الأربعاء، 21 نوفمبر 2012

رجلان غازى والزبير



             

كتب الأخ الطيب مصطفى بل زفر الطيب مصطفى زفرته الحرى بعنوان لا عزاء للحركة الإسلامية . وصدق فلسنا في وارد تقبل العزاء، بل نحن في وارد تقبل التهاني بنجاح مؤتمر الحركة الإسلامية الثامن . ونجاح المساجلة الشورية واختتامُها بالتوافق . وإن كان في نفس هذا أو ذاك شيء من عتب أو حرج . وما كان لذلك الحرج أن يكون . لأن الواجب الحق أن يرضى الناس بحكم الشورى ويسلموا تسليماً . ومن عجب أن المتحسرين على مخرجات الشورى والمؤتمر هم الذين آثروا الخروج من دارها أو الذين لم يقابلوا تلك الدار إلا بالضرار منذ أن رفع لها جدار. ولست بصدد التعليق على رواية الأخ الطيب وسرده للحوادث فهو عندي ليس متهم بكذب . وأنما مراجعتى لحكمه المتحامل المتعجل على المؤتمر والشورى وعلى الأمين العام الجديد للحركة الإسلامية.
فاما المؤتمر فقد شهد كل ذي رأي موضوعي أنه كان مشهوداً . وكان حسن التنظيم والترتيب . وشهد سجالاً ديمقراطياً فريداً غير مسبوق في مؤتمرات الحركة . رغم أنها من أعرق الكيانات المنظمة في السودان تراثاً في الممارسة الديمقراطية الداخلية. وكانت أنتخابات الشورى حرة إلى المدى الذي جلب لمجلس الشورى بعضاً من الناس يشهدون على أنفسهم أنهم أدنى رتبة في مقام الرأي والتدبير من أناس آخرين حجبتهم الإنتخابات عن عضوية الشورى . ولا بأس من ذلك فمطلب الشورى ليس حسن الرأي فحسب وأنما مطلبها ايضاً إعلاء المقبولية العامة لما يتخذ من سياسات أو قرارات.
ولقد جاء انتخاب الأمين العام الجديد مبرأً من كل عيب في الإجراءات بشهادة المتحزبين لهذا الجانب أو للآخر. ولقد كان من أدب الأخ الزبير أحمد الحسن الجم أنه قال أنه لو جرى اقتراع لأقترع لغازي فهو يراه أفضل منه للموقع . ولكن الأخ دكتور غازي آثر الانسحاب لرأي رآه لا أراه صائباً ولا مناسباً. بيد أني لا أنكر فضل الأخ الدكتور غازي فمن ينكر فضله قد ينكر ضوء النهار. عرفت غازي منذ أكثر من ثلاثين سنة . فنحن دفعة واحدة في جامعة الخرطوم بل وأني وأياه ولدنا في سنة واحدة وفي شهر واحد. ومنذ ذلك الحين فى الجامعة اتصلت جهودنا في ساحة الحركة الإسلامية . وكان هو المُقدم دائماً بفضله وحسن استقامته الفكرية والأخلاقية. وقد عملنا معاً في مجلس شورى الحركة ثم التقينا في بريطانيا لبعض الوقت ثم في الخرطوم لوقت طويل . وعملت معه إبان كان أميناً للمؤتمر الوطني أميناً لأحدى الأمانات وسبقأن عملت معه في رئاسة الجمهورية عندما كان مستشاراً سياسياً وكنت مستشاراً صحفياً لرئيس الجمهورية . ثم عملت معه وزير دولة عندما كان وزيراً للاعلام والثقافة . وعملت معه عندما كان مستشاراً للسلام عضواً في وفد التفاوض وفي كل هذه الأحوال لم أجدني في إختلاف معه في مسألة جوهرية . فنحن مدرسة واحدة في التفكير . وقد نهلنا من ذات المناهل التربوية التي كان يستسقى منها ناشئة الناشطين في سلكها . وأنا لا أختلف مع الأخ غازي في ضرورة اشتقاق مسار جديد للحركة الإسلامية وابتدار شوط جديد في مسيرتها نحو مقاصدها . ولكني لم أفهم موقفه الآخير ولم أجد له فيه عذر . فترجيح اختيار الأمين العام ليكون من الشورى كان خيار الأغلبية . وكنت ولا أزال أعتقد أنه الأوفق لأنه يُعلى المؤسسة الشورية فوق الفرد "الأمين العام" . ولأن إعادة عقد المؤتمر من تلقاء القواعد لاختيار أمين جديد أكثر كلفة إن توفاه الله، وليس في توقع وفاة من دخل بين الستين والسبعين غرابة . فهذه هي الفترة  التي أخبر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم أن آجال أمتة بين الستين والسبعين.وقليل منا يجتقب المتاع للأنصراف . وربما كان تقديرنا هذا حول انتخاب الأمين العام  خاطيء . ولكنه تقدير معقول ينبغي أن يُلتمس العُذر لصاحبه لا أن يتهم بأنه يداهن المتنفذين أو يسترضى الملأ الأعلى من  القوم . كما قال البعض أو أوشك الآخرون أن ينطقوا بما خبأته الصدور. وأما قوله عن القيادة العليا أنها تُخل باستقلالية الحركة الإسلامية فقول مستغرب إذا نُسب إلى نصوص الدستور . ثم إلى نص التعديل الذي أُدخل على المادة المتعلقة بهذا الأمرليؤكد أن وظيفتها تنسيقية. ثم أن خياره بالانسحاب يجئ خلافاً لما يتوقع ممن يتخوف من استتباع الحركة الإسلامية للمؤتمر أو للحكومة ، فكان الأولى به أن يتقدم للقيادة ليكون صمام أمان دون حدوث ذلك . وبخاصة وهو مسلح بنصوص الدستوروهو من نعرف فى الاستقلال بالنظر والاعتداد بالرأى. ولا أزال احتاج إلى جلسة مصارحة مع الأخ غازي لأفهم موقفه فالصراحة هي شارة المودة وعلامتها المائزة.
أما الأخ الزبير أحمد الحسن فأعرفه منذ أكثر  من ثلاثين سنه هو الآخر. وانأ أسن منه عمراً وهو أكبر مني رتبة وفضلاً . وقد عرفته طالباً نابهاً قيادياً في مدرسة عطبرة الثانوية عندما كنت مشرفاً من قبل مكتب الثانويات بجامعة الخرطوم علي مدارس المديرية الشمالية في ذلك الإبان. وكان عالي القامة رفيع الهامة والقدر بين إخوانه ولا يزال. وكان تقياً عفيفاً وإنما نحكم علي الناس بما نعهد ونعرف منهم والله أعلم بالسرائر . وقد حًظي ولا يزال بمقبولية واسعة في نفوس إخوانه ومعارفه وبمحبةٍ في قلوبهم لا يتجشم لها طلباً ولا جهداً. وأما أنه هو الأمين غير القوي فاتهام لم يسق الأخ الطيب عليه برهاناً سوي قرائن واهية وخطبة ادعاء ظالمة لقدره هاضمه لحقه . يقول الطيب أنه مجربٌ بإذعانه لمراكز القوي فما هي مراكز القوي  تلك ؟ إن كان المشار اليه هو الإذعان لرئيس الدولة فهو واجبه ديناً وعرفاً . فنحن نعرف من الفقه أن اختيار الرئيس في الأمور الخلافية وفي التقديرات النظرية يرفع الخلاف ويُلزم المكلفين بالإذعان له.لا يمنع ذلك من بذل النصيحة الخالصة .  إما إذا كان الادعاء أن الأخ الزبير قد يطيع في أمرٍ قد يخامره فساد أو خروج علي نهج الكتاب والسنة فبهتان وافتئات علي الآمر والمأمور علي حدٍ سواء أربأ بالأخ الطيب أن يكون قد عناه . وإما تحميله أخطاء كل المؤسسات في تهربها من ولاية وزارة المالية فتزيد وتحامل . ولا تعليق لي علي القصة التي تحكي عن الاتصالات لأن الأخ الطيب كان طرفاً فيها ولا يجوز له أن يكون حكماً وطرفاً في آن واحد. وأنا لا أبرئ الأخ الزبير ولا أنزهه عن الأخطاء.  فلو عرفت لنفسي نزاهة عن الخطيئة والأخطاء لرجمته يما يقذُ ويجرح من حجارة النقد والتبخيس. أما أولئك الذين يعيبون علي الأخ الزبير أنه رجل صامت، فليعلموا أن الصمت كان اختيارا له. فما عرفنا به من عيٌ ولا حصر . ولكنه رجل يتأدب بالقول النبوي "رحم الله امرءاً أمسك الفضل من قوله وانفق الفضل من ماله" وهو خيرنا جميعاً في التأسى بذلك الأدب. ولكن المسكوت عنه هو اتهامه بالمسايرة لمن يحسب أن المغايرة هي واجب الساعة. وأما الرأي عندي فأن المطلوب ليست المغايرة وإنما المطلوب التغيير . بالمراجعة للمقاصد التي تنتصب أمامنا دون الغاية الكبرى . وإعادة التفكير في الوسائل والوسائط . وبإعادة بناء الحركة الإسلامية لتمكين القيادات الجديدة . ولاستجاشة ثمرات العقول الذكية والألباب المتفكرة المتدبرة. ولا يقتضي ذلك بالضرورة مغايرة الحكومة أو الحزب بقدر ما يتطلب استقطاب الجهود جميعاً علي رؤية واحدة وخطة قاصدة. وليس ذلك ببعيد المتناول عن الأخ الزبير . وليس من الإنصاف في شئ ان نتعجل في الحكم علي أدائه قبل وضع يده علي مقود القيادة من تلك الحركة الشموس . لمجردتوجسات لا تنتهض الا علي سؤ الظن، ليس مظنة سؤٍ بالأمين العام فحسب بل بالحركة الإسلامية التي يقول الأخ الطيب أنه قد استبان له عوارها، ولم يتهم الأخ الطيب في ذلك بصره بل سارع إلي اتهام المؤسسة الاجتماعية التى أفنى فيها غالب جهده وعمره . انا نسأل الله أن يؤجره على ما تقدم منه كل الأجر وأن يثيبه خير الثواب وأن يغفر له ما تفلت به لسانه فلرب حسنه سالفة تمحو سيئة خالفه وله مني الود خالصاً في كل الأحوال.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق