كان اجتماع أصحاب المصلحة في دارفور علامة فارقة في سياق عملية التفاوض التي استمرت من يناير 2009 الي يونيو 2011م. فقد كانت رسالته واضحة لا لبس فيها لأهل الداخل في السودان وفي دارفور ولأهل الخارج فيما يسمي بالمجتمع الدولي أن أهل دارفور يريدون السلام ويريدونه الآن بغير تلكؤ . وأن الحركات التي لا تسارع الي اعتماد وثيقة السلام وتوقيعها فأن قطار السلام سوف يتخذها ظهرياً وقد لا يتيسر لها ابداً اللحاق به فيما بعد في أية محطة قادمة.
دارفور..مطلوب الأمن:-
أوضح أهل دارفور وعلي رأسهم النازحون واللاجئون والقادة المنتخبون وأعضاء المجتمع المدني والأهلي بل والمهاجرون أن المطلوب الأول عودة الحياة الي طبيعتها بوضع السلاح وترسيخ الأمن. واسترجاع الأستقرار توطئة لتكثيف الخدمات . وبدء مشروعات التنمية المادية والبشرية . وترتيب عودة النازحين واللاجئين واللاجئين وتهيئة الظروف الملائمة للعودة والاستقرار. وتمكين العائدين من العمل والانتاج من جديد. فلئن كانت الأزمة في دارفور محنة قد استطالت فأنها المحنة توشك ان تتحول الي منحة. لأن ما من أمر قادر علي تغيير وجة الحياة ودفعها بقوة نحو مسارات جديدة مثل الحراك العظيم الذي تنشئة الحروب.فالحرب وان كانت محنة مرة المذاق فان قدرتها علي اعادة صياغة الانسان المبتلي بنارها ليس لها مثيل. وقد وضح من تجارب الامم الأخري التي ابتليت بالحروب كيف أعقبت كابوس الحرب يقظة شاملة ونهضة عارمة وحراك سريع. فاليابان استطاعت بسبب الدافعية الخلاقة التي صنعتها الحرب أن تتحول في عشر سنوات الي دولة صناعية كبري ومثل اليابان كانت المانيا التي خرجت من الحرب وكل شئ فيه وقد اصابة الدمار الا روح المغالبة والتحدي لدي الشعب الذي اصطلي بالحرب كما لم يصطل بها شعب قبله ولا بعده . ولكن المانيا استطاعت ان تصبح قوة أوروبا الاقتصادية الكبري. وهذه الدافعية نحو النهضة وصناعة الحياة من جديد هي الدرس الأكبر للشعوب. ذلك ان ما من شئ أقدر علي اخصاب الحياة مثل كسر رتابة الحياة والانتقال ضرباً في الارض طوعاً وكرهاً . فكما أن حرث الارض وتحريكها يصنع الفارق بين الارض الوفيرة العطاء والارض الشحيحة العطاء فان الحراك الكبير الذي يصنعه النزوح واللجؤ والهجرة بسبب الحرب يؤدي لأحساس جديد باغتنام الفرص لتحسين حياة الافراد والجماعات والارتقاء بتجاربهم وتطلعاتهم . واستنكافهم من العودة الي ذات مستوي الحياة الذي تقبلوه قبل ان تحل عليهم قارعة الحرب وطارئة النزوح واللجؤ. وقد لاحظ علماء الاجتماع كيف أن الحروب تنشئ ما يسمونه بظاهرة طائر الفينق والذي تحكي الاسطورة انه يحترق حتي يصير رماداً ثم لا يلبث أن ينهض أقوي مما كان من كوم الرماد. وظاهرة طائرة الفينق هي التي تفسر كيف أن كارثة الحرب تصنع من الجماعات الغارقة في سبات تاريخي أمماً ناهضة ذات تطلعات عظيمة . وذات قدرات مذهلة علي اجتراح مسارات جديدة والانطلاق في أفاق رحبة لم تكن منها بمرأي في يوم من الايام. وأهل دارفور اليوم ليسوا أهلها بالامس . وهم الي الغد أقرب منهم الي البارحة فآمالهم قد صارت كباراً وامتلأت أعينهم بمشاهد كثيرة وأحتشدت ذاكرتهم بخبرات جمة. ولذلك فان معادهم وإن عادوا الي قرآهم بواديهم فأنه معاد محمود لأناس تعلموا من دوروس الحرب كيف يصنعون الحياة الجديدة. لذلك فان أعجل مطلوباتهم هو الأمن ليعودوا من جديد لاستئناف الحياة ليس بمثل ايقاعها القديم الرتيب ولكن باندفاع قوي نحو تحقيق تطلعات تتزايد وتجدد لتترقي بها جودة الحياة وتزدهر أفاقها.
وثيقة دارفور.. وعود التنمية:
بيد أن الأمن لن يكون وحده هو ثمرة السلام في دارفور. فلئن تهيأ لدارفور شعب متلهف علي استعادة القدرة علي الكدح من اجل تحسين الحياة فان ما سيتوفر لدارفور من موارد لم تتوفر لجهة من السودان قبلها سوف يمنحها فرصة جديدة لنهضة غير مسبوقة. فالأموال التي اكتتبت بها الحكومة في ستة أعوام تقارب مبلغ ثلاثة مليار دولار . وهنالك اكتتاب سابق من دول المؤتمر الاسلامي مقداره يقارب المليار دولار. وهنالك بنك قطر للتنمية في دارفور الذي يستهدف ملياري دولار راسمالاً له وحراكاً تمويلياً قد يقارب العشرة مليارات في غضون السنوات الستة القادمة . ثم هنالك مؤتمر المانحين الذي يترجي ان يعقد بعد اكمال تحديد احتياجات دارفور التنموية من خلال البعثات المشتركة الوطنية والدولية. وقبل هذا واثناءه فان موارد دارفور الغنية موعودة بالاستكشاف والاستثمار سواء في مجال المعادن والبترول او في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية والسياحة والصناعات التحويلية. ولقد بدأ التعدين للذهب وبدأ الحفر لاستخراج البترول . وقريباً سوف يعقد مؤتمر دولى يستهدف جمع مبلغ يربو علي مليار دولار من أجل المياه في دارفور. لأن العالم كله أصبح يدرك أن شح المياه هو الذي صنع الحرب وأن وفرتها هي التي سوف تصنع السلام والنهضة والتنمية. وحقيبة السلام تحمل لدرافور خططاً للتنمية البشرية كما تحمل خططاً للاعمار والتنمية الاقتصادية. ولذلك فان من أولويات حكومات دارفور وسلطتها الانتقالية التركيز علي التنمية البشرية . وتحسين وترفيع مستوي الجامعات والبحث العلمي وتوفير فرص عديدة بالداخل والخارج لتدريب ابناء دارفور ورفع قدراتهم وتعويض ناشئتهم عن سنوات الحرب المضيعة . لأن الجميع باتوا يدركون ان أهم مدخلات صناعة المستقبل الزاهر هو رأس المال البشري الذي يستشرف بناء للقدرات وتوظيفاً لها لا ينتهي الي حدٍ إلا ويتجاوزه الي افقٍ جديد.
دارفور..بوابة السودان الغربية:-
ولئن كانت التنمية وعداً مرئياً فان دارفور التي كانت باباً خلفياً يؤتي السودان من قبله فانها تؤشك ان تتحول الي بوابة السودان علي افريقيا الغربية. ذلك أن طريق الانقاذ الغربي الذي يخطط له ليكون طريقاً قارياً يربط السودان بتشاد وافريقيا الوسطي ثم يصل بدول أفريقيا الأخري . وبذلك سيكون هو شريان أفريقيا الي البحر الأحمر الذي ظلت افريقيا في غربها تقصده في رحلات الحج والكسب عبر القرون الطوال. ولكن الطريق البري لن يكون وحده هو الواصل بين افريقيا في ساحلها الغربي الي ساحلها الشرقي فان خط سكة حديد بورتسودان – داكار الذي سوف يصل نيالا بتشاد ثم امتداداً عبر دول غرب افريقيا الي السنغال ربما يكون واحداً من اكبر مشروعات السكة حديد التي يخطط لها حالياً علي مستوي العالم باسره. ولم يعد ذلك الحلم عسير المنال بل أن الخطط قد اكتملت لتمويله من مصادر متعددة منها بنك التنمية الاسلامي وبنك التنمية الأفريقي وربما البنك الدولي في اظار مشروعاته لتحريك الاقتصادات الافريقية ومغالبة الفقر في معاطنه الأكثر بوساً. وعندما تمتد خطوط السكة حديد لتصل دارفور بجوارها الغربي فان جني الأرباح لن يكون اقتصادياً نحسب بل سوف تنفتح أفاق جديدة للثقافة السودانية التي كان السودان قائدا ورائدا لها عبر القرون في فنونه وموسيقاه وانماط ملبسه وأضرب تراثه الثقافي الذي يمتد من المحيط الي البحر الاحمر على طريق الحج الذي لم يكن سفر عبادة فحسب بل كان أسلوب حياة وهجرة لكسب العيش والأجر. فلا غرو أن اهتم سلاطين دارفور قديماً بالحج وأوقافه وبكسوة الكعبة المشرفة . فقد أدركوا أن ذلك هو سبيلهم ليكونوا القادة والزعماء في افريقيا واليوم تسنح الفرصة من جديد لدارفور وللسودان ليستعيد دوره في أفريقيا رائداً للثقافة والحضارة وقائداً لتحالف عظيم من أجل النهضة والتكامل والتقدم الاقتصادي لطائر النار الأفريقي الذي سينهض وشيكاً من وسط الرماد.
إنتهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي،،،،،
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق