الثلاثاء، 28 يونيو 2011

Searchالشريعة.. والنفع العام 1-2

Search يدور سجال برلماني وأعلامي هذه الأيام حول مسألة الأقتراض بفائدة للتعويض عن عجز موارد الدولة للاستجابة لحاجات ماسة لقطاعات واسعة من الشعب . سواء كانوا فلاحين أو عمال أو مستهلكين لاحتياجات ضرورية مثل الماء والكهرباء والدواء والانتقال والتعليم والتسليح. والسؤال الذي يتجشم الجميع الأجابة عليه بأجابات متفاوتة ليس هو فحسب الي أي مدي يذهب المسؤولون في تفسير مقتضي الضرورة والحاجه لاباحة اقتراض الدولة بفائدة من الدول والمنظمات الدولية الأخري. فهذا السؤال ليس بجديد فالشريعة من لدن تحكيمها في العام 1983م وقبل ذلك كانت تعتبر الاقتراض بفائدة غير جائز. وان خالف في ذلك مخالفون معظمهم علماني وقليل منسوب للفكر الاسلامي. بيد أن الدولة ظلت تقترض بفائدة ومستندها الحاجه التي لا يُستغني عنها لمثل هذه القروض. وظل الاسلاميون يختلفون علي ذلك بحسب مدارسهم الفكرية ومواقفهم بين التشدد والمرونة أو التعصب والترخص. بيد أن هذا السجال يشير الي قضية أكثر أهمية من موضوعه لأنها أكثر عمومية . وهي قضية الالتزام بالشريعة هل هي قضية معللة بالنفع الذي تجلبه الشريعة أم أنها مسألة عبادة غير معللة سواء أبصر الناس بالمنافع أو عميت عليهم فأن الالتزام بالشريعة أمر عبادة محضة شكلية ولا يرد عند تطبيق الأحكام الشرعية ما اذا كان مآل التطبيق الي النفع او الضرر.
الشريعة.. لماذا شرعت:-
الأجابة علي هذا السؤال ستلقي ضوءاً كاشفاً علي مجمل الموضوع قيد النظر. ذلك أن سؤ القهم أو نقصه لمعني الشريعة ولمراداتها سبب لالتباس كبير في فهم أحكامها. فالشريعة هي المقتضي العملي للدين " شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ" فمقصد الشريعة هو اقامة الدين أي نقله من المثال المتصور الي الواقع المعاش وتحقيق الوحدة ثمرة لتحقيق الدين في الواقع. وخطاب الشريعة متوجه للانسان لأن مرادها تحقيق الرحمة له " الرَّحْمَنُ . عَلَّمَ القُرْآنَ . خَلَقَ الإِنسَانَ . ‏عَلَّمَهُ البَيَانَ" والقران هو كتاب الله الواحد القديم في اللوح المحفوظ الذي علمه للملائكة. وطلب من الملائكة أن تعلمه للرسل . وعلم الانسان طرق الابانة والافصاح ليتمكن من فهم الرسالة. فالله سبحانه وتعالي خلق الانسان ولم يتركه سدي بل هداه النجدين بالفطرة الموسومة في وجدانه وبالهدي المتنزل اليه عبر المرسلين. ومراد تنزل الدين بالشرائع هو رحمة بالعالمين " قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ" فالشريعة جاءت لاقامة الدين والدين انما أنزل تعهداً ورعاية ورحمة بالانسان. وترقية لحياته العاجلة والآجلة " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ " لأن شريعة الله هى منهاجه للحياة الحقة الكريمة اللائقة بكرامة الانسان لدي ربه سبحانه وتعالي. فالشريعة هي المنهاج الذي يؤدي الي حقائق الدين . والدين الحق هو السبيل الأوحد لادراك حقائق الحياة وتحقيق السعادة فيها. فالشريعة والدين هما رحمة بالعالمين وكذلك الانبياء والمرسلون " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" والاجابة علي السؤال أصبحت واضحة لأن الشريعة انما شُرعت لتحسين حياة الانسان فرداً وجماعة . وتحقيق مصلحته ومنفعته ورفع الاصر والحرج والمشقة عنه . وهي بخلاف الرهبانية التي هي بدعة انسانية أنشأها التشدد في الدين فجعلت من المشقة والعسر والحرج مركباً الي الرضوان الالهي وليس ذلك لها بسبيل. وإن كان رسولنا صلي الله عليه وسلم قد أخبرنا أنه لا رهبانية في الاسلام لأن رهبانية الاسلام هي الجهاد فأنه لا تزال طائفة من المسلمين يسلكون ذات سبيل الذين اثروا التشدد علي النفس وعلي الغير سبيلا الي رضوان الله . وما عملوا أن رضوان الله أقرب منالاً بالرحمة والاحسان لعياله أخوانهم في الانسانية . فالخلق جميعاً عيال الله ومن جعل دأبه أن يرحم خلق الله ويحُسن اليهم دخل في ثلة المصطفين الاخيار.
النفع العام.. ماهو ؟
الشريعة بما تقدم من قول هي حاجة للانسان وليس لله فيها حاجه . لأن الناس جميعا لو كانوا علي قلب أفجر رجل منهم ما نقص ذلك من ملك الله من شئ. فمقصود الشريعة هو منفعة الانسان والنفع انما يكون خاصاً وعاماً . والنفع العام مُقدم علي النفع الخاص لأنه منفعة الانسان لا تتحقق إلا في اطار منفعة الجماعة. ولا غرو أن خطاب القرآن جله موجه للجماعة باستخدام النداء " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا" فالجماعة المتوحدة بالايمان هى مناط الخطاب بالتوجيهات والتكاليف . وأما معني النفع العام public interest فهو يشير الي ما يحقق الرفاه العام أي ما يُذهب خوف الانسان من العجز عن حماية نفسه أو نسله او أهله أو تحصيل رزقه " أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ" ولا شك أن المعني المشار اليه ههنا معني واسع . ولذلك فهو يحتمل الاختلاف في معني ما يجلب الراحة والاطمئنان والسعادة للناس. وما يسبب الضيق والمشقه والخوف والتعاسة لهم. ثم أن السؤال يرد عن العدد المطلوب لاعتبار النفع نفعاً عاماً . وهل لابد أن يستغرق المعني كل فرد من المجتمع أم أن شمول طائفة مقدرة من المجتمع يمكن أن يسمح باستخدام مصطلح نفع عام. والأرجح أن الاشارة الي النفع تعني كل المجتمع اذا تعرض أفراده للظرف المتعلق بالمنفعة المشار اليها . كما يشمل السواد الأعظم والجمع الغفير ايضاً وان لم يقع تحصيل المنفعة من جميع أفراد المجتمع . مثل أن يُقام سد لتوليد الكهرباء ينتفع منه ملايين من الناس ولكن ملايين آخرون لا يحصلون تلك المنفعة فأنه يجوز أن تقول أن ذلك يحقق النفع العام. ومفهوم النفع العام يكاد يدخل في كل شئ من الحياة المعاصرة من اقامة الدولة نفسها لتحقيق المنافع العامة عبر التشريعات والسياسات والمؤسسات الي مفاهيم تنظيم الحياة السياسية والاقتصادية لدرء المفاسد وجلب المنافع العامة.
والشريعة كما قدمنا مقصدها تحقيق المنافع للانسان فرداً وجماعة . ووسيلتها في ذلك تهذيب سلوك الافراد والجماعات وتنظيمه ليصب في تحقيق مصالح الجميع . وسبيلها الي هذا التهذيب هو التربية والتشريعات العامة والسياسات العامة واقامة السلطات والمؤسسات. فالتوجيه الشرعي والقانون الشرعي والسياسه الشرعية هي تلك التي يكون الناس بسببها أقرب للصلاح وأبعد عن الفساد. والمصلحة والمنفعة مفعلة من النفع . والصلاح وهو كون الشئ علي هيئة كاملة بحسب ما يراد ذلك الشئ له . مثل القلم يكون علي هيئة المنفعة للكتابة لأن الكتابة هي ما يرُاد القلم له لا الزينة للجيوب والمدية تكون علي هيئة المصلحة للقطع  لأن ما يراد بالمدية هو القطع . والمدرسة تكون علي هيئة المصلحة للدراسة لأن ما يرُاد من المدرسة هو التدريس. وجلب المنافع ودرء المضار والمفاسد لا نعني به قدرة الناس على تحصيل ما يرونه منفعة لهم بل لابد من موافقة تلك المنفعة لمقصود الخلق والخالق في آن واحد لكي تكون مصلحة أو منفعة شرعية أو مشروعة. فليس كل ما يراه الانسان نافعاً له هو نافع له في الحقيقة . فلربما أعتقد البعض أن حصوله علي التبغ للتدخين منفعة مقدرة وهي ليست كذلك في منظور العقل والشرع . وكذلك قد يعتقد البعض أن ممارسة الرياضة بها منفعة له وهي كذلك في ميزان العقل والشرع ولكن الافراط في ذلك يجعل المنفعة تنقلب الي ضدها . ولذلك فان المقدار له اعتبار في تقدير المصالح مثلما للنوع اعتبار. ومقصود الشريعة أن تهدي مقاصد الناس لتوافق مقاصد الشارع. ذلك أن الانسان لا يؤمن اعتماده بالكامل علي تحكيم العقل في تقدير المنافع في كل الاحوال . فكثيرا ما انفك عقال الهوي من العقل الراشد فقاد الأفراد والجماعات الي ما تسؤ عقباه. ولا نحتاج الي سياقة البراهين علي هذا الأمر فهو مشهود لكل انسان في ممارساته الشخصية وفيما يري من سلوك الافراد والجماعات والحكومات والدول. الذي كثيراً ما تنكب سبيل المنطق السليم والحق القويم فقاد الناس الي فساد كبير " وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ" وانما يتبع الناس اهواءهم لاعتقادهم الخاطئ. أنها تؤدى الي تحصيل المنفعة و تحقيق السعادة. كما يعتقد المدخن أنه يحصل متعة التدخين ويعيش لحظات سعادة وهو يجذب وينفث الدخان الي ومن صدره الي الفضاء العريض.
ولكن اعتبار المنفعة هو المبدأ الذي يقبل أو يرفض أي فعل بحسب التوقع أنه يعُزز أو يعوق تحصيل السعادة للفرد والجماعة . ولا نحتاج الي تعريف السعادة فهى حالة الاطمئنان والرضي والانشراح التي يلقاها الانسان في وضعه وفي نفسه بتحقق أمر مُعين. ولكن الشعور بالسعادة لا يتطابق مع تحصيل المنفعة أو المصلحة بل قد يسعد الانسان بما يضره أحياناً " وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ " ولذلك فان تطابق هداية الشرع وهداية العقل في تحصيل المنافع أمر لابد منه للتيقن من أن مآل الأمر الي نفع وصلاح.
نواصــــــــــــــــــــــــــــل،،،،،

الثلاثاء، 21 يونيو 2011

دولة جنوب السودان.. الافق المعتم 2-2


        تحدثنا في المقال السابق عن الحركة الشعبية والتي يتوقع ان تنشئ أحدث دولة تشهدها القارة الافريقية والعالم في التاسع من شهر يوليو القادم. اوضحنا كيف أن الحركة التي بدأت حركة احتجاج تنقلت في الايدولوجيات والخيارات السياسية بحسب الحال . وأنها أنتهت الي حركة تقودها طموحات الزعيم وافكاره وبفقدان الحركة لزعيمها فقدت قوامها الفكري والتنظيمي . وتحولت الي مجموعات متحالفة في الظاهر متنافسة في الباطن . ولأن الفكر الذي اقتاتت عليه الحركة يجعل معولاً كبيراً علي التدافع العرقي ولأن الواقع الاجتماعي للجنوب يجعل القبيلة هي العصبة الاجتماعية والسياسية فان الظاهر السياسي للحركة يخفى انقساماً قبلياً يجعل مهمة بناء الدولة الجديدة مهمة جد عسيرة
شعب جنوب السودان.. واقع الحال
تواجه الدولة الجديدة معضلة ليس لها سابقة في تاريخ نشأة الدول الافريقية . وهي حاجتها الي هوية مشتركة تعطي معني لعبارة (شعب جنوب السودان) . فاذا كان للدولة ان تكون (دولة جنوب السودان) فان أهم مكونات هذه الدولة هو شعبها . ولايكون الشعب شعباً Nation لتكون له دولة Nation State  الا اذا كانت له هوية مشتركة . تقوم علي تاريخ من الحياة المشتركة والتراث الثقافي واللغة العابرة للاثنيات . وربما الكفاح المشترك من اجل مقاصد ينشدها الجميع. ولكن كل ذلك تكتنفه علامات الاستفهامات في حالة جنوب السودان.  فعلي الرغم من الجغرافيا الواحدة فان قبائل جنوب السودان تعيش متباعدة مالم يقدها هذا التباعد الي حروبات طاحنة بسبب التنافس علي الموارد أو حتي العدوان لاستلاب الابقار وغيرها من الموارد الاخري. وعلي الرغم من التشابه في بعض المعتقدات والممارسات فان الحديث عن تراث ثقافي موحد لجنوب السودان حديث ينطوي علي تجاوز كبير. فالقبيلة ظلت دائما هي المرجعية الثقافية ممثلة في ثقافة تقديس الاسلاف . ولذلك فان انماط كسب العيش او طرائق ممارسة الحياة ظلت متأثرة بمعطيات البيئة وخبرة الاسلاف في التعاطي مع البيئة ومع الكون والحياة بصورة عامة . وكان انعدام اللغة الواصلة بين القبائل سبباً آخر لتكريس العزلة الثقافية القبلية . ثم أن اتجاه القبائل للمعيشة متباعدة في شكل عشائر بصورة لا تعين علي انشاء القري بله عن البلدات والمدن كان هو الآخر عاملاً في هشاشه النسيج الاجتماعي.  فمن المعلوم أن التحضر الذي هو المعيشة في قري كبري أو بلدات أو مدن يشكل اكبر العوامل  في دمج المجموعات السكانية لتشكل مجتمعات متماسكة قابلة للادماج في مجموعة اكبر يمكن ان يطلق عليه مفردة شعب. هذا الفراغ الاتصالي بسبب تباعد السكان وانعدام اللغة العابرة الا في المدن . وهي اللغة العربية البسيطة التي يطلق عليها عربي جوبا احياناً ولا يطلق عليها اي اسم في الاحيان الأخري جعل من الجنوبين حالة فريدة مقاومة للاندماج الاجتماعي.  فحتى عند هجرتهم للمدن الكبري فان القبائل لا تتساكن بل تنشئ مجمعاتها الخاصة بها . وينتقل نظام القبيلة الي المجمع الجديد بتقاليده وأسلوب حياته وسلاطينه بل وحتي عداءاته التاريخية. لذلك فان التحدي الأعظم الذي يواجه قيادات الجنوب اليوم هو تسريع أنماط الاندماج الاجتماعي عبر وسائل متعددة أهمها انشاء البلدات الجديدة أو توسيع تلك القديمة . ونشر التعليم ومكافحة النزاعات القبلية وسد فجوات الثقة بين القبائل . ولكن كل شواهد سلوك الحركة الشعبية لا تبشر بأنها تتحرك في ذلك الاتجاه بل هي تتحرك في اتجاه الفرز القبلي . وتكريس النزاعات القبلية . بل ومحاربة اللغة العربية والتي يمكن ان يعين انشارها علي تحقيق اتصال لغوي وانساني بين قبائل الجنوب. ومحاولات استبدال اللغة العربية بالانجليزية أو السواحلية أو محاولة فرض لغة قبيلة بعينها يبدو فشلها ظاهراً للعيان لكل ذي بصيرة.
الاقتصاد ركيزة الدولة
        ولئن كان لابد للدولة من شعب متجانس فلابد لهذا الشعب من اقتصاد يكفي احتياجاته المباشرة والتكميلية. وربما ألهي النظر للموارد المالية المتاحة لجنوب السودان من خلال تصدير النفط الانتباه عن التركيز عن أزمة حقيقية في الاقتصاد الكفائي . أي قدرة شعب جنوب السودان علي تحقيق انتاج يكفي غذاءه واحتياجاته الاساسية. فالتحولات الكبيرة التي تجمعت من التغيرات البيئية ومن أثار الهجرة واللجؤ علي ثقافة العمل والغذاء تجعل مشكلة الانتاج الغذائي مشكلة حقيقية يواجهها جنوب السودان. ولن يجديه  أن يعتمد شماله علي واردات شمال السودان وجنوبه علي واردات شرق افريقيا. فهذه الواردات ستجعل الدولة الجديدة عالة علي الاستيراد مما يضعف قدرتها علي النمو الي مدي بعيد. ولابد من التخطيط والعمل السريع لتحويل تربية الابقار الي نمط اقتصادي قادر علي تلبية احتياجات الغذاء والمساهمة في الاقتصاد النقدي . كما يجب توسيع الرقعة الزراعية وتنويعها بحيث تستجيب لحاجات السكان الغذائية الجديدة. وكذلك تطوير مهنه الصيد للقبائل التي تعتمد علي صيد الاسماك في طعامها. وقد لاتبدو المشكلة ماثله في حجمها الطبيعي. ولكن القيادة في جنوب السودان ستتفاجأ بحاجتها للتعامل مع وضع انساني مريع حيث تنشأ معسكرات للحائعين حول المدن مما ينشئ وضعاً مشابهاُ للأوضاع التي سادت في شرق افريقيا لبعض الوقت. هذا الوضع يمكن ان يتجه لمزيد من التدهور اذا أصبحت النزاعات القبلية وتمردات قادة الجيش الشعبي عاملاً آخر لدفع موجات من النزوح وتعطيل الحياة الانتاجية الاقتصادية.
الأمن الداخلي والاقليمي:
        عدم توفر الأمن الداخلي بسبب التمرد أو النزاع القبلي ومهددات الصراع الاقليمية بسبب انتهاج الحركة لسياسة بناء محور بين جنوب السودان ويوغندا موجهاً ضد شمال السودان كل ذلك سيجعل فرص انشاء دولة قابلة للبقاء والنمو فرصاً ضئيلة للغاية. وإذا كان ثلة من العقلاء في جنوب السودان يدركون أهمية تحويل شعارات الحركة في حقوق الانسان والديمقراطية الي واقع مملوس هنالك الا أن الافعال لا تزال تناقض الاقوال. فالحركة فشلت في بناء ديمقراطية تعددية.  ولا تزال تحرص علي استدامة الواقع الشمولي الذي كرسته خلال سنوات الفترة الانتقالية. كما أن اتباع سياسة الفرز القبلي توشك أن تشعل نزاعات قبلية داخل الجيش الشعبي وخارجة تمرداً علي سلطته. فشعور قبائل باكملها مثل قبيلة الشلك بأن الجيش الشعبي أصبح مهدداً لبقاء ومصالح القبيلة دلالة علي فشل قادة الحركة في ادراك ضرورة اضفاء صفة المدنية علي الدولة . اي ابعاد العسكريين عن الهيمنة علي الدولة وكذلك بناء دولة المواطنه التي يتساوي فيها جميع المواطنين باختلاف قبائلهم او أديانهم. ولكن بالنظر الي المشهد في جنوب السودان فان توقع قيام دولة مواطنة مدنية في جنوب السودان يبدو توقعاً يستند علي الآمال باكثر من استناده علي الوقائع. ولئن كانت دولة جنوب السودان قد جاءت نتاجاً لحركة تمرد فان اخطر ما يهددها الآن هو الذي أنتجها أي التمرد نفسه . والتمرد تزكيه نزاعات قبلية وصراعات شخصية واطماع في موارد مالية لايحرسها نظام فاعل من الكفاءة او الرقابة الادارية والمالية. ولذلك سيتوجب علي القيادة ان تسرع في احتواء ظواهر التمرد من خلال توافقات سياسية . ومن خلال بتاء ديمقراطية حقيقية فالفرصة لا تزال متاحه لأنه وحتي هذه اللحظة فان هذه التمردات معزولة عن كل دعم اقليمي او تعاطف دولي.  ولكن ذلك سرعان ما يتبدد نتاجاً لسياسات الدولة الجديدة او أطماع الدول حولها في تدوير مواردها او نتاجاً لتحركات لوبيات او أجندة دولية سرعان ما تجد من يعبر عنها وعن أجندتها في واقع الدولة الجديدة.
خاتمة
        لسنا نذكر كل ذلك رغبة منا في رؤية فشل المشروع الانفصالي في جنوب السودان لأن فشل الدولة الجديدة لن يحقق شيئاً للسودان سوي دفع مزيد من النازحين واللاجئين وربما تهديد الأمن الوطني للبلاد ولكننا ننظر في الأفق الممتد أمام الدولة الجديدة فلا نري الا أفقاً ملبداً بالغيوم المعتمة.  ولكن الرجاء هو ان تنكشف كل تلك الغيوم عن فجر جديد لدولة مدنية ديمقراطية في جنوب السودان . لأن مولد تلك الدولة بتلك الصورة سيشكل دفعاً لجهود السودان في تحقيق الاستقرار والتنمية لتكون صفقة انفصال الجنوب رابحه للجميع.

أنتهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــي،،،،،

الثلاثاء، 14 يونيو 2011

دولة جنوب السودان.. الافق المعتم 2-1



       تبقت أسابيع علي انفصال جنوب السودان في التاسع من يوليو القادم لتولد أحدث دولة في افريقيا والعالم وذلك ما يحذب الأنظار لمتابعة أحداث الميلاد الجديد. وهو ميلاد يجئ في ظروف عسيرة بالنظر الي تدهور الاوضاع الأمنية في الجنوب وبين الجنوب وشمال السودان . وتصاعد الخلافات السياسية مع القوي الجنوبية الأخري.  وعدم تهيؤ الجنوب لتحمل المسئولية الاقتصادية المترتبة علي الانفصال . والتي تعني أول ما تعني الاستعداد لتوفير الطعام والاحتياجات الضرورية للمواطنين في الجنوب.  وتوفير فرص عمل لمئات الآلاف الذي نزحوا او هجُروا بواسطة الحركة الشعبية من شمال السودان دون تدبر في كيفية اكتسابهم لعيشهم في ظل انتقاء القدرة علي بناء اقتصاد كفائي او نقدي في الدولة الجديدة.
الحركة الشعبية.. ماهي؟:-
مما يدخل في أبواب الكسل الفكري هو أخذ الأشياء علي معناها اللفظي الشكلي لا معناها الدلالي العملي. وقد اعتاد الناس أن يُعرفوا الحركة الشعبية لتحرير السودان بأنها حركة تمرد علي الدولة السودانية.  تقاتل بدعم من قوي اقليمية ودولية لتخليق واقع مغاير بالكامل في الدولة السودانية لتصنع ما تسميه بالسودان الجديد أوهى تعمل علي اقتطاع الجزء الجنوبي منه ليكون هو ذلك السودان الجديد. بيد أن سعي جماعة مسلحة لتغيير الواقع السياسي في بلد في البلدان ليس بالشئ الجديد فهو أمر تجشمه كثيرون عبر الانشقاقات المتمردة أو الانقلابات أو حتي الغزو الأجنبي. ولكن ما يميز أية حركة تمرد او انقلاب عن الحركات الأخري هو الفكرة والقيادة. فالفكرة لابد أن تكون واضحة وملهمة . والقيادة لابد من أن تمتلك القدرة علي الاستقطاب والحشد والتوجيه. وبهذه المقاييس فان الحركة الشعبية تشكل تحدياً لمصنفها ومُعرفها. ذلك أنها حركة بلا أيدولوجية فكرية واضحة. فإن واقع الاعتراض علي سيرورة الامور بالدولة السودانية لا يحول ذلك الاعتراض الي فكرة بناءة. وقد كانت الحركة في أول شأنها يسيرة علي التصنيف.  ذلك أنها وبحكم تحالفها مع نظام منقستو  هيلا ماريام الماركسى قد تبنت (مانفستو) اعلاناً ايدولوجياً يصفها في مصاف الحركات اليسارية الماركسية. وبناء علي هذا الاعلان فقد وجدت تعاطفاً من دول المنظومة الاشتراكية علي الرغم من تحالف الحركة من جهة أخري مع مجموعة من الكنائس المتشددة . والتي تعتبر جنوب السودان نقطة تماس مع الزحف الاسلامي نحو افريقيا . ولأجل المانفستو الماركسى انفتحت فرص التكوين الأيدولوجي والتدريب العسكري للحركة في كوبا علي الخصوص. و التي أصبحت بمثابة المحضن الثوري الثاني للحركة بعد أثيوبيا. وهنالك تلقت كوادر عديدة من الكوادر الشابة تكوينها الفكري وتدريبها العسكري حتي قال باقان أموم في يوم من الأيام أن انتماءه لكوبا أكبر من انتمائه للسودان. لماذا لا اليست الايدولوجية الماركسية تقول( الدجي يرضع من ضؤ النجيمات البعيدة).
بيد أن التحولات في الواقع الأقليمي والتي اضطرت الحركة الي اللجؤ الي كينيا والي التعويل علي دعم الكنائس المتشددة ومجموعات الضغط الأمريكية الأوربية ألقت بالمانفستو الماركسى الي ركن المزبلة القصى ولم يعد أحد من المتابعين أو المراقبين يسمع بذلك المانفستو وانما تحول الزعيم نفسه ليكون هو الفكرة . وأصبح كتاب (جون قرنق يتكلم) هو مصدر الأفكار للحركة . وصارت محاضرات القائد العسكري والزعيم السياسي للحركة التي صُورت لتناسب التحالف الجديد هي الفكرة . وبذلك لم تعد الفكرة هي الاشتراكية العلمية الثورية وجرى استبدال التحليل الجدلي الماركس الذي يقرر أن جوهر الصراع طبقي بفكرة التهميش التي تزعم أن جوهر الصراع أثني ثقافي . ولئن كان حل الاشكالية لدي الاشتراكيين العلميين هو توحيد قوة العمل وتمكين الطبقة العاملة فان الحل فى الفكرة الجديدة هو استبدال تمكين اثنيات بزعم انها هي المسيطرة باثنيات أخري بزعم انها هي المهمشة . ثم أن الثقافة التي هي لدي ماركس تابعة للانحياز الطبقي تصبح لدي جون قرنق تابعة للتصنيف العرقى. ولذلك فان مقولة تحرير السودان لا تعني تحرير السودان من نظام حكم بعينه وانما تحرير البلاد من سيطرة مجموعة اثنية "يطلق عليها الجلابة" مجازاً ومن ثقافة متعالية بزعمهم هي الثقافة العربية الاسلامية . وهكذا تطورت الحركة من حركة بناء اشتراكي "مهما يكن اختلاف الرأي حول ذلك" الي حركة هدم ثقافي اثني.
مأزق الفكرة
        هذا التحول أدخل الحركة في مأزق ضيق والمأزق بطبعه ضيق لأنه حجر الضب . وهكذا أدخلت الحركة نفسها في حجر ضب خرب. ذلك أن التجاذب الاثني العرقي هو آفة الجنوب الأولي . فاذا تحول الصراع من صراع طبقي الي صراع اثني فان أول التهاب النار سيكون في جنوب السودان بادئ ذى بدء. واما الاشارة للمسألة الثقافية المتصلة باللغة والقيم الدينية والاجتماعية فانه يبطل الزعم بأن جنوب السودان  بصفته وحدة اقليمية يمكن أن ينفك من الوشائج التي تصله باللغة العربية لساناً ناظماً لكل العرقيات والقبائل بجنوب السودان (وحتي في جيش الحركة نفسها) . او تلك الأواصر التي تربطه بالقيم الدينية والاجتماعية والأخلاقية في شمال السودان. لاشك ان الجنوبيين الذي عاشوا في شرق افريقيا في كينيا ويوغندا قد أدركوا انهم لا يشكلون تواصلاً للقيم الثقافية والاجتماعية السائدة في تلك البلدان بقدريمثلون امتداداً لما يُسمي بالثقافة السودانية . التي وان كانت القيم الاسلامية واللغة العربية مشربها الرئيس الا ان مواردها عديدة . ومتجذرة في الثقافات المتنوعة في ارجاء السودان المختلفة التي تعدد فيها اللهجات والعادات والمثل الاجتماعية . ومأزق الحركة الثقافي هو انها ليست داعية للتباعد من اللغة العربية والثقافة السودانية بما هي عليه لتتقارب مع لغة بديلة في جنوب السودان أو قيم ثقافية واجتماعية محلية بل انها تريد أن تكون ناسخاً للغة الانجليزية ولقيم الثقافة الغربية في محاولة عبثية لغرسها في تربة افريقية عجزت تلك اللغة وأخواتها وتلك الثقافة واضرابها ان تضرب جذورها فيها. فاللغة الانجليزية مهما ظفرت به من وضع رسمي في شرق افريقيا عجزت ان تخترق الحد الفاصل بين النخبة والشعب لتكون لغة الشعب. فالسواحلية أثبتت أن اللغة الاصلية غير قابلة للاستبدال مهما استقوت الدخيلة بالدساتير والقوانين والتعليم والاعلام الرسمي. وكذلك فان اللغة العربية والهوسا وغيرها من اللغات الأهلية في غرب افريقيا أوقفت اللغة الفرنسية قي أسوار المؤسسات الرسمية والمدراس.  وظل الشعب حريصاً علي لغتة وثقافته وهويته التي هي اكبر من كل متعلق آخر من لبوس الحضارة الغربية او سمتها او قيمها المتبدلة المتحولة بتبدل احتياجات الانسان المادية او طغيان غرائزه السفلية.
        مأزق فكرة الحركة الشعبية أنها ترمي الأغيار بدائها الذي هو تأسيس الهوية لا علي الفكرة والعقيدة والمثل الاجتماعية والاخلاقية بل تاسيسها علي الأصل العرقي.  ولئن كانت الحركة لا تبصر ارتداد هذا المفهوم عليها فهي مثل ذلك الفرعون الذي لا يري عورة نفسه بينما يكتم الناس من حوله صيحات الدهشة والاستغراب . فعندما كانت الحركة تفاوض الحكومة في نيفاشا كان مكتبها القيادي يضم ثلاثة عشراً فرداً من قبيلة واحدة واثنان فقط من كل قبائل الجنوب الأخري. ولم تكن الغلبة الاثنية علي قيادة الحركة في الماضي أو الحاضر بغائبه علي كل ذي بصر بينما تقول الحركة أنها حرب علي الاقصاء الاثني وعلي التهميش العرقي.
        ومأزق الحركة الفكري والثقافي أنها ليست حركة لاثبات خصوصية المكون الثقافي الجنوبي واعلاء حظه في اثراء الثقافة القومية بل هي داعية تغريب alienation  واستغراب westernization . وهي بذلك تقف في الموضع الموازي لكل حركات التحرير الافريقية.  بدءاً بكينيا كنيتانا الي جنوب افريقيا مانديلا والتي جميعها خركات اعتزاز بالثقافة الافريقية ودعوات لاحياء تراثها وآدابها ولغاتها. وقد لايستغرب العليم ذلك الموقف فالحركة الشعبية بخلاف حركات تمرد وثورة عديدة لم تعتمد علي تعاطف المواطنين المحليين ودعمهم واسنادهم بقدر ما اعتمدت علي دعم مجموعات الضغط والمنظمات الأجنبية.  حتي كادت ان تصير بل اصبحت ربيباُ و حركة متبناة للمنظمات غير الحكومية الأجنبية ومجموعات الضغط الديني الغربى . ولا تزال وهي تدنو الي نقطة التحول من وضعها الراهن الي استشراف الدولة الجديدة تضع مُعولها الأكبر لا علي شعبها بل علي تلك النجيمات البديلة في أمريكا وأوربا.



نواصــــــــــــــــــــــــــــــــل،،،،،

الثلاثاء، 7 يونيو 2011

دارفور.. خارطة طريق الي المستقبل


        كان اجتماع أصحاب المصلحة في دارفور علامة فارقة في سياق عملية التفاوض التي استمرت من يناير 2009 الي يونيو 2011م. فقد كانت رسالته واضحة لا لبس فيها لأهل الداخل في السودان وفي دارفور ولأهل الخارج فيما يسمي بالمجتمع الدولي أن أهل دارفور يريدون السلام ويريدونه الآن بغير تلكؤ . وأن الحركات التي لا تسارع الي اعتماد وثيقة السلام وتوقيعها فأن قطار السلام سوف يتخذها ظهرياً وقد لا يتيسر لها ابداً اللحاق  به فيما بعد في أية محطة قادمة.
دارفور..مطلوب الأمن:-
أوضح أهل دارفور وعلي رأسهم النازحون واللاجئون والقادة المنتخبون وأعضاء المجتمع المدني والأهلي بل والمهاجرون أن المطلوب الأول عودة الحياة الي طبيعتها بوضع السلاح وترسيخ الأمن.  واسترجاع الأستقرار توطئة لتكثيف الخدمات . وبدء مشروعات التنمية المادية والبشرية . وترتيب عودة النازحين واللاجئين واللاجئين وتهيئة الظروف الملائمة للعودة والاستقرار. وتمكين العائدين من العمل والانتاج من جديد. فلئن كانت الأزمة في دارفور محنة قد استطالت فأنها المحنة توشك ان تتحول الي منحة. لأن ما من أمر قادر علي تغيير وجة الحياة ودفعها بقوة نحو مسارات جديدة مثل الحراك العظيم الذي تنشئة الحروب.فالحرب وان كانت محنة مرة المذاق فان قدرتها علي اعادة صياغة الانسان المبتلي بنارها ليس لها مثيل. وقد وضح من تجارب الامم الأخري التي ابتليت بالحروب كيف أعقبت كابوس الحرب يقظة شاملة ونهضة عارمة وحراك سريع. فاليابان استطاعت بسبب الدافعية الخلاقة التي صنعتها الحرب أن تتحول في عشر سنوات الي دولة صناعية كبري ومثل اليابان كانت المانيا التي خرجت من الحرب وكل شئ فيه وقد اصابة الدمار الا روح المغالبة والتحدي لدي الشعب الذي اصطلي بالحرب كما لم يصطل بها شعب قبله ولا بعده . ولكن المانيا استطاعت ان تصبح قوة أوروبا الاقتصادية الكبري. وهذه الدافعية نحو النهضة وصناعة الحياة من  جديد هي الدرس الأكبر للشعوب. ذلك ان ما من شئ أقدر علي اخصاب الحياة مثل كسر رتابة الحياة والانتقال ضرباً في الارض طوعاً وكرهاً .  فكما أن حرث الارض وتحريكها يصنع الفارق بين الارض الوفيرة العطاء والارض الشحيحة العطاء  فان الحراك الكبير الذي يصنعه النزوح واللجؤ والهجرة بسبب الحرب يؤدي لأحساس جديد باغتنام الفرص لتحسين حياة الافراد والجماعات والارتقاء بتجاربهم وتطلعاتهم . واستنكافهم من العودة الي ذات مستوي الحياة الذي تقبلوه قبل ان تحل عليهم قارعة الحرب وطارئة النزوح واللجؤ. وقد لاحظ علماء الاجتماع كيف أن الحروب تنشئ ما يسمونه بظاهرة طائر الفينق والذي تحكي الاسطورة انه يحترق حتي يصير رماداً ثم لا يلبث أن ينهض أقوي مما كان من كوم الرماد. وظاهرة طائرة الفينق هي التي تفسر كيف أن كارثة الحرب تصنع من الجماعات الغارقة في سبات تاريخي أمماً ناهضة ذات تطلعات عظيمة . وذات قدرات مذهلة علي اجتراح مسارات جديدة والانطلاق في أفاق رحبة لم تكن منها بمرأي في يوم من الايام. وأهل دارفور اليوم ليسوا أهلها بالامس . وهم الي الغد أقرب منهم الي البارحة فآمالهم قد صارت كباراً  وامتلأت أعينهم بمشاهد كثيرة وأحتشدت ذاكرتهم بخبرات جمة. ولذلك فان معادهم وإن عادوا الي قرآهم بواديهم فأنه معاد محمود لأناس تعلموا من دوروس الحرب كيف يصنعون الحياة الجديدة. لذلك فان أعجل مطلوباتهم هو الأمن ليعودوا من جديد لاستئناف الحياة ليس بمثل ايقاعها القديم الرتيب ولكن باندفاع قوي نحو تحقيق تطلعات تتزايد وتجدد لتترقي بها جودة الحياة وتزدهر أفاقها.
وثيقة دارفور.. وعود التنمية:
          بيد أن الأمن لن يكون وحده هو ثمرة السلام في دارفور. فلئن تهيأ لدارفور شعب متلهف علي استعادة القدرة علي الكدح من اجل تحسين الحياة فان ما سيتوفر لدارفور من موارد لم تتوفر لجهة من السودان قبلها سوف يمنحها فرصة جديدة لنهضة غير مسبوقة. فالأموال التي اكتتبت بها الحكومة في ستة أعوام تقارب مبلغ ثلاثة مليار دولار . وهنالك اكتتاب سابق من دول المؤتمر الاسلامي مقداره يقارب المليار دولار.  وهنالك بنك قطر للتنمية في دارفور الذي يستهدف ملياري دولار راسمالاً له وحراكاً تمويلياً قد يقارب العشرة مليارات في غضون السنوات الستة القادمة . ثم  هنالك مؤتمر المانحين الذي يترجي ان يعقد بعد اكمال تحديد احتياجات دارفور التنموية من خلال البعثات المشتركة الوطنية والدولية. وقبل هذا واثناءه فان موارد دارفور الغنية موعودة بالاستكشاف والاستثمار سواء في مجال المعادن والبترول او في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية والسياحة والصناعات التحويلية. ولقد بدأ التعدين للذهب وبدأ الحفر لاستخراج البترول . وقريباً سوف يعقد مؤتمر دولى يستهدف جمع مبلغ يربو علي مليار دولار من أجل المياه في دارفور.  لأن العالم كله أصبح يدرك أن شح المياه هو الذي صنع الحرب وأن وفرتها هي التي سوف تصنع السلام والنهضة والتنمية. وحقيبة السلام تحمل لدرافور خططاً للتنمية البشرية كما تحمل خططاً للاعمار والتنمية الاقتصادية. ولذلك فان من أولويات حكومات دارفور وسلطتها الانتقالية التركيز علي التنمية البشرية . وتحسين وترفيع مستوي الجامعات والبحث العلمي وتوفير فرص عديدة بالداخل والخارج لتدريب ابناء دارفور ورفع قدراتهم وتعويض ناشئتهم عن سنوات الحرب المضيعة . لأن الجميع باتوا يدركون ان أهم مدخلات صناعة المستقبل الزاهر هو رأس المال البشري الذي يستشرف بناء للقدرات وتوظيفاً لها لا ينتهي الي حدٍ إلا ويتجاوزه الي افقٍ جديد.
دارفور..بوابة السودان الغربية:-
          ولئن كانت التنمية وعداً مرئياً فان دارفور التي كانت باباً خلفياً يؤتي السودان من قبله فانها تؤشك ان تتحول الي بوابة السودان علي افريقيا الغربية. ذلك أن طريق الانقاذ الغربي الذي يخطط له ليكون طريقاً قارياً يربط السودان بتشاد وافريقيا الوسطي ثم يصل بدول أفريقيا الأخري . وبذلك سيكون هو شريان أفريقيا الي  البحر الأحمر الذي ظلت افريقيا في غربها تقصده في رحلات الحج والكسب عبر القرون الطوال. ولكن الطريق البري لن يكون وحده هو الواصل بين افريقيا في ساحلها الغربي الي ساحلها الشرقي فان خط سكة حديد بورتسودان – داكار الذي سوف يصل نيالا بتشاد ثم امتداداً عبر دول غرب افريقيا الي السنغال ربما يكون واحداً من اكبر مشروعات السكة حديد التي يخطط لها حالياً علي مستوي العالم باسره. ولم يعد ذلك الحلم عسير المنال بل أن الخطط قد اكتملت لتمويله من مصادر متعددة منها بنك التنمية الاسلامي وبنك التنمية الأفريقي وربما البنك الدولي في اظار مشروعاته لتحريك الاقتصادات الافريقية ومغالبة الفقر في معاطنه الأكثر بوساً. وعندما تمتد خطوط السكة حديد لتصل دارفور بجوارها الغربي فان جني الأرباح لن يكون اقتصادياً نحسب بل سوف تنفتح أفاق جديدة للثقافة السودانية التي كان السودان قائدا ورائدا لها عبر القرون في فنونه وموسيقاه وانماط ملبسه وأضرب تراثه الثقافي الذي يمتد من المحيط الي البحر الاحمر على طريق الحج الذي لم يكن سفر عبادة فحسب بل كان أسلوب حياة وهجرة لكسب العيش والأجر. فلا غرو أن اهتم سلاطين دارفور قديماً بالحج وأوقافه وبكسوة الكعبة المشرفة . فقد أدركوا أن ذلك هو سبيلهم ليكونوا القادة والزعماء في افريقيا واليوم تسنح الفرصة من جديد لدارفور وللسودان ليستعيد دوره في أفريقيا رائداً للثقافة والحضارة وقائداً لتحالف عظيم من أجل النهضة والتكامل والتقدم الاقتصادي لطائر النار الأفريقي الذي سينهض وشيكاً من وسط الرماد.



إنتهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي،،،،،