الثلاثاء، 17 مايو 2011

السودان ومصر نحو كونفدرالية وادى النيل 1-2


        تلوح سانحة تاريخية نادرة لاحراز تطور استثنائي في العلاقات السودانية المصرية والانتقال بها الي أفق جديد يتجاوز الأقوال الي الأفعال والكلمات الي التحركات. وأول ذلك هو النظر الموضوعي للفرص الماثلة والمعوقات المنتصبة أمام البلدين. فقد بدأت دول مجلس التعاون الخليجي النظر الاستكشافي لتطوير المجلس عملياً وتوسيعه جغرافياً. وبدأت تلوح فرص لاحياء الأتحاد المغاربي. فالثورات التي اجتاحت شمال افريقيا قد جعلت شعوبها أكثر تقارباً وأقدر علي تجاوز الحواجز السياسية المصطنعة. ويجب أن لا يكون وادي النيل هو الذي يأتي أخيراً لاستكشاف فرص التكامل الحقيقي والمقاربة العملية نحو الحلم الاتحادي الذي كان من أهم الأجندة الوطنية في كلا البلدين السودان ومصر. وقد جاءت الزيارات الرسمية والشعبية المتبادلة بين السودان ومصر مؤشراً علي بزوغ الوعي بحلول فرصة تاريخية لتعزيز العلاقات وتقوية الصلات واشراع الأبواب واسعة لحراك واسع للبشر والسلع صعوداً وهبوطاً عبر امتداد الوادي العظيم.
العلاقات الأزلية أم العلاقات العملية:
ظلت عبارة العلاقات الأزلية تتكرر شمالاً وجنوباً لتوصيف العلاقة بين البلدين. وهى عبارة بما يكتنفها من معني خاطئ يفترض وجوداً أزلياً للبلدين لتكون العلاقات بينهما ازلية فهى تجئ أيضاً من باب القاء الحديث علي عواهنه .  مما يحمل اشارة علي حالة خطابية عاطفية لا نظر علمي لحقيقة تاريخية. ولكن حتي هذه المسالة العاطفية لا تخلو من مبالغة في التعبير.  فالعلاقات التاريخية لم تكن دائماً في أفضل أحوالها . ولا هي في اللحظة الراهنة تخلو من شوائب كثيرة يتوجب علينا الاعتراف بها والتعامل معها برشد المدركين أن العلاقات لاتنشأ وتتواصل بين الأشخاص والجماعات والهيئات خالصة من كل ما يشوب ويعكر . وقديماً قال الحكيم النابغة الذيباني.
وليس بمستبقٍ اخاً لا تلمه
                   علي شعثٍ أي الرجال المهذب
فليس هنالك علاقة حقيقية بين الأفراد والشعوب  ولو كانوا أولو قربى الا وبها من الشعث المشار اليه.  ولكنه النقص الذي يدعو للاجتهاد في توثيق العري وتمتين الاواصر. ويدرك الباحثون في الانثروبولوجيا والاثنولوجيا أنه ما من قوم اوجماعة الا ويحمل بعضهم لبعضهم الآخر توجسات وتحيزات . وربما تورث الألوان والأشكال التحامل والتمييز اللوني والعنصري. ولكن الشعوب الراشدة هي تلك تتجاوز التحيزات والتوجسات الي التعارف الحق والتعايش الانساني النبيل. ومن الشوائب التي تشوب العلاقات المصرية السودانية في أبعادها الاجتماعية والنفسية والثقافية توجسات وتحيزات قد يبددها التواصل المباشر والتعارف المفضي الي معرفة أفضل ما في الشعبين من خلائق وشمائل  تنبثق من تجربة وجودية متشابهة . ومن ثقافة اسلامية عربية هي المشرب الذي يستقي منه أهل الوادي شمالاً وجنوبا كما يستقون من نهر النيل . و كما يتفاعلون مع محيط ثقافي وسياسي افريقي يتصل عبر النيل وعبر امتداد القارة من ساحلها الشمالي الي ساحلها الجنوبي. وقد أثبت الدراسات والتجارب العلمية قوة اتصال الشعوب العربية ببعضها البعض ومتانة أواصرها مع افريقيا جنوب الصحراء . ولكن المسافة النفسية والاجتماعية بين السودان ومصر أخص من ذلك وأقصر بكثير . كذلك فان الاتصال السكاني والحضاري عبر الحقب وتكامل الموارد الطبيعية والبشرية هو الذي جعل شعار اتحاد أهل الوادي أمراً أقرب الي البداهة منه الي الفكرة السياسية. ولئن ظلت طبيعة العلاقة مع السودان واحدة من أهم أجندة الأحزاب والقوي السياسية في مصر فأن السياسة فى السودان نشأت علي فكرة وحدة وادى النيل تكون عاجلاً او آجلاً. فدعاة الاستقلال لم يكونوا مناهضين لفكرة الوحدة بل كانت دعواهم أن الأولوية تكون للاستقلال ثم يقرر الشعب السوانى من بعد التكامل او الوحدة مع مصر. بينما كان دعاة الاتحاد يتحدثون عن وحدة تكون باعلان الانضمام الي مصر . ثم كان ما كان مما يعلمه القاصي والداني وما يكون تفصيله من الاسهاب الزائد عن الحاجة.
خصوصية اللحظة الراهنة
          ولربما يتساءل القارئ لماذا تمثل هذه اللحظة فرصة تاريخية لانجازٍ غير مسبوق في قضية الاتحاد السوداني – المصري . والاجابة أن خصوصية اللحظة سببها ذوبان جدران الثلج الذي زكته برودة العلاقات السياسية بين البلدين علي مدار عقود طويله . وتوجس الانظمة الاستبدادية في مصر من الحالة السياسية في السودان . وتخوف النخبة السياسية في السودان من فقدان ميزات الحرية النسبية المتاحة فيه بالارتباط بنظام شمولي مصري . وتخوفات النخبة  الشمالية ظلت تغذيها باستمرار توجسات النخبة الجنوبية وخوفها من أن تغرق في محيط سكاني عربي يزيد حضورها السياسي تهميشاً علي ما يستشعره من تهميش. وقد جرى استخدام هذا التوجس الجنوبي من قبل أجندات أجنبية لتفتيت السودان الشمالي ومنع تعميق اتصاله بمحيطه العربي عامة والحوؤل دون تحول الفكرة السياسية الوحدوية الي مشروع عمل . ولو ببداية متواضعة مثل محاولات التكامل او حتي اتاحة الحريات الأربع بين البلدين.
عتبة الحريات الأربع:-
          لم يعد خافياً الآن أن السودان كان أكثر تحمساً لإنزال اتفاقية الحريات الأربع الي واقع العلاقات بين البلدين، بينما ظلت الحكومة المصرية تتحفظ علي انفاذ جوانب مهمة من هذه الاتفاقية . بخاصة فيما يتعلق بتنقل المواطنين وحرية العمل في البلدين . ولكننا الآن وبفضل عزيمة حكومة الثورة في مصر نمضي باتجاه التطبيق الكامل للحريات الاربع في البلدين . مما يعني تدفق السكان و السلع والبضائع وقوة العمل والاستثمار بين السودان ومصر.  بيد ان اتفاقية الحريات الأربع يجب أن ينظر اليها بوصفها عتبة مشروع تكامل شامل متسارع.  ومشروع بناء كونفدرالي سياسي يفتح صفحة جديدة في التاريخ السياسي بوادي النيل . ويدفع بأنموذج جديد للوحدة المتنامية بين شعوب الامة العربية . وتدخل به الامة العربية مرحلة المربع الذهبي المكون من عدد من التجمعات ممثلة في مجلس التعاون الخليجي وأتحاد وادي النيل والأتحاد المغاربي وربما في وقت قريب أتحاد الهلال الخصيب الذي يصل العراق بالشام الكبير. وقد يبدو هذا الكلام أقرب الي التمنيات منه الي التوقعات.  ولكننا نري وبخاصة بفعل التحولات الكبري التي تمور بها المنطقة العربية أن المسافة بين التمني والتوقع ما عادت شاسعة كما اعتادت ان تكون.
          ولئن كانت الحريات الأربع تعتبر الآن واقعاً ماثلاً بدأت ثماره تقترب الي أيادي من يجنيها فان التوقف لبدء مرحلة جديدة يجب ان يدخل دائرة الممنوعات. يجب ان نمضي مباشرة وحثيثاً لاعداد مشروعات حقيقية للأتحاد الجمركي والسوق الواحدة تجارة واستثماراً وعمالة ثم الي الاتحاد النقدي. وفي ذات الوقت يجب ان تبدأ مراحل التداول العام ثم التشاور الشعبي نحو بناء كونفدرالية وادي النيل علي الوجه الذي يأخذ جميع التفاواتات والخصوصيات في الاعتبار. لأننا لا نريد مشروعاً يتقدم ليتراجع فان نكسة التراجع عن الوحدة لا تكون خطوة واحدة للوراء بل خطوتان او عدة خطوات.
ماهي الكونفدرالية
          جري تداول مصطلح الكونفدرالية كثيراً في السودان مؤخراً.  بسبب اثارة الحركة الشعبية مسألة تحول العلاقة بين شقي البلاد الي تعاهدية كونفدرالية بدلاً من الطرح الفيدرالي الذي مثله موقف حكومة السودان. وقلما استخدم المصطلح بصورة صحيحة أو فُهم بصورة سليمة. ومرجع ذلك أن الكونفدرالية مصطلح قليل الاستعمال في الواقع التاريخي الراهن.  وهو يستخدم استخداماً فيه تفاوت كبير لوصف أوضاع سياسية يطلق عليها ذات المصطلح ولكنها تتباعد في الأطر والعلاقات وطبيعة النظام السياسي. فبعض الدول التي تستخدم كلمة كونفدرالية لتسمية نظامها الدستوري هي في الواقع نظم فيدرالية مثل سويسرا وكندا . وان كانت بدأت من الناحية التاريخية كونفدرالية ولكنها انتهت في راهنها الي نظم فيدرالية. ولذلك لزم علينا لكي يتعرف القراء مقصودنا من الدعوة لاقامة كونفدرالية وادي النيل أن نوضح الفرق بين النظام الكونفدرالي والنظام الفيدرالي المعمول به في السودان.
والفرق الأساس هو أن الكونفدرالية نظام تعاهدي وليس نظاماً دستوريأ . بمعنى أن الذي ينظم العلاقة بين اطرافه هي معاهدة وليس دستوراً . وان كانت فكرة الدستور غير مستبعدة تماماً ولكن الدستور اذا أتفق عليه فانه يأتي تيعاً للمعاهدة المنشئة للاتحاد. ولأنه نظام تعاهدي فهو يقوم بين دول ذات سيادة وليس بين ولايات. والمعاهدة المنشئة للاتحاد الكونفدرالي تتضمن تنازل هذه الدول عن بعض سلطاتها لمؤسسات مشتركة وبخاصة في مجالات الدفاع الامن القومي والعلاقات الخارجية. وهذا لا يعني انتقال كل هذه السلطات للكونفدرالية بل تحول جزء من هذه السلطات حسب منطوق المعاهدة للمؤسسات المشتركة التي تنشئها المعاهدة. وقد تشتمل المعاهدة على مؤسسات اذت طابع اقتصادي اذا شملت انشاء اتحاد جمركي او اتحاد نقدي بين الأطراف . وفي الأغلب يكون للكونفدرالية رئاسة( تعاقبية علي الأغلب) ذات صلاحيات رمزية وأدبية. وهنالك مساحة تفاوت واسعة بين التجارب المختلفة في المدي الذي تذهب اليه الدول فى التنازل عن سلطاتها او انشاء مؤسسات مشتركة تمثل جميع الاطراف , ولذلك فان بعض الكونفدراليات فضفاضة وهي أشبه بالعضوية في منظمات تعاهدية "اي منظمة تنشئها اتفاقية".  وهنالك كونفدراليات أقرب الي النظام الفيدرالي بسبب كثرة الروابط والمؤسسات المشتركة والسلطات الكونفدرالية. أما النظام الفيدرالي فهو علي تنوعٍ بين فيدرالية موسعة فيها سلطات كثيرة للولايات تمُنح بموجب الدستور وبين فيدرالية مضيقة تحتاز فيها السلطة المركزية سلطات أكثر كما تملك صلاحيات التدخل في شوؤن الولايات في أحوال يصفها الدستور. والفيدرالية لا تكون الا في دولة واحده ذات سيادة علي ترابها الوطني.  بما يشمل السيادة علي الولايات المتحدة. ولا تمارس الولايات أية صلاحيات سيادية في الدفاع او الامن القومي او الشأن الخارجي او تملك حق التعاهد مع الدول الاخري . ولا تملك سلطات في المجالات ذات الطابع القومي مثل العملة والأقتصاد الكلي وشوؤن الهجرة . وكافة الامور التي يصعب ممارسة حق التصرف بشأنها داخل ولاية واحدة. واذا كان الشرح الآنف كافياً ووافياً في توضيح الفروق بين النظام الفيدرالي والكونفدرالي فقد استقر في الفهم أن دخول دولة في كونفدرالية مع دولة اخري لا يؤثر في نظامها الفيدرالي الداخلي. ولا يدعو بالضرورة للتشاكل في الأنظمة الدستورية الداخلية مثل الحال في السودان بنظامه الفيدرالي federal system ومصر بنظامها المتحدunitary system  . وفي الحلقة التالية من هذا المقال سنوضح لماذا ندعو لكونفدرالية سودانية مصرية؟ ماهي فائدتها في شوؤن الدفاع والامن القومي والشأن الخارجي والتكامل الاقتصادي بين البلدين ؟وسوف نبحث باذن الله فى التجارب الدولية في مجال الكونفدرالية والمحاولات التي حدثت في المجالين العربي والافريقي . ولماذا أخفقت تلك المحاولات ؟ وكيف يمكن أن تستدام هذه المعاهدة الكونفدرالية مع كل تلك التجارب الفاشلة.


نواصـــــــــــــــــــــــــــــــــــــل،،

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق