الأحد، 26 يناير 2014

المؤتمر الوطني – نحو أفق جديد 2-4


ذكرنا في المقال السابق أن المؤتمر الوطني قيادة وقاعدة قد شرع في مسار جديد . هدفه المراجعة الشاملة للسياسات وللقيادات، ومقصده هو أعادة الحيوية للحزب . وتأكيد بقائه على مقود القيادة الوطنية وهو يستعد لخوض الانتخابات في العام 2015م . كما يتهيأ للقيام بمبادرات عديدة لإصلاح الحياة السياسية ومراجعة السياسات العامة لتوافي استحقاقات مرحلة جديدة فارقة في تاريخ الوطن إصطلح البعض على اعطائها اسم الجمهورية الثانية.
الإصلاح السياسي :-
        لقد علم الكافة أن لا معنى للعبارات إن لم تكن مدلولاتها مصطلح عليها بين السواد الأعظم من الناس. أما إذا كانت العبارات تُعطى مفاهيم متعددة لقطاعات مختلفة من الناس فهي رطانة لا يفهمها إلا أهلها. والإصلاح السياسي عبارة ترددت كثيراً في الأونة الأخيرة في الساحة السياسية . وفي أوساط جمهور المؤتمر الوطني خاصة، بل إن طائفة من اعضائه ممن أعتزلوا الحزب إلى ناحية خاصة بهم وتهيؤاً لاعلان حزب جديد قد جعلوا الإصلاح عنواناً لحزبهم هذا . وقد سبقتهم في ذلك المنحى طائفة خرجت على حزب الأمة القومي تسمت بالاصلاح والتجديد ثم ما لبثت أن تفرقت أيدي سبأ وآب منهم من آب إلى الامام الذي ناجزوه وإلى الحزب الذي اعتزلوه. ولئن كانت السياسة في بلادنا تعاني من أدواء كثيرة تقتضي التشخيص والمعالجة فإن الخطاب السياسي واللغة السياسية هو أولى تلك الأدواء بالتشخيص والمعالجة. فاللغة السياسية دون كونها تفتقر إلى الدقة في الإشارة إلى مدلولاتها فهي ممتلئة بالتناقضات ومحتشدة بالألفاظ الفظة وبالعواطف الفجة حباً وكراهية. وبالرجعى إلى مصطلح الإصلاح السياسي فهو يحتمل إصلاح  الأنظمة والمؤسسات والسياسات والبرامج . ولكن موضع التركيز ههنا هو أصلاح المناخ السياسي والعلاقات بين الفاعلين في السياسة. ذلك أن اصلاح المناخ السياسي وإصلاح العلاقات بين الفاعلين في السياسة الوطنية توطئة لا يستغنى عنها إلى استكمال إصلاح الأنظمة والمؤسسات والسياسات والبرامج السياسية. والوثيقة التي سوف يصدرها المؤتمر الوطني تجعل ذلك في أول أولويات مقاصدها من الإصلاح السياسي. فالمؤتمر الوطني يدرك أن المناخ السياسي لا يزال معتكراً منذ فترة من الزمان . وذلك لغياب التوافق السياسي حول أصول وقواعد الأداء السياسي بالبلاد . على الرغم من أن الدستور الانتقالي قد جاء نتاجاً لعمل جماعي شارك فيه كل الفاعلين الأهم في الساحة السياسية. وهو لا يزال صالحاً (ربما بعد التوافق بين الفرقاء على بعض التعديلات ) لأن يحكم المرحلة التحضيرية لصنع الدستور ولاجراء الانتخابات لتأسيسية الدستور الجديد. ولاشك أن الجميع إلا قليلاً يدركون توازنات الساحة السياسية التي انقسمت منذ العام 2005 إلى فسطاطين موالي ومناؤى.  فالموالي يشارك في الرؤية السياسية وفي الحكم ، والمناؤي رغم اختلافه على الرؤية السياسية فقد تحالف على انجاز مهمة ازاحة المؤتمر الوطني من الحكم عبر التحالف الإنتخابي أو أية صورة من صور التواطؤ لخلخلة أركان الحكم.  تمهيداً لإقتلاع ابنيته التي توطدت على مدى ربع قرن من الزمان الأمر لم يتح لحكومة غيره في تاريخ السودان بأن ترسخ اختياراتها وأولياءها في مراكز الفعل والتأثير. وهذه القوى التي تحسد الانقاذ على هذه الفرصة التي سنحت لها بفعل تكسر جهود المناوئين والمتواطئين معهم على مدى خمسة وعشرين لزحزحتها .  ولاتزال تنتظر أن تأخذ المؤتمر الوطني وحلفاءه طامة أو تحل قريباً من دارهم  لكي يتسنى لها أن ترى دولة الوطن التي تحلم بها بديلاً عن كابوس الوطني الذي تؤرق مضجعها ليلا وأنبعاثها نهارا. وهؤلاء يأخذون على الوطني سياسة التمكين التي يقول أنه ما عادت له حاجة لها بعد ترسخت اختياراته وصار سواد الناس من نصرائه.
سياسة التمكين:-
        لاشك أن أية حكومة إنما تتشكل من أجهزة تنفيذية تصنع السياسات وأجهزة تشريعية تحول تلك السياسات إلى تشريعات ملزمة بقوة القانون ,وأخرى قضائية تحفظ الحقوق وتدرأ وتفض النزاعات . وجهاز للخدمة العامة بجناحين مدنى هو الخدمة المدنية، وأمني عسكري هو الخدمة النظامية. وكان يقال دائماً أن الخدمة العامة هي الجهاز الذي يحول سياسات الحكومة إلى أفعال . تُقدم من خلالها الخدمات، وتُوفر السلع وتُحمي الحرمات وتُدرأ المخاطر . ولذلك فإن الخدمة العامة لابد لها أن تكون مطواعة للحكومات لاسيما تلك الحكومات التي تجيء بارادة الشعب أو بقبول  منه. ولكن الخدمة العامة في بلادنا وسائر بلدان العالم الثالث لم تكن كذلك لاسباب موضوعية . أولاً لأنها بدأت خدمة وطنية في ظل الاستعمار ونشأ لديها حس المقاومة والمناوأة للنظام الإستعماري . فكانت المطواعية تتناقض مع الحس الوطني بيد أن المستعمر لم تعجزه السيطرة على الخدمة العامة لأسباب عديدة . أولها صغر حجمها آنذاك وثانيها أستغلاله للمنافسة الحادة بين الانداد سبيلاً لتوظيف المطاوع واقعاد المعاند. وبعد الاستقلال جاءت السياسة الوطنية في حالة انقسام حاد سياسياً وطائفياً . وتمظهرت هذه المنافسة السياسية والطائفية انقساماً وتسيساً للخدمة العامة.  حتى أن كبراء الحكم جميعاً جاؤا من تلقاء الخدمة العامة . وكان يسهل تقسيم القيادات المدنية والعسكرية إلى طوائفهم وإلى ميولهم السياسية فعبدالله خليل وأحمد عبدالوهاب لم يخفيان الولاء للانصار وعبود وشنان لم يخف على أحدٍ ميلهما للختمية وكل الوكلاء والقيادات كانت معروفة مشهورة انتماءتهم . وكذلك كانت كل قيادات الجيش والشرطة معلومة الميول . وكان اختلال التوازن في الحكم لصالح أحدى الطائفتين تتمظهر أثاره في الخدمة العامة بصورة مباشرة. وعندما أُسقطت حكومة عبود وجاءت السلطة على غير ميعاد  لليسار أفرغ الخدمة العامة من القيادات القديمة تحت ستار شعار التطهير فأزاح غالب القيادات الطائفية وابدلها بقيادات يسارية بدعوى الثورية . وتأكدت سطوة اليسار من خلال العهد الأول لحكم النميري . وقد حاولت حكومة النميري أن تبعد الخدمة المدنية من الولاء للطائفية أو اليسار أو الأخوان المسلمين . ولكنها لم تعمل على تحقيق ذلك من خلال تحييد الخدمة العامة بل من خلال فرض حزب مايو الاتحاد الإشتراكي على الخدمة العامة . فأنشأت فروع ا لاتحاد الإشتراكي في العمل مما دفع الأحزاب المعارضة ان تنشىء هي الأخرى فروعاً لها في العمل . وهذه كانت تجتهد سراً في أبطال سياسة الحكومة وتعويق عملها من خلال خطة معاكسة لخطة حزب الحكومة . وهكذا تحولت الخدمة المدنية إلى معترك سياسي خفي بين الفرقاء . وتمظهر ذلك في العمل النقابي العلني والسري وفي التخطيط السري لأفشال سياسات الحكومة . واصطناع الأزمات سبيلاً لإضعافها واسقاطها.
        وعندما جاء العهد القصير للتعددية الثالثة عادت الأحزاب بكل عنفوانها لاستدراك ما فاتها من زرع كوادرها في الخدمة العامة . واجتثاث كوادر المناوئيين سواء كان ذلك في الأجهزة النظامية أو الخدمة المدنية  . ويمكن لأي باحث أن يراجع التعيينات والإعفاءات التي صدرت في تلك الفترة القصيرة ليدرك حجم التسارع والتهافت في عملية الأبدال والإحلال التي سلكتها حكومة تلك الفترة، بل أن الخدمة المدنية أصبحت تتخذ موقفاً مناوئاً لأحزاب بعينها أما ممالأة للحكم القائم أو تقية وتحرزاً وخوفاً من عواقب اغضاب أهل الحل والعقد.
        وجاءت الانقاذ فواجهت في أشهرها الأولى ذات السلوك الذي واجهته الحكومة المصرية المنتخبة مؤخراً من تلقاء خدمة مدنية تقودها كوادر سياسية وتحتشد بفروع الأحزاب السياسية المعارضة . وكان للانقاذ ان تواجه ذلك وقد فعلت فكانت حملة إبعاد المناوئين أو احياناً من صّور منافسوهم من أولياء الحكم أنهم من المناؤين. ولاشك أن الحكومة في محاولاتها الباكرة في تمكين الولاء لها قد ارتكبت أخطاءً عديدة لم تكن مقصودة من الحكم القائم . وأن كانت ربما كانت مقصودة بغرض التنافس من بعض الموالين لأهل الحكم من الجدد والقدامى. وقد راجعت الحكومة تلك الأخطاء من بعد بأعلان الاستعداد للمراجعة والتعويض . وعاد بعض من أولئك الذين تضرروا ولايزال الباب لذلك مفتوحاً ويجب أن يكون . فان الظلم لا يزال إلا بجبر الضرروطلب الاعذار . بيد أن القول ان سياسة التمكين هدفت إلى أحلال طائفة بعينها محل كوادر ذات قدرات قول يفتقر إلى البرهان بل أن غالب من ذهبت بهم قوائم الاحلال والإبدال كانوا من الكوادر الناشطة سياسياً والضالعة في المقاومة العلنية أو السرية لسياسات الحكومة. لكنما حديث اليوم مختلف جداً عن حديث البارحة . فحديث اليوم هو البحث عن خطة حقيقية وعملية لتحقيق حياد الخدمة العامة.  ذلك الحياد الذي لم يتحقق في يوم من الأيام . واُحيطت فيه مرادات الحكومات والأحزاب بالمحسوبية والمحاباة الأهلية والقبلية مما حرم الخدمة العامة من الفاعلية المطلوبة لتحويل سياسات الحكومات إلى افعال ناجزة على أرض الواقع .

نواصل ،،،،

المؤتمر الوطنى ...... تخو افق جديد 1-4


هذا مقال مستعاد كتبت غالب معانيه بل وعباراته فى مقالات سابقة فى هذه المدونة السياسية ولاغرو أن تفعل ذلك وأن نستعيد ذات المعانى وأن نكررذات الدعوات . فتكرار المعانى المهمة من نهج القران الكريم ومن هدى السنة المطهرة . وقضية التغيير والاصلاح التى يعكف على أجرائها المؤتمر الوطنى فى الراهن الماثل قضية هى أم القضايا ومفتاح الحلول لكثير من مستعصيات المسائل  و مبهمات الأمور .ان التغيير الضخم الذى أجراه الحزب الحاكم على صعيدى قيادة الدولة والحزب أنما جاء استجابة مستبصرة لحاجة استشعرتها غالب عضوية الحزب . فالحاجة الى توليد القيادات وتجديد السياسات لم تعد مجرد سنة حسنة بل أصبحت حاجة ماسة  بل اضحت  مطلوب الأوان وحاجة الوقت.
التغيير حاجة الوقت
        لئن كان هنالك معنى يتفق عليه الجميع في هذه اللحظة فهو  أنه  قد آن أوان التغيير المفضى لإعادة الحيوية للحزب وللدولة . تتفق على هذا المعنى القيادة في الحزب والدولة . وهو مطلب يتوق إليه السواد الأعظم من اعضاء الحزب وجمهور الموالين للمؤتمر الوطنى ويستشعر الحاجة له المعارضون بل والمناؤون . وهو مطلب الشباب الصاعد في الحركة الإسلامية  والمؤتمر الوطنى ذلك الشباب الذي لم يكتف بالمطالبة بل وأجتهد في بذل المبادرات وتنظيم المفاكرات والمذكرات بشأن ضرورة التغيير. فمطلب التغيير هو شعار الساعة ، ولكن سبيل التغيير الذي يتجاوز النصوص إلى الوقائع ويتجاوز الشكليات إلى المضامين ليس بالسبيل اليسير. فهو يتطلب الشجاعة الفائقة والتضحيات الجسام . ويذكرني  ذلك بملحمة مجاهدة الصقر لإكتساب القوة والحيوية من جديد بعدما يتقدم به العمر فيبلغ من العمر عتياً. والصقور تعيش عشرات السنين بخلاف غالب أمم الطير وقد تبلغ المئين من العمر. ولا عجب أن تتخذ غالب أمم الأرض الصقر رمزاً وطنياً لنضالها . فهو رمز للقوة وللسرعة وللتحليق العالي. وأهم من هذا هو رمز للعزة القعساء فهو لا يقبل أن يعيش ضعيفاً واهناً أبداً. ولذلك إذا ما تقدم العمر بأحد الصقور وبدأ العجز والوهن يدب إلى إظافره ومنقاره وضعف جناحاه أن يحملاه إلى أعلى الأعالي فان الفكرة التي تخاطره ليست آن أوان التقاعد بل هي آن أوان استعادة الحيوية . فاذا صار منقاره القوى الحاد معقوفاً شديد الإنحناء وصارت أظافره تفقد القوة والمرونة وتعجز عن الأمساك بالفرائس فإنه يخضع لعملية استعادة الحيوية والتي تستغرق خمسة أشهر. تبدأ بأن يحلق الصقر إلى قمة جبل عال فيضرب منقاره بالصخر مراراً وتكراراً حتى ينكسر ثم ينتظر أسابيع طويلة حتى ينمو المنقار من جديد.  فيذهب إلى الصخرة مرة أخرى ليكسر أظافره ايضاً . ثم ينتظر حتى تنمو له أظافر جديدة ثم يقوم بنتف ريشه كله مستخدماً منقاره الجديد القوى . ثم ينتظر حتى ينمو له ريش جديد . وبعد هذه المكابدة والمرابطة والصبر وبعد أن ينمو له ريش جديد ينطلق الصقر محلقاً في السماء بمنقار قوى شديد وباظافر حادة قاطعة وبريش يحمله إلى الأعالي فيستعيد القوة والحيوية. وحكاية الصقر مع كراهية العجز الذي كان رسولنا صلى الله عليه وسلم يستعيذ منه في كل حين هي ذات القصة التي يجب أن تستلهمها الحركة الإسلامية في أوانها هذا . فالتغيير الحق لا يحتمل الانكار والمكابرة والتبرير . والتغيير الحق لابد أن يستصحب المعاناة والصبر والمثابرة. التغيير الحق هو الذي يستبدل المنقار القديم بمنقار جديد والأظافر الواهية بالأظافر العاتية والريش الملتصق بالريش المنتفش. وهذا لا يعني الإحلال والأبدال فحسب بل يعني أولاً بعث الحيوية في جسد التنظيم جميعاً شيوخه وشبابه . وبقاء الحزب وإستمراره بأجياله جميعاً حية ناشطة فاعلة، ولكنه أيضاً يعني توليد القيادات الجديدة وتمكينها وتصعيدها . وذلك  كان هو مطلب شباب الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطنى بل الأجيال من الشباب السودانى المستشرف للنهضة وللتقدم وهو مطلب لا يُعلى الشباب إلى مواقع المسؤولية فحسب بل يعيد القوة والحيوية للدولة باجمعها . ولذلك كان الاجماع على ضرورة التغيير ، ولابد من الاحماع على  وجهته ووسائله ليعود التنظيم الحزبى كالبنيان المرصوص في وجه جميع التحديات لا يضره من خذل ولا من توانى .
ما هو مطلوب الاصلاح :
        أول مطلوبات الاصلاح هو التمكين الكامل للقواعد . والتفعيل الشامل لدور القواعد الحزبية  والقطاعات الطلابية والشبابية والنسوية والمهنية. وأول مطلوبات ذلك التمكين والتفعيل هو إعادة تأسيس تلك الوحدات القاعدية على أسس ديمقراطية لا ريب فيها. وهذاما ينبغى أن تشرع فيه لجنة  أعادة بناء الحزب الذى التئام أول اجتماعاتها ليلة أمس وعليها  التأكد من امضاء ارادة الاعضاء دوت تدخل أو تأثير على ارادتهم الحرة. فلابد للقيادة على ذلك المستوى القاعدي أن تحظى بالقبول من الغالبية إن لم يكن من جميع اعضاء الوحدة الأساس. ذلك لأن الوحدة الأساس في الحى أو القطاع  ليست محلاً لتصعيد الأعضاء للمؤتمرات الأعلى فحسب بل هي ميدان العمل الأساس للحزب المقبل على تحدى الانتخابات  . ولذلك لابد من إصدار لائحة تنظيمية لترتيب عمل الوحدات الأساس لتكون هي الخلية الحية الناشطة الفاعلة في الجسد التنظيمى. فلئن كان كل جسد يتجدد بتجديد خلاياه فإن على الحزب أن يعطي الإنتباه الأعظم لتجديد وحدات عمله الأساس. فوحدات الأساس هي الريش الذي يرتفع بالجسد التنظيمى ويحلق به إلى أعلى الأعالي.
القيادة الطبيعية والقيادة المصنوعة:
        يشتكي الشباب وكثير من القطاعات من تجاهل النظام الأساس السابق لمسألة انتخاب القيادات العليا لهذه القطاعات . وأن العرف المستقر هو أن يتم إختيارها بواسطة الأمناء الأعضاء بالمكتب القيادي . ورغم أن هؤلاء الأمناء ينتخبون من مجلس الشورى فإن القطاعات تفضل أن تنتخب أمناءها ثم يصبحون بحكم مواقعهم أعضاء في المكتب القيادي. وهذا مطلب معقول فأفضل الخيارات هو ما يُعلى من درجة مقبولية القواعد لمن يمثلها. وهذا الأسلوب سيرفع درجة الرضا عن ممثلي القطاعات في المستويات القيادية . لذلك لزم مراجعة بنود النظام الاساس  الجديد أن لم تكن قد تطرقت لهذا الأمر لكي تفسح السبيل أمام قواعد الجامعات لإختيار أمنائها وأمام قواعد القطاعات لإختيار رؤسائها ثم يكونون من بعد أعضاء في المستويات الأعلى بمشروعية الأختيار من قواعدهم المباشرة لا بالإنتخاب من هيئة  الشورى أو المكتب القيادى. ويمكن ان يكون لهيئة  الشورى حق الاعتماد لتكون له المسؤولية عن كل من يصعد بتفويض منه للمكتب القيادي. ان الوثيقة التى أجازتها اجتماعات المكتب القيادى وثيقة غير مسبوقة فى العمل الحزبى وكانت لجان مفوضة من المكتب القيادى عكفت منذ يوليو2013على انجاز هه الوثيقة بشقيها المتعلق باعادة بناء الحزب والآخر المتضل باصلاح سياسات الدولة. والفسم الاول رسم معالم الانتفاضة داخل أنظمة الحزب استعادة للحيوية وللمبادرة السياسية واستعدادا غير مبكر للانتخابات العامة 2015 .

وظائف الحزب بعد اعادة البناء :
        لابد للحزب من تحديد مهمته الرئيسة في المرحلة المقبلة ومهامه الأخرى المتصلة بالمحور الرئيس لعمله ،  ولابد لها من تحديد الأدوار للقيادات والقواعد وللقطاعات والمكاتب  والوحدات التنظيمية. ولابد من وضوح الرؤية لكل المستويات وجلاء الفكرة  والبرامج لجميع الأعضاء والعضوات. ولا خلاف فيما أعلم حول أن أن الوظيفة الرئيسة هي استنهاض المجتمع لتطوير وعيه بالعقيدة والدعوة والفكر والثقافة وبالتوعية والتغبئة السياسية . وتمتين بنائه بالتضامن والتكافل وتعظيم عطائه بالعمل الصالح المثابر في كل المجالات التي تُعلى من شأن الأمة والوطن. ان شعار المرحلة المقبلة ينبغي أن يكون شعار "تمكين المجتمع" . وليس من سبيل إلى تمكين المجتمع بغير تطوير معارفه عبر التعليم والاعلام والدعوة والأفكار المتجددة والثقافة المترقية والفنون المبتكرة الرسالية. ولا سبيل إلى تمكين المجتمع دون محاربة الضعف والعجز والكسل بمحاربة الفقر حرباً لا هوادة فيها . ومحاربة البطالة ورفع القدرات وتعزيز الحرفية والمهنية في كل أداء يؤدي أو عمل صالح نافع. ومهمة الحزب لا تنتهي عند تفعيل عضويته وتعبئتها لتنهض بمهامها ولكنها تتعدى ذلك إلى الهام الحكومة بالتوجهات الكلية وأولويات السياسات والإختيارات . وبخاصة في مجالات التعليم والاعلام والثقافة والتخطيط الاجتماعى . ومجالات تمكين المرأة والشباب واصلاح الاقتصاد وتوسيع التشغيل ومحاربة البطالة . وأصلاح أنظمة المصارف ومحاربة التهميش التمويلي للفقراء . ومجالات إعداد القوة والمكنة للدفاع عن سيادة البلاد واستقلال قرارها الوطني . واحياء روح الجهاد في ابنائها لأن عزة الأمة من عزة أبنائها. وكذلك في مجالات تنظيم الحياة الدستورية بما يحقق سيادة الشعب ويعليها فوق كل سلطة وكل طائفة وكل تدخل أجنبي.وبتحقيق الوئام الوطنى وتوسيع  أفاق الحريات المدنية والسياسية . وتحقيق المساواة بين المواطنين بلا تفرقة بسبب العرق أو الجهة أو الدين أو المذهب أو الجنس أو النوع أو الفئة العمرية . فالمساواة والحرية هما وحدهما هما صمام الأمان لتأكيد توحد الشعب . لتتوحد أرادته فيقف حائط صد أمام كل تحدي وكل عدوان . وليتحرك في تشكيل واحد منتظم لتحقيق آماله في الرفعة والتقدم. ولانجاز ذلك كله فلابد من انفاذ السياسات الحديدة والمتجددة التى أجازها المكتب القيادى على ضؤ توصيات هيئة الشورى.تلك الحزمة من السياسات التى سيعلنها السيد ريئس الجمهورية قبل اكمالنا هذا المفال فى الاسبوع المقبل باذن الله . 


                                     نواصل

الأحد، 16 يونيو 2013

نحن والديموقراطية حوار أهل السمع والبصر 6

الديمقراطية كونها مفردة معربة وتجربة ذات علاقة وشيجة بتجارب الحكم في العالم الغربي لا ينفي أن قيمها وربما بعض اعرافها ومؤسساتها معروفة معهودة في تجاربنا الحضارية الماضية والماثلة. ونسخة الديمقراطية الأوفق لنا هي تلك النسخة التي تحمل أكبر قدر من هذه القيم الحضارية المعهودة لدينا، وتلك المؤسسات التي عرفنا محاسنها ونقائصها . فليس ثمة شيء أدعى لضمان أستمرارية ممارسة ما مثل ارتباطها بالتجربة المتصلة حضارياً والمستمدة من جذور الثقافة والممارسات المتعارف عليها بين اهلها. ولأن مفهوم الاستدامة مفهوم متصل بالثقافة والبيئة فقد أصبح من المستقر في التجربة المعاصرة أن يكون للديمقراطية نسخ متعددة لتوائم مفهوم النسبية الثقافية وتعدد البيئات والظروف والأحوال الإجتماعية والاقتصادية.
ديمقراطية أهل السودان:
        وكان ينبغي لديمقراطية أهل السودان أن تشبه أهل السودان . وأن تلائم وتوائم عقيدتهم وثقافتهم وعرفهم بل وأمزجتهم . فهي تكون بذلك أكبر قابلية للإستمرار. ولكننا أغرمنا بنقل تجارب الآخرين بما لها وما عليها، وسواء انسجمت مع أفكارنا واعرافنا ومزاجنا العام أم اختلفت، ولذلك لم تُكتب الاستدامة لتجاربنا السياسية والدستورية. وما لم نتوافق على نظام سياسي يراعى الخصوصية والعبقرية السودانية بل يحتاط للنقائص والعيوب السودانية في التفكير والمزاج العام فلن تمكث الديمقراطية بيننا الا قليلا. وديمقراطية أهل السودان ينبغي أن تكون لعموم أهل السودان لا للخاصة دون العامة . ولا للصفوة دون سائر الناس بل أنها لن تكون مستحقة لأسمها ووصفها ما لم تشابه العامة من الناس . وأن تستلهم حكمتهم وتجربتهم الحضارية الممتدة عبر القرون والأجيال. وديمقراطية أهل السودان يتوجب ان تكون ديمقراطية شعبية Popular Democracy  . وأعني بمفردة شعبية أن ترتقي القيادات من أسفل إلى أعلى . وأن تبتدر السياسات والاتجاهات من أسفل إلى أعلى. ولن يكون ذلك إلا بالتركيز على فكرة ديمقراطية القاعدة من خلال نظام للجان الشعبية . والشورى الشعبية التي تصف الأحوال وتؤمىء للمعالجات وتترك الصياغة الفنية للسياسات للفنيين والخبراء من بعد. كذلك ينبغي أن تُؤسس الأحزاب على أساس الأحزاب الشعبية فلا يُسمح لحزب بالدخول إلى المعترك الإنتخابي ما لم يؤسس حضوراً شعبياً مقدراً . سواء على مستوى الولاية أو المستوى الأتحادي. ولا يعني ذلك منع الأحزاب وجماعات الرأي من الحضور في الساحة السياسية والتعبير عن رؤاها وأفكارها . فلن تتجدد الحياة السياسية ما لم يسمح للأحزاب الجديدة والأفكار الجديدة بالنشؤ والتوسع . ولكن السماح بالممارسة السياسية شيء والسماح بادعاء تمثيل الشعب شيء آخر . ولذلك فإن أفضل أشكال الانتخابات هي الانتخاب بالقوائم النسبية بنسبة مائة بالمائة على أن تكن نسبة الاستحقاق للتمثيل البرلماني عالية كالشأن المعمول به في تركيا حيث تبلغ تلك النسبة 10% . ولذلك فأن من يوجد بالبرلمان يمثل كتلة شعبية حقيقية وليس مجرد لافتات متعددة وأصوات مرتفعة وضجة مفتعلة.
ديمقراطية سيادة القانون:
        وديمقراطية أهل السودان ينبغي أن تكون ديمقراطية سيادة حكم القانون وذلك بالتوسع في التشريع أنطلاقاً من الشريعة الإسلامية والأعراف المعروفة المستقرة بين أهل السودان . والتوسع في التشريع هو الأسلوب الأمثل لترسيخ الثقافة الحقوقية التي تعاني ضعفاً ظاهراً في تجاربنا في السودان. والثقافة الحقوقية تعني ترقية احساس المواطن بالاحساس بالواجب . والعزم على عدم التنازل عن حقوقه إذ تستلب أو كرامته ان تهان . لقد ترقى هذا الاحساس لدى بعض الأمم حتى أن المواطن يذهب ليبلغ عن تجاوزه لقانون المرور مثلاً وإن لم يره أحد أو تصوره آلة فيدفع الغرم الذي عليه راضياً عن نفسه. وهذا المواطن نفسه هو الذي لا يقبل من أهل السياسة أو أهل الخدمة العامة ان يستهينوا بحقوقه ولا يتردد أو يعجز عن المطالبة بها بكل سبيل ممكن. ونحن  إذ نتحدث اليوم عن صناعة الدستور يتوجب علينا ان نعلم أن أهم أبواب هذا الدستور هو باب الحقوق والواجبات والحرمات . تلك التي يجب أن تفصل تفصيلاً دقيقاً . وأن تًوصف آليات تحقيقها على أرض الواقع . وكيفيات تحصينها وصيانتها في مواجهة كل متجاوز أو متنفذ أو متسلط. والتدقيق في هذا الأمر غاية في الأهمية فنحن نعلم أن التجاوز فطرة في الإنسان لم يؤدب نفسه بآداب الدين والخلائق الكريمة . وما لم تحول الحوائل دون تجاوزه وطغيانه "إن الانسان ليطغى ، إن رآه استغنى" فالزيادة في المال مظنة الطغيان والزيادة في السطان مظنة الطغيان. ولذلك فلابد من آليات حقيقية تمنع أن يكون المال دائراً دولة بين حفنة من الأغنياء المحتكرين أو ان تكون السلطة دولة بين ثلة قليلة أو صفوة مترفعة عن سائر الناس. ولتحقيق مبدأ حماية الحقوق والحرمات فلابد من نظام دقيق يمنع طغيان أيما سلطة من سلطات الحكم . وذلك من خلال نظام دقيق للتكابح فكل سلطة تكون متميزة وقادرة على كبح تجاوز السلطات الأخرى . وان لا يُمكن فرد واحد بتقديره الشخصي أن يقضي في أمر تعم به البلوى على الناس. وكذلك لابد من آليات فاعلة تمنع تجاوز أصحاب الصلاحيات الإدارية والمالية أو الأمنية وتراقب قصورهم . فإن كان لابد للسلطات الأعلى من كابح يكبح طغيانها فإن أيما تصرف في شأن الناس لابد للمخول به من كابحٍ يكبح تجاوزه وطغيانه . وما أكثر هؤلاء المتجاوزين على استحقاق المواطنين في الخدمة الجيدة أو المعاملة الكريمة اللائقة للمواطن العادي الذي هو الدافع من خلال الضريبة أجور هؤلاء المتعجرفين وامتيازاتهم جميعاً. فالديمقراطية الحقة هي تلك التي ترد الحق لصاحبه . وصاحب الحق هو المواطن العادي فتمكينه بالقانون وبالوسائل والآليات من نيل تلك الحقوق هو المعيار الذي يقاس به نجاح الديمقراطية . وحظها من الرضا العام وحظها بالتالي من القابلية على الإستمرار.

أنتهى ،،،،

الخميس، 6 يونيو 2013

التفكير العاطفي..آفة السياسة الكبرى(5)

جوهر السياسة هو التدبير ولا يكون تدبير الا بتفكر وتدبر ثم نقل هذه الافكار الى الآخرين عبر توصيف أدوار محددة لتتحول الفكرة الى مشروع  و الى عمل له نتائج تفضي الى تحسين الوضع قيد المعالجة.   والتعريف   الأدق للسياسة كما تقول القاعدة الفقهية المستقرة (أن التصرف بالسياسة منوط بالمصلحة ) فالمصلحة وتحقيقها من خلال جلب منفعة  أو درء مفسدة هو ما يعطي السياسة شرعيتها . أما اذا تحولت السياسة الى استحسان شخصي أو تشهى او تلهي لصاحب أمرها فإنها سياسة باطلة والباطل مردود على أهله في كل حال. ولا يكون جلب المنافع ودرء المفاسد  الا ناتجاً عن فكرة سديدة وهمة عتيدة  لا ترضى بالكسل الفكري ولا بالفشل والعجز عن مواصلة الكدح الي المقاصد المرغوبة.
الفكر والخطاب السياسي ..... والاستمالات العاطفية 
الخطاب السياسي مرحلة لاحقة للتفكير السياسي . و هو توصيل الأفكار للآخرين للانفعال بها والتفاعل معها ومن ثم التحرك لتنزيلها على واقع ما لتحسينه وترقيته بدرء المفاسد غير المرغوبه وجلب المنافع المرغوبة . وقد يستطيع المرء أن يتعرف على رصانة الفكر السياسي من خلال رصانة الخطاب السياسي. ولذلك كم يسهل علينا ان نستنتج فجاجة الفكر السياسي وسطحية تعاطيه مع المسائل من خلال ما تحتشد به الساحة من كلام السياسه وخطابها العام. وهم أهل السياسة الأول هو درء المقاومة والممانعة لمرادتهم اياً كانت  . وجلب الموافقة والتأييد لاتجاهاتهم ومشروعاتهم. وهو أمر مطلوب مشروع لو أن هذه المطلوبات والمرادات السياسية منوطه بالمصلحة العامة لا بالمصلحة الشخصية أو المصلحة الحزبية. وللوصول الى تحقيق المصالح والمنافع طريق واحد هو بذل الوسع في النظر الموضوعي المتجرد لتحرى وجه النفع والضرر في كل مسألة. ويمكن البدء بالتساؤل عن كيفية طرح المسائل أمام النظر السياسي. فهي إما حاجة معلومة يُسعى الى تلبيتها أو مشكلة منظورة يُسعى الى حلها . وهذا هو الشأن في المعتاد من الأمور . ولكن الى جانب ذلك هنالك النوازل والجوائح والطوارق التي تطرق على غير ترقب وتجئ من غير انذار . وهذا الضرب الأخير هو الذي يكثر في أوضاع عدم الاستقرار.  فيكون هو الشاغل لغالب الهم وغالب التفكير . ولربما يكون هو الصارف عن معالجة المعتاد من الأمور والمسائل فيغلب فكر معالجة الأزمات على التخطيط البعيد للواقع المعتاد.
وفي كل الاحوال الطارئة والمعتادة فإن الحاجة تمس الي التباعد عن الجزع والفزع والتعرف المتعجل الهلوع (( واذا جاءهم أمر من الأمن اوالخوف أذاعو به ولو ردوه الى الرسول وإلي أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)) النساء (83)   والاستنباط هو معرفة الشئ من أصوله وهذا هو الأمر القمين الحري بأولي الأمر. وهو أن لا تستخفهم النوازل بالجزع ولا الانجازات بالفرح . وأنما يضعون كل مسأله موضعها ويدبرون لكل حال تدبيره. وأول ذلك عند النظر في كل أمر تعم به البلوى أو الفائدة هو ذكر الله لقمع هوي النفس وميلها لما تحب ونفورها عن ما تكره . ومهما بدا هذا الأمر غير  يسير لكنه العسير الذى الذى لا يُستغني عنه . فلن يتيسر الفهم الصحيح للنازلة أو المسألة ما لم يكون المبتدأ من قمع غطرسة النفس وعجرفتها  وادعائها الاستحواذ على الحكمة والنظر السديد .
فما لم يشك المرء في قدرته على التوصل لوجه الحق والصواب من كل مسألة فإنه يفوت على نفسه سانحه مواتية وفرصة غالية للتوصل في الصواب الذي به تجلب المصالح وتدرأ المفاسد. والصواب كما ذكر ((دي بونو)) له وجوه عديده فهنالك الصواب العاطفي وهو الفخ الذي يسقط في شراكه غالب اهل السياسة ونعنى بالصواب مطابقة التفكير للواقع وهذه التشابه يمكن أن يكون لميل النفس ولهواها وهو الصواب العاطفي ويمكن ان يكون نتيجه اتساق المقدمات والنتائج فيكون صواباً منطقيا ويمكن أن يكون بعد الفحص والنظر في البدائل الأمر المطروح العملى والملائم الوحيد فيكون صواباً فريدا والصواب يمكن أن يكون صوابا من خلال المقارنه والتمييز ويكتسب ذلك  بالمعرفه والألفه والخبرة مثلما يتعرف الطبيب على الأمراض من خلال أعراضها المتميزة عن أعراض أمراض أخرى.
وهذا النوع الرابع من الصواب مزلقه الأكبر هو الاغترار بالمعرفة او الخبرة ذلك لأن الشخص الذى يشعر بالثقة الزائدة في حكمه لن يبذل غاية الوسع في التقصي  والجمع المزيد من السمات والمميزات التي تؤكد له ما توصل اليه من نتيجه. ولا شك أن الفهم السديد يقتضي الاستعانة بكل القدرات العاطفية التي تعين على جمع الهم والتركيز والقدرات المنطقية التي ترفض التعارض والتناقض وتتحرى الانسجام والاتساق للأفكار والقدرات التي تستقصي كل البدائل الممكنة لتنتقي أكثرها ملائمه ونفعا والقدرات والخبرات التي تعين على التمييز الدقيق للظروف والموافقات والقدرة على التفريق بين الأمور المشتبهات شكلاً المختلفات فعلاًوأثراً.
لا شك أن حظ أهل السياسة في زمننا هذا من ذلك كله قليل . ثم أنهم يعيشون حالة أنكار فيزعمون أنهم أهل الفكر السديد والتدبير الرشيد من خلال التمشدق باطروحات إيدولوجية ورؤى فكريه يزعمون أنها هي التشخيص الدقيق لادواء المجتمع . وهي العلاج الناجع لتلكم الادواء والتوازل. ومما لا شك فيه أن الحديث عن الفكر في سياق السياسة قد تعاظم في العقود الأخيرة . وتداخلت الفلسفه مع الخطاب السياسي العمومي . وحدث ذلك بأكثر مما كان مألوفا في الماضي . بيد أن الفكر والفلسفه دخلا علي السياسة لا وسيله للتحليل والتشخيص ولا ذريعه لاجتراح الحلول العملية الناجزة ، بل أداة من أدوات تزيين الخطاب فصار لا يعدو كونه استمالة عاطفية لجذب استحسان الجمهور مثلما تجذب الحسناء الأنظار بتبرجها ومجوهراتها. نقول ذلك وندرك الحاجة لاستثناء حالات قليله أضطلع  فيها الفكر بدوره في توجبه السياسه الى سبيلها الرشيد القويم. ويمكن أن ندرك ضآلة أثر التفكير  في هداية السياسة أذا أحطنا علماً بالدور الكبير الذي أطلع به الفكر الأداري والتنظيمي في ترشيد وترقية القدرات المؤسسية والفردية على الصعيد الأداري . ومما يثير العجب أن عدداً غير قليل من أهل السياسة قد أكتسب قدرات مقدرة في المجالات التنظيميه والادارية من خلال العمل في المؤسسات المختلفه ولكن عندما ينتقل اولئكم الى معاقد القيادة السياسية فإن ثقافة التطفيف الفكري تكون هي الأمر المعتاد المعتمد لديهم. ولرب سائل يسأل عن سبب ذلك ولعل الاجابه سهلة ويسيرة . وهي أن الشأن الغالب في السياسة في عالمنا الراهن هو مخادعة جمهور الناس ومداهنتهم لاستدامة المسايرة منهم واجتناب المغايرة والممانعة والمقاومة. ولذلك صار الأفكار المزجاة السهلة هي بضاعة أهل السياسة . وصار الخطاب السياسي مثل كعكة الزبيب كما يقول دي بونو.  تلك الكعكة التي يكون الخبز فيها هو اللحمة التي تصل بين حبات الزبيب حلوة الطعم والمذاق. فالأمر المطلوب ليس هو الوصول الى استحسان الجمهور لما يطرح عليه بل هو فهم ما يطرح عليه والانفعال به والتفاعل به لتغيير ما بالحال نحو أوضاع أحسن وأفضل.


نواصـــــــــــــــــــــــــــــــــل،،،

الثلاثاء، 21 مايو 2013

نحن والديمقراطية حوار أهل السمع والبصر3



لماذا فشل المجتمع المدني في السودان في تجسيد إرادته العامة في نظامه السياسي؟ لماذا يحدث ذلك رغم المفارقة البارزة في كون أن درجة الاهتمام بالشأن السياسي في السودان تفوق مثيلاتها في جواره العربي والإفريقي؟ لماذا يفشل مجتمع مدني متحضر مفعم بالنشاط عن تأسيس نظام سياسي ينال الرضا من غالب إفراده؟ هذه بعض الأسئلة التي ربما مقاربة الإجابة عن بعضها قد يلقى شعاعاً من الضوء يعين علي الفهم وربما يدفع للتحرك في الاتجاه الصحيح.
ما هو النظام السياسي؟
لعلنا قد أجبنا  ببعض الإجابات الضمنية فيما تقدم من قول . ومن ذلك أن النظام السياسي هو تلك الشبكة من العلاقات البينية والتراتبية التي تستند إلي السلطة وتعمل على تقسيمها وترتيبها في المجتمع بغرض إدارة الموارد العامة وتحصيل المصالح وتحقيق الأمن والسلامة ودرء وفض النزاعات في المجتمع. والنظام السياسي يصف السلوك والأدوار المرغوبة وغير المرغوبة من الإفراد والجماعات والمؤسسات . ويقنن ذلك في شكل أعراف أو تشريعات . وهو بالضرورة لابد له أن يؤسس مؤسسات اجتماعية وهيكلية للتعبير عن قيمة ومقاصده . ولإصدار القرارات المنظمة للمرور السياسي . وهذه إما منظمات مجتمع مدني مثل الأحزاب وجماعات المصالح والعمل الطوعي أو مؤسسات دولة مثل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية . وكلمة نظام كيفما استعملت فهي كلمة تصف أو تؤسس الأوضاع القياسية فيما يجب أن يفعل أو يترك. وعندما نتحدث عن النظام السياسي يكون الحديث عن منظومة لا عن منظمات أو مؤسسات منثورة تتواجد علي صعيد واحد ولكنها عاجزة عن التواصل أو التفاعل بما ينشئ وضعاً اعتبارياً جديداً . يكون فيه كل جزء بعضاً من كل . فالنظام الحزبي علي سبيل المثال ليس عدداً من الأحزاب علي صعيد واحد بل هو في الأساس جمعية متكونة من أحزاب متعددة . تتصرف أحيانا بالروح الجمعية وأحيانا تتعدد استجابتها للقضايا قيد النظر أو التفاعل أو التنافس أو النزاع. والكلمة الانجليزية التي أعطيت للنظام الحزبي أفضل تعريفاً وتوصيفاً للمطلوب منه . وهي كلمة pluralism  وتعني الجمعية . والجمع لا يكون إلا لأعداد  اجتمعت فإذا وقفت فرادي قلت قيمها العددية . وإذا تراصت إلي جانب بعضها البعض عظُمت القيمة والفائدة منها . ولكن المعرب السياسي اختار أن يستخدم كلمة تعددية لوصف النظام الحزبي  . واختار بذلك القيمة الأدني ووأختار الفصل دون الوصل والشتات بديلاً للاجتماع. فالنظام الحزبي في بلادنا قائم علي فكرة الافتراق علي فكرة الاجتماع. ولذلك فالاحزاب تحرص اكثر الحرص علي ابراز المفارقات اكثر من حرصها علي ابداء الموافقات . والتوافق الحزبي لفظة لا تقترن الا بالازمات . وتستخدم حينها لتهدئة الخواطر لا لتطوير بدائل وفاقية لمواجهة الاوضاع المتأزمة. وهنالك خلط مريع بين معني التوافق والتحالف. فالوفاق يفهم وكانه ائتلاف بين القوي الحزبية للحكم . وليس لتحقبق التقاء للوصول الي حلول للقضايا الشائكة. والحال مع منظمات المجتمع المدني الاخري سواء اكانت جماعات مصالح او جماعات عمل طوعي ليس بافضل من هذا الحال . فهي اما ان تستظل بمظلة القوي السياسية او تنحو نحوها . و فكرة التشبيك التي أصبحت هي شعار العمل الطوعي او عمل منظمات الضغط غائبة عن الثقافة التنظيمية . فان حضرت فلا تكون إلا صورة شكلية لا يُعبر عنها في الرؤي ولا اقتسام الموارد ولا تحديد الادوار بله عن القيادة الفاعلة الموحدة. ثم أن هذه الانظمة المقسمة منذ الانشاء تخضع لتقسيمات جديدة متكاثرة بسبب التحيزات الجهوية والقبلية والفئوية . فيقسم المقسم اصلاً ويجزءاً المجزأ . وأنظر الي حال الاحزاب السياسية من داخلها. هل تري اجتماعاً علي رؤية او اتفاقاً علي مقصد او قبولاً بزعامة إلا ان يكون تسليماً لطائفة. وانظر الي اسباب الخلاف والنزاع وبؤره وكيفية ادارته فستعلم حينئذ أن نظامنا السياسي معلول حتي نخاعه الغظمي ....فماالعمل؟
الثقافة السياسية هي السبب
إن علة النظام السياسي في السودان او علة عدم القدرة علي انشائه علة ثقافية بادئ الرأي. وقد أشرنا الي فقر الثقافة الحقوقية في المجتمع السوداني . وهذا أمر يدعو للعجب في مجتمع يتحلي افراده بحساسية عالية تجاه الكبرياء والكرامة الشخصية. وهذه الخصلة خصلة الكبرياء الذي يتجاوز المعدل يمكن ان تكون أحدي المناقب التي تدفع النهضة السريعة والتقدم . لأنها ستكون من أقوى محفزات استفراغ الوسع في ترفيع شأن الذات . ولكنها يمكن أن تكون من الوجهة الأخرى واحدة من منقصات المسعي المتسارع الي التقدم والرقي الاجتماعي. والكبرياء الزائدة رغم أنها قد تحفز صاحبها للتعلم السريع بصورة ذاتية الا أنها تقلل من قدرته على التعلم من الآخرين .  ذلك ان هاجس الكبرياء يقول له من هذا حتي يتسنم هذا المقام العالي, مقام الاعنراف له بالتفوق . فالاعتراف للآخرين بالتفوق العلمي او بالبراعة والمهارة أمرُُ يشق علي المرء شديد الكبرياء. وكما يتمظهر ذلك في مسألة تلقى العلم يبرز ايضاً في قبول سلطة الآخرين . وعدم قبول مبدأ التراتبية في السلطة معوق رئيس دون بناء أية مؤسسة فاعلة في المجتمع او الدولة. والكبرياء الزائد يتجه بالضرورة الي غمط الناس أشياءهم . ولذلك يشق علي بعض الناس الاعتراف بفضل الآخرين فضلاً يترتيب عليه التسليم لهم بسلطان او نفوذ. أن المجتمع السياسي لن يتطور مالم يكن الاعتراف بالقانون ويمن ينفذ القانون من أول أولياته وأعلي أولوياته. وتشريع القوانين وتنفيذها يقتضي وجود مجتمع مدني يؤمن بالتراتبية وبوجوب التسليم لسلطة القانون . ولمن أعطي سلطان تنفيذه . ومجتمعنا يعاني مشكلة شائكة في هذا المطلوب. فالقانون نفسه ظل موضعا للنزاع في أصول اشتتراعة . ومؤسساته التشريعية والتنفيذية ظلت هي الأخري موضع التجاذب والتخاصم . ولذلك فان مسألة الشرعية تقع في مركز المحور من بناء النظام السياسي. ونعني بلفظة  الشرعية اولاً الاتفاق علي اصول الاشتراع أي علي مرجعيات استنباط الشرائع والقوانين. ولا شك ان الشريعة الدينية والاعراف الاجتماعية هي اصول الاشتتراع في كل انحاء الدنيا حتي في تلك البلاد التي تزعم انها علمانية تفصل بين الدين والسياسة . ولكن الدين متلبس بالثقافة ولا يمكن ان تفصل بين الثقافة والسياسة إلا اذا تصور البعض إمكانية الفصل بين الانسان وجلده. فالثقافة متمكنة في اعتقادات المجتمع وامتثالاته وتصرفاته . وما السياسة الا جلب المنافع التي تراها ثقافة المجتمع منفعه ودرء المفاسد التي تراها ثقافة المجتمع مفسده . سواء اكانت تلك المصالح والمفاسد مادية او معنوية. وفي بلادنا ظلت قضية المرجعية عالقة بين القوي السياسية . رغم ان غالب الاحزاب الاكبر تزعم انها تسلم بان الشريعة الاسلامية والعرف المعروف بين اهل السودان هي المرجعيات . ولكن لأن الاصل لديها هو ابراز المختلف عليه واخفاء المؤتلف حوله فقد ظلت قضية المرجعية التشريعية موضعاً للخلاف حتي بين الاحزاب التي تنادي بالصحوة الاسلامية والجمهورية الاسلامية والشريعية الاسلامية . ومرجع ذلك الي ضعف الاتصال والحوار الفكري بين فرقاء السياسة . فقلما يجتمع هؤلاء في منابر الحوار والتفكير الجماعي هذا ان وجد وجوه القوم وقتاً لشئون التفكير او شجونه . ومسألة الشريعة لها وجه آخر غير شرعية الاستنباط وهو شرعية الاختيار . فمن يقرر أن ها الأمر شرعي او إسلامي او مقبول او غير مقبول. هل هى بيوتات طائفية او نخب علمية شرعية او جماعات اسلامية ناشطة او تجمعات قومية او يسارية او مثل هذا او غير هذا. لا تزال قضية الشرعية قائمة . لأنه يشق علي الجميع التسليم بسلطة الشعب العلمية . فالمثقفون والمتعلمون والزعامات الدينية والنخب العلمية لا تري أن الخيار يجب أن يترك للشعب ليحدد ما هو الإسلامي وغير الإسلامي . وما هو المقبول لديه وغير المقبول في أوساطه. ولئن كان الدين والشرع قد سلم بالشرعية العلمية للشعب في مبادئ الإجماع والعرف فكيف لا يسلم بذلك من يزعمون انهم مهتدون بهداه؟ ونعني بالشرعية العلمية للشعب تحكيم العرف المعروف في التحسين والتقبيح والتخطئة والتصحيح . وسوف يسارع البعض للزعم أن التسليم بذلك يعني اعلاء شرعية العامة والدهماء العلمية علي شرعية العلماء والخبراء والفقهاء وليس هذا بصحيح. فعامة الناس أحكم من ذلك بكثير . ولذلك فقد ظلت الأعراف تهتدي بعلوم العلماء وخبرات الخبراء ولكنها تثبت ما تراه صادراً عن ثقة مؤتمن وتراه جالباً للخير والنفع والصلاح . وتترك جانباً ما تراه بخلاف ذلك . وقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم في هذا المعني "ما رآه المؤمنون حسناً فهو عند الله حسن" . أن الاسلام الذي تختلف عليه رجال الاحزاب لا تختلف علي جوهرة ولا أصوله ولا محكمات احكامه عامة الناس.  ولذلك فان شرعية الاختيار هي لعامة الناس . والاجماع الذي يُعتد به هو اجماعهم . والعرف الذي يُعمل هو عرفهم . وهم علي شروطهم كما قال رسول الله صلي الله عليه وسلم "إلا شرطاً احل جراماً أو حرم حلالاً".

نواصــــــــــــــــل

نحن والديمقراطية حوار أهل السمع والبصر 4



عندما شق مفهوم "القابلية للاستمرار Sustainability طريقه بقوة في وسط نظريات الحداثة أعتبر فتحاً فكرياً فلسفياً لا نظير له. وما لبثت اللفظة أن تحولت إلى مفهوم راسخ غير قابل للتخطي عند الحديث عن ابتدار خطط أو تنفيذ مشروعات تنموية. ولكن المصطلح أمضى زماناً متطاولاً في إطار المفاهيم الاقتصادية التنموية قبل أن يشق طريقه من التنمية الاقتصادية إلى التنمية السياسية .ومن ثم  أصبح عامل القابلية للإستمرار سواء أطلق عليه البعض Sustainability   أو Durability واحداً من أهم عوامل نجاح المؤسسات السياسية مثلما هو عامل في نجاح المشروعات الاقتصادية. والمصطلح عريق النسب بمفهوم الثقافة ببعديها المادي والمعنوي . وهذا ما يجعل حديثنا موصولاً مع آخره في المقال السابق عندما تحدثنا أن اشكالات الديمقراطية ومشكلاتها في المجتمع السوداني مردها إلى حالة عدم توافق كامل مع الثقافة السائدة.
مفهوم الاستدامة:
        ويُعني بمفهوم الاستدامة مواءمة المشروعات والمؤسسات مع معطيات المجتمع والبيئة . بحيث تكون قادرة على الاستمرار وتلبية احتياجات الحاضر دون التأثير على قدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها من ذات المصادر البيئية والطبيعية والثقافية. ومفهوم الاستدامة لاتصاله بالبيئة والثقافة وجد رواجاً لدى مثقفى العالم الثالث . وجرى تبني المفهوم رسمياً في قمة الأرض بالبرازيل في العام 1992م . ولأن قمة الأرض كان محورها الحفاظ على البيئة والطبيعة فقد كان قميناً بها أن تتبنى مفهوماً للتنمية متصالحاً مع مفاهيم احترام البيئة والطبيعة وعدم إهدارها. ومفهوم الاستدامة متصل بالمفهوم الحيوي Organic concept  ذلك أن الانسان أدرك أن النظم الحيوية قادرة على التكيف مع متغيرات البيئة مع البقاء متنوعة ونامية ومنتجة ومستمرة مع مرور الأوقات. وبمحاكاة النظم الحيوية أدرك الانسان أن أفضل أسلوب للنماء والاستمرار هو محاكاة النظم الحيوية في ارتباطها المتفاعل مع البيئة . وهذا يعني ان حفظ النظم التي ينشئها البشر يمكن يستدعى القدرة الفائقة على التعامل المسئول مع معطيات المحل والوقت. ومهما كان المفهوم تأشيرياً فأنه يجمع بين الاحتياجات المادية والمعنوية للبشر ومعطيات البيئة والطبيعة. ولئن كان ليس من السهل تحديد المفهوم في الجانب الاقتصادي واعتماد مقاييس للاستدامة في نطاق الاقتصاد فإن الأمر يصبح أشد عسراً عندما ينتقل مفهوم الاستدامة أو القابلية للاستمرار إلى نطاق التنمية الاجتماعية والسياسية. ذلك أن التعامل مع البشر لا ينحصر على الناحية الحيوية العضوية وأنما يتعداه إلى نواحٍ نفسية وعقلية أشد تعقيداً . بيد أن ذلك لن يقدح في صحة المفهوم على وجه الإجمال . فان النظم الاجتماعية والسياسية لا تُمنح الاستمرارية إلا بمقدار تلاؤمها مع معطيات الوقت والمحل. والتنمية السياسية لكي تضمن القيام على أسس راسخة لابد لها من مراعاة خصوصية المكان وخصوصية اللحظة التاريخية . وأثار تلك الخصوصيات على معتقدات الانسان وأفكاره وميوله ومزاجه العام.
الديمقراطية القابلة للإستمرار:
        والنظم الديمقراطية هي الأخرى نظم ذات طبيعة إجتماعية وثقافية. ومما لاشك فيه أنه لا يوجد شكل واحد للنظام الديمقراطي إلا على وجه التقريب. فللأمم عبر المسافة والزمان تجارب متعددة ونظم متعددة يمكن أن تُحظى باضفاء صفة الديمقراطية عليها. وقد يحتاج البعض إلى إضافة الديمقراطية إلى لفظة أخرى لاعطائها معنىٍ أكثر تحديداً . مثل الحديث عن الديمقراطية الليبرالية  أو "الديمقراطية الاجتماعية" . وقد أختلفت تجارب البشر الديمقراطية عبر الزمان. ولا يستطيع أحد بغير الاعتساف ان يسوى بين ديمقراطية أثينا وديمقراطية كميونة باريس وديمقراطية وستمنستر .  والمعاني المشتركة شديدة العموم وهي نوع من اشتراك الشعب في حكم نفسه مباشرة أو عبر وكلاء أو وسطاء . ومراعاة مبدأ الأغلبية في ذلك عند الافتقار إلى الإجماع مع ضمان حرية الاختيار عبر نظام للاقتراع متوافق عليه. ولكن هذه المفاهيم تضيق وتتسع وتحوي مباديء أخرى قد يختلف عليها الناس . فالديمقراطية الاجتماعية تخالف الديمقراطية الليبرالية لتركيز الأولى على أولوية حق الجماعة والثانية على أولوية حق الأفراد. وهنالك سجالات عديدة ذات طابع فكري وفلسفي يدور رحاها في ساحة مصطلح الديمقراطية . تتأثر إلى مدىٍ بعيد بالايدولوجيات المختلفة. ولكن كل هذه السجالات تدور على مستوى النظر . وقلما يتركز الانتباه على ما يعتقده الناس العاديون . وما يرونه ناجحاً وناجعاً وما يحسبونه صالحاً . وما يرونه مفسداً فاسداً وغير ملائم . وقد يعيدنا هذا الى خواتيم المقال السابق لدى الحديث عن الثقافة والمرجعية لنؤكد على القول أن تجاهل الواقع الشعبي والثقافة الشعبية والإرادة الشعبية هو أس الداء في عدم قدرة النظم الديمقراطية للإستمرار في الساحة السياسية السودانية. ذلك أن جميع الإيدولوجيات الليبرالية واليسارية والمذهبيات الإسلامية تجاهلت مرجعية الشعب وحقه في الاختيار وقوله الفصل في القرار. وحجة الجميع أنهم أعلم من الناس العاديين باحوالهم واحتياجاتهم . وأنهم هم العين البصيرة التي ترى الفرق بين الحق والباطل والصالح والطالح والمناسب وغير المناسب . وكلهم خطاءون وكلهم مخطئون وقليل منهم التوابون الآوابون.
نواصل،،،