الثلاثاء، 10 مايو 2011

الديموقراطية العودة الى معدلات السلام 2-2

        صارت الديمقراطية ترنيمة في كل فم ولم يبق حزب ولا كائن سياسي الا صار من خُطابِها ولكن هل هم علي استعداد للتخلق باخلاقها والتبدي بثيابها. لكي تكون الالفة والائتلاف معها هي الضمان للسكن والاستقرار والرفاه والعيش الرغيد. لقد تبدت لقوي السودان السياسية سانحة جديدة بعد ان بددوا من قبل فرصاً كثيرة أخري. وتلك الفرصة هي عودة البلاد الي سلام شامل يكتنفها باذن الله من جديد وان كان ثمنه انفصال وشيك لجزء من التراب الوطني. وعودة السلم تعني تراجع الأوضاع الاستثنائية وعودة الحياة المدنية الطبيعية. وقد ذكرنا آنفاً أن العلامة المائزة للمجتمع المدني الديمقراطي هي قوة المواطن وتمكينه من ان يصبح هو المرجعية التي تقاس بها الافكار والمواقف والاحزاب والمنظمات والتشريعات . فما رآه المواطنون حسناً يتوجب ان يكون هو المسار الذي ترتئيه القوي السياسية والحكومة وسائر اجهزة الدولة خطة ومسيرة ومقصداً..
لا تزايدوا علي الناس
المؤمن الحق بالديمقراطية لا يمكن له ان يزايد علي الارادة الشعبية المعبر عنها ديمقراطياً بأية حجه كانت عقديه او فكريه او سياسية. وإلا فان هذه المزايدة تعني انه يفهم بأكثر مما تفهم جمعية المواطنين او انه يُعني بالشأن العام باكثر مما يُعني به عامة الشعب. وهذا الاستعلاء النخبوي علي الارادة العامة هو الذي ظل يسحب بلادنا الي مربع النزاع والحرب ويعطل طاقاتها الدافعة للنهضة والنماء والتقدم. فروح الوصايه الدينية او الايدولوجية او السياسية وشعور نخبة دينية ما او جماعة ايدولوجية او حزب سياسي انه يدرك الخطة الصواب أكثر مما يدركها الشعب او انه يفهم النفع العام ويبصر السبيل اليه اكثر مما يبصر به الشعب هى الذي جعلت المنازعة وعواقبها المرة هي الحائط الذي يسد الأفق أمام شعبنا دون أحلامه وآماله ومقاصده. وعدم المزايدة علي الناس العاديين تعني ان نمتلك القدرة على الاستماع للرأي العامي وللفكرة الدارجة . وان نتعلم كيف نبصر بالحكمة الشعبية من وراء بساطة الفكرة وسذاجة العبارة. وأحزابنا جميعاً يتوجب عليها أن تعتني بقواعدها ففي العقود القليله الماضية أصبحت هذه القواعد بفضل التعليم والهجرة والاعلام أكثر وعياً وأكبر استعداداً للمساهمة في تأمين حاضرها وصياغة مستقبلها. أنتهي زمان المتبركين بملابس الاسياد ومراكبهم وأنتهي زمان التعظيم للقادة والساسة بموجب القيادة والزعامة لا بموجب الريادة والانجاز والافكار النيرة الملهمة. مضى زمان القائد الفرد الملهم وجاء وقت القائد المنصت المستلهم لحكمة الجماعة والشعب. والخيار فى أيدي زعماء الساعة أما ان يؤمنوا بالتغيير ويبذلون استحقاقه او أن يستأذنوا في الانصراف راشدين.
المواطن قبل المؤسسات والأجهزة
والمواطن لم يكن مدفوعاً الي الهامش بثقافة وسلوك أحزابه وقواه السياسية  فحسب بل أن مؤسساته وأجهزته التي كان يتوجب ان تكون أدواته لتيسير وصوله الي المصالح والمنافع ودفع المفاسد والاضرار ما لبثت ان طورت هي الاخري ثقافتها المؤسسية الخاصة التي تعلي رؤية المؤسسة علي رؤية الشعب ومصلحة المؤسسة ومنفعتها فوق مصلحة الشعب ومنفعته. يتوجب علي مؤسسات الدولة وأجهزتها ان تجري مراجعة دقيقه شاملة لكي ما تصبح مؤسسات لدولة ديمقراطية.  فتكون بالحجم الذي يخدم المصلحة الشعبية فلا تتضخم لخدمة مصالحها . وان تبسِط اجراءاتها أمام العامة لكي يسهل عليهم الانفاع بخدماتها بأعجل ما يمكن ان ينال ذلك . وأن تبذل للمواطن الفرد من الاجلال والاحترام بأكثر ما تبذله لرؤسائها . فالرئيس الحق في دولة ديمقراطية هو الشعب ومن وراء الشعب هو المواطن. ولئن كانت محلات البيع بالتجزئه ترفع شعاراً هو "المواطن دائماً علي حق" فان المؤسسات التي يملكها الشعب هي أولي من يعتنق هذا الشعار.  ليكون لها هادياً للاستفادة بأراء المواطنين و  معيناٌ على اجتراح السياسات والاعتناء بمصالح المواطنين عند ارسائها. وفي الدولة الديمقراطية يجب أن تتقلص وتنكمش أدوار أجهزة الضبط وتتوسع وتبسط أدوار أجهزة الدفع والتحريك والتحفيز اتساقاً مع الثقة المتعاظمة في وعي المواطنين وتعزيزاً لمبادراتهم . فما تصلح دولة يكون ديدنها أن المبادرة لا تكون فيها الا برخصة وأن الحركة لا تكون الا باستئذان. الأصل في كل الاشياء الاباحة والاستثناء هو المنع والحجر. ولا يكون منع وحجر الا بضرر واقع او خطر ماثل. والأصل في الناس وفي ذممهم البراءة . فلا يتوجب ان نتوقع الشر من الناس ويكون ديدن الدولة الحوؤل دون ذلك الشر المتوقع. علينا ان نحسن الظن بالشعب وبالمواطن وان نتوقع الخير والالتزام والانتظام منه سجية لا قهراً. فخابت حكومة ودولة تتوقع أن تسوق شعبها سوقاً الي ما تريد كما يساق القطيع من الأغنام.
الاعلام من الناس واليهم
ولئن كان مطلوباً أن نعترف ان أس الحكمة وأساسها هو الشعب وهو مستودع الارث الثقافي والعقائد و الأفكار والابداع والابتكار ، فيجب على أهل السياسه والقيادة والزعامة ان يتتلمذوا في مدرسة الشعب.  و أن يتواضعوا فى حضرته. فلئن وجب عليهم التعزز أمام خصومه وأعدائه فانهم بحلاف ذلك يتوجب عليهم توطئة الاكتاف والاكناف للعامة.  لا أعني بذلك اجتماعياً فحسب بل وفكرياً وثقافياً. فاذا صار ذلك كذلك علمنا ان كل ما نتعلمه من الشعب والناس العاديين هو أهم مما نعلمهم اياه. واذا كانت بضاعتنا أقل من بضاعة الشعب المجتمعة وثروتنا الفكرية والمعلوماتية أقل من ثروة الشعب فمن الطبيعي أن يكون مبتدأ الفكرة والمعلومة من تلقاء الشعب . وأن يكون الرأي العام هو بحيرة الاعلام التى ترفد قنواته وأنهاره بالفكر والابداع والمعلومات. الاعلام الديمقراطي هو الاعلام الذي يفضي الي تعارف الامة من خلال شرائحها وفئاتها وجهاتها وأفرادها . بان يستمعوا لبعضهم البعض وأن يطلعوا علي أحوال بعضهم البعض .  وأن يحسنوا الظن ببعضهم البعض وأن يتعلموا كيف يتحركون فريقاً واحداً متجانساً نحو مقاصدهم في النهضة والعيش الكريم. والاعلام الديمقراطي لا يعني حرية الرأى  وحرية التعبير فحسب  بل أهم من ذلك يعني سهوله وصول كل صاحب رأي راشد وصاحب فكرة مبدعة  الي مسامع الكافة وأبصارهم لكي يسمع ويقرأ ويشاهد . أهم ملامح الاعلام الديمقراطي هو سلاسة تدفق المعلومات دون حوائل وعوائق . وهذا لا يعني أنه اعلام بغير امتثال لقيم او أعراف او أخلاق بل يعني أن هذه القيم والأعراف والأخلاق مثل قواعد المرور السريع . هي ذاتها الأدوات والوسائل والقواعد التي تضمن المرور السريع للراي الجرئ والفكرة المبدعة والفن المستجيش لأرفع مافي الانسان من معاني الانسانية. والاعلام الديمقراطي أعلام لا تحتكره الدولة ولا يحتكره المُلاك لمؤسساته ولا العاملون بمرافقه.  بل هؤلاء جميعاً خلفاء الشعب ووكلاؤه علي فكره وتراثه الثقافي والمؤتمنون علي الرواية الصحيحه لتاريخه والحكاية الدقيقة لواقعه والمبشرون بمستقبله الزاهر. ويتوجب ان تتمظهر هذه المعاني في التشريعات التي تنظمه و التنظيمات التي تؤسسه فلا يمُكن مالك واحد حكومة أو جماعة او فرداً أن يتصرف بالمؤسسة الاعلامية كما يتصرف بسيارته الخاصة فالمؤسسة الاعلامية حافلة  الشعب وليس مركباً حكوميا او شخصياً لايٍ كان.
تأسيس المشاورة الشعبية
واذ تتأهب أحزاب السودان وقواه السياسية وفقهاؤه الدستوريون لاعداد وثيقة دستورية ناظمة للحياة العامة في السودان فان الرأي الشعبي يجب ان يكون محط الانظار.  ليس في الاستناره به عند وضع الدستور ولكن في تأسيس التشاور مع الشعب جزءاً  لا يتجزأ من الدستور. ولئن كان الدستور الانتقالي قد أشار الي الشريعة والتوافق الشعبي مصدرين للتشريع وهو الأمر الذي يوافق مقتضى الشريعة الاسلامية تماماً فيتوجب التقدم في الدستور الجديد خطوات للأمام لادخال التشاور الشعبي وسيلة من وسائل رفع الخلاف السياسي حول القضايا الوطنية المهمة.  فلا يكفي ان تتقدم الأحزاب برؤاها للشعب فيفضل برنامج هذا ويدفع برنامج ذاك. وانما يجب ان يكون الحق محفوظاً للشعب للمراجعة والتدخل بالرأي . وهو أمر لن نبتدعه في السودان فهو الشأن المعمول به في بلاد ليست قليلة . ولكن أشهرها هو الفيدرالية السويسرية التي شرعت للمشاورة الشعبية عبر الاستفتاء وأنشأت مؤسسات دائمة لهذه المشاورة .  فما من جماعة أو طائفة مهمة من الشعب  الا ويحق لها ان تطرح قضية ما للتشاور الشعبي . وتكون من بعد ذلك نتيجة ذلك الرأي ملزمة ليصدر بها التشريع ويكون بها العمل. ولربما يقول البعض وهو محق أن ذلك ربما يكون مأموناً في بلادٍ الثقافة السياسية بها  ناضجة والناس جميعاً متعلمون ولهم خبرة في الالتزام بديمقراطية فترتها قرنٌ ونصف من الزمان.  ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله فبالامكان تعميم المشاورة الشعبية في السودان بما يحترز فيه من أية  أثار سلبية لممارسة البعض للنهج الشعبوي أو التحريض العنصري . ولكننا نؤمن بأنه مهما كان ما يؤمئ اليه المتشائمون من خطر  الجرعة الديمقراطية الزائدة فاننا نؤمن بحكمة شعبنا ونثق في اختياراته  بأكثر من ثقتنا فى اختيارات النخبة السياسية والتي بلونا المر من ثمرات فكرها وصراعاتها وتنازعها علي الحكم والسلطان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق