الثلاثاء، 19 يوليو 2011

دارفور اتجاه الطريق الى الامام1-3

            شهد الرابع عشر من يوليو ٢٠١١ توقيع اتفاق بين حكومة السودان وحركة التحرير والعدالة لاعتماد وثيقة الدوحة للسلام طريقا لإرساء السلام فى دارفور. وبذلك انطوت مسيرة ثلاثين شهراً من التفاوض والتشاور الداخلي والخارجى. وكان مؤتمر كل أصحاب المصلحة فى دارفور قد أجاز الوثيقة فى ٣١ مايو الماضى باعتبارها أساسا لأية اتفاقية سلام تبرمها الحكومة مع الحركات التى ظلت تفاوضها فى الدوحة. ولم يكن من المستغرب أن لا توقع حركة العدل والمساواة اتفاقا لأعتماد الوثيقة كما فعلت صنوها حركة التحرير والعدالة. فواقع الحركة الراهن من احتجاز زعيمها فى طرابلس وانقسام القيادات خارج الدوحة الى فريقين راغب وآخر يفضل الانتظار كما اعتادت الحركة أن تفعل وضع الحركة فى منزلة بين المنزلتين القبول والرفض. فلا هى دخلت ولا هى خرجت.
فرقاء الدوحة وشركاؤها
عندما بدأ مشوار التفاوض بالدوحة كان الفرقاء كُثر فآثرت الوساطة أن تعمل على توحيدهم بما يقلل من عُسر مهمتها وعاونها فى ذلك شركاء اقليميون ودوليون كان أبرزهم المبعوث الأمريكى  للسودان الجنرال أسكوت غرايشون. وكانت ليبيا من قبل قد أفلحت فى إقناع ثمان حركات بدعم من الجنرال لكى تضم صفوفها .وحاول  غرايشون ضم مجموعة أخرى أسماها مجموعة خارطة الطريق ممن لا يفضلون الذهاب لطرابلس لإنجاز وحدتهم فى أديس أبابا .ورغم فشله فى إقناع البعضو من ضمنهم فصيل عبد الواحد فقد أفلح فى إقناع ستة فصائل اخرى. أعقبت ذلك جهود جمة بذلها الجنرال والوسيط المشترك ودولة قطر لتوحيد الجماعتين ولكن بغير طائل .وكانت هنالك دائماً حركة العدل والمساواة التى لا تعترف بأية حركة اخرى وترى أنها هى الشريك الأوحد فى منبر الدوحة. أما الفصيل الذي يقوده عبد الواحد فرغم كل الجهود لم يتحرك قيد أنُملة من موقفه الرافض للتفاوض حتى يُستجاب اولاً لجميع مطالبه التى قد يطرحها فى التفاوض.ورغم عبثية الموقف فقد وجد دائماً من يسعى اليه المرة تلو الاخرى .استغرقت الجهود لجمع شتات الحركات التى كانت ثلاثاً فى أبوجا ما ربا على العام .وانتهت الجهود الى التحام ما سمى بفصائل خارطة الطريق مع فصائل طرابلس لتتكون حركة سمت نفسها حركة التحرير والعدالة . بعدما انسلخ بعض الافراد من بعض الفصائل المكونة لها. وبقى عبد الواحد فى موقف الرفض الذى لا ىريم عنه ولا يتزحزح. وبقيت حركة العدل والمساواة رافضة لإشراك أية جماعة أخرى فى التفاوض الا تحت لوائها . بيد أنه وبعد نشؤ حركة التحرير والعدالة بقيادة دكتور التجانى السيسى سنحت الفرصة لأول وهلة لبدء العملية التفاوضية . وترافق ذلك مع نجاح جهود رأب الصدع فى العلاقات السودانية التشادية لتدخل تشاد الى دائرة العاملين من أجل السلام مع ما لها نفوذ كبير على حركات دارفور وبخاصة حركة العدل والمساواة. ولم تكن جهود الرئيس ادريس دبى ببعيدة عن علم الوساطة فقد شارك الوسيط المشترك جبريل باسولى فى الاجتماع الاول بين الحكومة والعدل والمساواة غير أنه فوجئ مع من فوجئ بسرعة إحراز الجهود التشادية لنتيجة مدوية تمثلت فى التوصل الى اتفاق التفاهم فى أنجمينا والذى أدى الى توقيع الاتفاق الاطارى بين الحكومة وحركة العدل والمساواة فى الدوحة فى 23 فبراير2010 وحسبت حركة العدل والمساواة أنها باتفاقها الذى أزمعت إكماله باتفاق نهائي خلال أسبوعين من توقيع الاتفاق الاطارى ستسد الطريق أمام مواصلة التفاوض مع حركة التحرير والعدالة التى كانت بدأت التفاوض الفعلى مع الحكومة بغير إحراز اى تقدم يُذكر. وكان تصميم الوساطة والحكومة على مواصلة التفاوض مع التحرير والعدالة فى مسار مواز هو الذى قتل حماسة العدل والمساواة فى المضى فى شوط التفاوض الذى كان الذى كان مقدرا له الانتهاء قبل موعد الانتخابات فى ١٥ ابريل. ولما لم يُستجب لطلب الحركة إقصاء التحرير والعدالة أضافت الحركة طلباً تعجيزياً اخر بالدعوة الى تأجيل الانتخابات والا ستوقف التفاوض وتعمل على منع قيام الانتخابات. وأردفت الحركة تهديدها بإعادة نشر قواتها فى مناطق عديدة من دارفور.  ورفضت الجلوس لتوقيع اتفاق وقف اطلاق النار الذى أعدته الوساطة وقبلته الحكومة . ولئن كانت حركة العدل والمساواة قد أوقفت التفاوض بغرض إقصاء حركة التحرير والعدالة فقد أدى عملها هذا الى رد فعل معاكس فى الاتجاه وسريع فى الحركة ما دفع التحرير والعدالة المهددة بالإقصاء للتحرك بسرعة لتوقيع اتفاق إطارى فى 18 مارس وبعد مضى أقل من شهر على الاتفاق الاطارى للعدل والمساواة. وكانت تلك هى التسديدة التى اخرجت العدل والمساواة من مائدة التقوس بعد ان أجهزت على أملها فى الانفراد بالمنبر وبالاتفاقية النهائية.
التحرير والعدالة  مشوار التفاوض
        يحق لحركة التحرير والعدالة أن نشهد لها وبرغم أن مشوار التفاوض معها لم يكن سهلاً ولا خالياً من المنغصات الا انها مضيت بجدية فى العملية التفاوضية . مما جعلها الشريك الاصيل فى منبر الدوحة . وعلى الرغم من كونها جاءت آخراً الا انها اختارت السلام خيارها ولم تردد كما تردد آخرون ولم تنتظر كما انتظر المنتظرون. بدات الحركة بسقوفات عالية أشعرت وفد الحكومة أنها مثل سواها تريد أن تلعب لعبة الوقت الذى يحسب حاسبوه انه يجرى لغير صالح الحكومة. وكان لها نصحاء غير خلصاء من احزاب لها أجندتها التى توظف كل مشكلة وأزمة لصالحها . وكان هناك أيضاً ناشطون من مجموعات ضغط غربية شأنها شأن الاحزاب المحلية لمآرب أخرى ومقاصد مختلفة. وجاءت وثيقة هايدلبرج التى هلل لها اصحاب تلك الأجندات الداخلية والخارجية. وكان موقفنا منها من الصرامة بمكان مما أرى الوساطة منا لم تكن تألفه أو  تعهده. كانت وثيقة هايدلبرج محاولة لوضع الحكومة موضع المتعنت الرافض للتفاوض ولكننا تجاوزنا ذلك من خلال كسر الجليد التى وضعته على مسار التفاوض بلقاء خارج مكان التفاوض . وكان اللقاء صريحاً اختبرت فيه النوايا وتقلصت الشكوك. ورغم حرص الحركة على سرية اللقاء فانه لم يكن اللقاء الاول من نوعه مع الحركات.فقد عقدت الحكومة لقاءات عديدة لم يعلن عنها مع كل الحركات بغير استثناء . لم يكن اللقاء غير الرسمى ذا وقع كبير على موضوعات التفاوض بقدر ما كإ ن ذا اثر كبير على روح التفاوض والذي انطلق من بعد فى سياق لا ينساق للمبالغات. وكان بالإمكان التوصل الى نتائج حاسمة منذ سبتمبر من العام المنصرم لولا أن الوساطة شاءت سيراً وئيداً لتتمكن من الحاق الاخرين الذين وان كادت الحكومة أن تيأس منهم الا أن الوساطة لم تفعل.وكان ذلك على الرغم من أن عبدالواحد لم يكن يرفض التفاوض فحسب بل كان يتمنع حتى على مقابلة الوسطاء. ولم تعد سهام العدل والمساواة تصوب تلقاء الحكومة فحسب بل على الوسيط والدولة المضيفة على حد سواء. ووضعت حركة العدل والمساواة عشرة شروط للعودة لمائدة التفاوض من بينها اعادة هيكلة الوساطة وابعاد التحرير والعدالة وإدخال كردفان الى أجندة التفاوض وضم ليبيا الى الوسطاء . وكانت الوساطة أيضاً بطلب من الحكومة والتحرير والعدالة وبترحيب منا لمجتمع الدولى حريصة على إيلاء دور كبير لأهل دارفور من خلال إشراك المجتمع المدنى  والأهلى والنازحين واللاجئين وجميع اصحاب المصلحة فى دارفور. ولأجل ذلك انتظم المنبر الأول والثانى للمجتمع المدنى ولقاءت النازحين واللاجئين فى الدوحة ودارفور . ولقاءات الوساطة فى دارفور ثم المؤتمر الجامع لأصحاب المصلحة.وكان ذلك لقناعة الأطراف والوساطة وشركاء السلام ان السلام الذي يمكن ان يتحقق ويترسخ هوالسلام الذى يشعر أصحاب المصلحة والقضية أن لهم قصب السبق فى امضائه وارسائه. وعلى خلاف الحكومة والتحرير والعدالة أرادت العدل والمساواة أن يكون السلام سلامها تصنعه وحدها وتكون ثمرته حلوة فى ريقها. وكما سلف القول لم يكن بيننا والتحرير والعدالة بعد سبتمبر الا مسائل قليلة جلها صياغات وتسميات تصادف مفراداتها حساسية عند هذا الطرف او عند الطرف الآخر . وظل اخر تلك التسميات عالقا حتى اللحظات الاخيرة قبل التوقيع. وفى إبان ذلك لم تكف حركة العدل والمساواة عن محاولة إيقاف التفاوض المستمر بين الحكومة والتحرير والعدالة . مرة بالضغط على الوساطة وأخري باستخدام اطراف من مجموعات الضغط الامريكية والأوربية وتارة اخرى بإبرام ما تسميه اتفاق تنسيق مع طرف ظلت مشاركته فى المنبر هى هاجسها الاول. ولم تكن الحركة فى ذلك وحدها فآخرون يسمون انفسهم شركاء السلام لم يكن بعضهم راضياً بان يتسارع التفاوض مع التحرير والعدالة لتسبق نتائجه مواقيت يريدونها سابقة لأى اختراق فى سلام دارفور. وهؤلاء مارسوا ضغوطا عديدة على الوساطة وعلى التحرير والعدالة بل لم توفر بعض جهودهم التى تدعو للإرجاء وفد الحكومة نفسها. فبعد موعد نهاية العام طلبوا مهلة لنهاية يناير ثم فبراير لإعادة العدل والمساواة وجلب عبد الواحد ثم من بعدفبراير مارس وأبريل ومايو ويونيو ولا يزالون يزعمون ان الحكومة تتعجل ولا تتريث. وأنفق هؤلاء عشرات الساعات فى الحديث لوفد الحكومة والتحرير والعدالة لا لتقريب المواقف ولكن للحكومة ان تتريث ولا تتعجل والحركة لكى تنسق مع العدل والمساواة التى يعلمون ان مطلبها الاول هو إقصاء المطلوب اليها التنسيق معها فيا عجائب الأمور. وقد يتعجب المتعجبون من جرأة العدل والمساواة فى شروطها ومطالبها وقد يعزي بعضهم ذلك الى ثقتها بالتحدى الذى تطرحه ميدانياً وليس ذلك بصحيح والأصح هو إدراكها أن مطلوباتها وان لم تكن تتطابق مع أجندة آخرين فان التأخير الذى ينجم عن ذلك يوافق مطلوبهم . وما نشهد به هنا للتحرير والعدالة انها قدمت مصلحة السلام على رضى من يرضى وسخط من يسخط.      

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق