المواطنين تحت حذاء الايدولوجيا التي تعتبرها هي المعبر الحقيقي عن شرعية هيمنة الجماعة الطبقية أو القومية على الأفراد. ولأن أحزاب الأشتراكية العربية هي مجرد نسخة معدلة من الماركسية  تتماهى مع الماركسية تجربة وتاريخاً وفكراً سوى أنها تستبدل الأممية بالقومية وتستبدل الطبقة البرجوازية الصغيرة بالعسكرتاريا. فلا غرو أن يتجمعوا فى فسطاط واحد تحت العنوان الذى قد يدغدغ الذائقة السياسية الغربية . وأما البيروقراطيون الذي تجدهم عن أيامن القوميين والناصريين وعن مياسرهم فقد كانوا دائماً خدماً وحشماً للحكومات البعثية والناصرية وحكومات العسكرتاريا في المنطقة . ولم ينطقوا  ببنت شفة حتى أنطقتهم التعاليم القادمة من واشنطون ولندن وباريس ، وهؤلاء جميعاً لم نعرف لهم موالاة فكرية للديمقراطية ولم نشهد لهم نضالاً على طريق تحقيقها. بل أننا لم نسمع منهم حتى هذه اللحظة كلمة مراجعة واحدة ضد عهود الاستبداد التي حكمت خلالها احزابهم بقوة الحديد والنار وبالمصانعة والمتابعة لقوى الاستكبار الغربي. ونحن لم نسمع من الحزب الشيوعي في بلادنا أنه قد تبرأ من تاريخه عندما كانت (مايو سيف العدا المسلول وكانت تشق اعدانا عرض وطول) ولم نسمع لهم مراجعات عن اخطائهم في مصادرة الحرية من الجميع (إلا القوى التقدمية) ولم نسمع منهم كلمة عن مصادرة أملاك أصحاب الأعمال لا لشيء إلا أنهم من (القوى الرجعية) ولم نسمع مراجعة لمقولات (دكتاتورية البرولتاريا) أو انكارهم (للديمقراطية البرجوازية) أو تقسيمهم للقوى السياسية للقوى رجعية وقوى تقدمية أو ايمانهم بالمركزية الديمقراطية بديلاً للديمقراطية الليبرالية وأهم من كل ذلك مدى استعدادهم لتقبل لقب الليبرالية عن طيب خاطر ماركسي .
        نحن في انتظار هذه التراجعات الفكرية والمراجعات السياسية لكي نحمل بديلهم الديمقراطي محمل الجد والنظر الجديد السديد. أما البعثيون فنريد كلمة صريحة عن حكم صدام وحكم آل الأسد ما جرى في العراق وما يجري في سوريا. نريد أن نسمع عن مفاصلة مع أنظمة القهر والاستبداد وعن طلاق غير رجعي للأولجاركية المتمسحة بمسوح التقدمية . وهي ترفل في ثوبٍ عشائرى خلقٍ في العراق وثوبٍ طائفي ترب في سوريا. وأما الناصريون والساداتيون والمباركيون فعليهم ان ينسبوا أنفسهم من جديد لحقب العسكرتاريا المختلفة في مصر سواء كانت ناصرية أو ساداتية أو مباركية . فنحن لا نعرف لعبدالناصر رعاية لحقوق الأنسان ولا حفاوة بالديمقراطية وإن كنا نحمد له حميته الوطنية وغيرته القومية ولكننا لا نرى ملامح حتى هذه المحمدة في الأحزاب الناصرية . فما عادت الناصرية اليوم شارة وشعاراً ضد الانحياز للغرب ولا صيحة ممانعة في وجه الاستكبار والاستعمار.
خاتمة وفاتحة:
        هذه الكلمات كما هي خاتمة لهذا المقال هي فاتحة لمقالات عن بعض احزابنا في السودان وفشلها فى اعادة تخليق فكرها ومواقفها وقيادتها لتكون مؤهلة لتوفر بديلاً في إطار ديمقراطية الجمهورية الثانية . فنحن مع  قلة ثقتنا في هذه الأحزاب فإننا ندرك أن نظام الديمقراطية نظام تصنعه تعددية حقيقية في الأفكار والمواقف والبرامج ويرتقى به تنافس حقيقي بين قوى تطرح بدائل حقيقية للجمهورليكون له الخيار.  فالديمقراطية هي ان يؤول الخيار للشعب وللشعب وحده بلا استعلاء لنخبة ولا وصاية لحزب.

الأحد، 25 نوفمبر 2012

كذب المنجمون وما صدقوا



لا يُعد من حسن الأداء المهني ولا التجمُل الخلقي أن يخوض الخائضون بالتكهنات في أمور تتصل بحقوق الآخرين في إفتراض البراءة في حال الإشتباه أو حتى الإتهام . وذلك معلوم بالضرورة لأهل المهنة الإعلامية . بيد أن الساحة الإعلامية قد أحتشدت بأماني البعض السيئة للحركة الإسلامية وبعض منتسبيها، كما فاضت صفحات الصحف بالتكهنات والتحليلات الفطيرة التي لا تستند إلى معلومة موثوقة أو مصدر معلوم ينسب إليه القول والكلام. كل ذلك والتحقيق الذي لا نشك في دقته وعدالته يستقصي المعلومات والقرائن والبراهين ليخرج على الناس بالقول اليقين.
المحاولة التخريبية ... ما كنهها ؟
        أن يوصف تدبير ثلة من العسكريين ومن ظاهرهم من المدنيين بأنه محاولة تخريبية وصف صادفه التوفيق. ذلك أنها مهما بلغت من مراحلها ما كان بإذن الله مكتوب لها أن تشق طريقاً للتغيير أو الإصلاح. ولعلها لم تكن إلا نفثة مصدور لأسباب لا نعلمها ولا نريد تجشم فهمها بالظن الذي لا يغني عن الحق شيئاً. ولا تهمنا الأسماء في هذا الصدد ولا يجوز لنا أن نتحدث عنها أو عن دوافعها قبل أن تخرج من دائرة الاشتباه ويُقضي يقيناً بضلوعها في ذلك التدبير. أما أن الواقعة قد وقعت فهذا مؤكدٍ من إعترافات بعض إطرافها. ولذلك يجوز لنا أن نتساءل عن دوافع من جعل من نفسه جزءاً من هذا التآمر على إستقرار الوطن وأمنه وسلامة مواطنيه. وخاصة إذا كان هذا البعض جزءاً ممن تحملوا مسئولية حفظ أمنه وسلامته مع أخوةٍ لهم لم يبدلوا تبديلاً. ولاشك عندي أن أحد أسباب إنكشاف هذا التدبير باكراً ائتمان أصحابه لجماعات سياسية لا يمكن لها أن تؤتمن على سر أو تُستحفظ على أمانة، فقد ظل بعض هؤلاء يلمح بمفاصلة جديدة والآخر يلمح بأن لهم إتصالاً وامتداداً داخل الحزب الحاكم وآخرون يزعمون أن المؤتمر الوطني يوشك أن ينفجر من داخله، وخاب فألهم كما ضل سعيهم ولن يهتدي إلى سبيل بأذن الله الذي إليه تصير الأمور. وبعض أولئكم ربما خادع نفسه بأنه يبغى الإصلاح ولو صدقها لعلم أن ما وضع أقدامه عليه من طريق ليس إلى الإصلاح بسبيل ، بل هو الافساد والتخريب وأهدار الأنفس والأرواح . ولن تكون ذريعة الخير من تلك الشاكلة أبداً . وليس لأحدٍ بالغاً ما بلغ أن يبريء نفسه من محبة الظهور والرئاسة. وليس من طالبٍ سلطان إلا بدعوى إصلاحٍ وإحسان. فلم تكن تلك المحاولة إلا انتصاراً لغضب النفوس أو اطلباً لحظوظها وإلا لكان في سبل الحوار والتحاكم إلى المؤسسات مندوحة عن مخالسة من أئتمن ومباغتة من أحسن الظن فوثق. وأما أن ينسب ذلك إلى كنف الجهاد والمجاهدين فهي شنشنة نعرفها من أخذم . فقديماً طلب أناس السلطان فرفعوا له قميص عثمان. وجهاد الحركة الإسلامية تليد عريق منذ الشهيد محمد صالح عمر إلى شهداء يوليو ومجاهديها إلى جهاد الانقاذ . ومن يُزعم أن الانقاذ قد غادرت ذلك المتردم فقد كذب وأفترى . فالانقاذ هي من بجدة الجهاد ومن معدنه الأصيل . وما من قائد فيها أو زعيم إلا وقد بذل من نفسه أو ماله أو أهله ما بذل . ولا يحق لأحدٍ أن يزعم لنفسه شرعية مزيدة بالجهاد إلا يكون ذلك من عُجب النفوس الذي يتعوذ منه الصالحون. والزعم أن جماعة من المجاهدين حملت أسم السائحين جزء من هذا الترتيب أفك لا ينهض على أساس إلا التخمين. ولربما تعاطف بعض أعضاء تلك المجموعة من المنتسبين المؤتمر الشعبي أو بعض الذين أرتكبهم الغضب والسخط فصار واحدهم كالمغلق لا يسمع ولا يبصر شئياً فمالت أنفسهم لألتماس الأعذار لأصحاب هذه المحاولة بزعم الإصلاح والتغيير والإصلاح عنها بمبعدة. وليس لاحدٍ أياً من يكون ن شرعية فوق شرعية المؤسسات المنتخبة ومن أخرج نفسه  عن ولاية هذه المؤسسات فليس له أن يتحدث في شأنها بشيء. بيد أن ذلك لا يعني أهمية إستمرار الحوار والتفاكر والتشاور حول سبيل إصلاح المسار ومراجعة الأداء وملازمة النقد الذاتي. فالنهج التبريري لم يكن ولن يكون في يومٍ من الأيام سبيلاً لمعرفة الذات أو الارتقاء بانجازاتها. وعلى أهل الاخلاص في الحركة الإسلامية أن يواصلوا نهج التواصي بالحق والمصابرة والمثابرة عليه مهما فتح ذلك سبيلاً لمن يخوض بالباطل في شؤون الحركة الإسلامية وشجونها.
تعرفونهم في لحن القول:-
        فرح أهل ا لمناوئة للانقاذ بما جرى , وما علموا ان ما حدث سيُقويها ولن يضعفها كما يرجون ويحسبون ، ولا شك عندي مما بدا من تصرفات وتصريحات أن الأجهزة الأمنية لم تكن وحدها هى من يتابع خيط التآمر بل كان أولئك على علم أو ربما في تنسيق مع أصحابها . بدأ ذلك في مفارقة بعضهم لنهج الحذر وحديثهم عن إعتصامات في الميادين , وكأن محاولتهم الخائبة في المرة السابقة لم تزدهم إلا غفلةً وتوهماً. وزعم البعض الآخر أن الحركة الإسلامية توشك أن تنفجر من داخلها وأن مفاصلة جديدة ستفتح لهم السبيل إلى الاستقواء ببعض أبناء الحركة الإسلامية . وما علموا ان الحركة الإسلامية شجرة مباركة , وأنه لا يتساقط عن فروعها إلا الأوراق الجافة . ومن أراد أن يتزود بما جف من أوراق فليتزود . وإذا  كان البعض لا يضيره أن يكون رفقاؤه وحلفاؤه هم مبغضو الدين والشريعة، فنحن نبرأ إلى الله منه ومن حلفائه . لأن أهل التوالي مع الباطل ليسوا إلا بعضاً منه. وليعلم بعض الزعماء أننا وأن إستيأسنا من رشد لهم بعد انتكاس فنحن لم نيأس من تابعين مخلصين لهم أشتبهت عليهم السبل فاحتارت منهم الألباب. بيد أن تصرفات الزعماء التي لا تستنكف عن عقد الخناصر والأواصر مع أعداء الدين في الداخل والخارج توشك أن تنشىء برذخاً بين هؤلاء وأولئك. وسيكون من أولويات الحركة الإسلامية إبتدار حوار واسع وكثيف مع كل من كانت له سابقة انتماء لصفوفها لكي تميز المعاند الذي أبعد النجعة ممن اشتبهت عليه الأمور. وأما حلف المناوئين فسنتركه لفطنة أهلنا الحكماء يعرفونهم من لحن القول ومن الصلات المشبوهة بمن عُرف يقيناً عداؤه للعقيدة والوطن. ولئن كانت الحركة حائط صد أمام المتآمرين والمتخاذلين فانها أيضاً لن تنزلق إلى منزلق تزكية النفس والعُجب بها . لذلك فأن المراجعة والمحاسبة سوف تكون ديدنها والإصلاح والتغيير للأحسن سبيلها. ولن يمنعها التصدي للخصوم المناوئين عن التيقظ لما يفتُ في عضدها من داخل صفها . إكان اغماضُ طرفٍ عن خطأ أو خطيئة أو متابعة مسار في سياسة  غير ناجحة ولا ناجعة . فذلك هو السبيل سبيل المجاهدة للنفس والمدافعة للخصوم والصبر على ذلك حتى يأتينا اليقين باذن الله.