كان إعتماد وثيقة الدوحة من مؤتمر كل أصحاب المصلحة في دارفور ثم إعتمادها من الإتحاد الإفريقي والجامعة العربية والأمم المتحدة مؤذناً بالمضي إلى خطوة التوقيع عليها من أطراف التفاوض . بإعتبارها خارطة الطريق لمعالجة مختلف القضايا في دارفور. سواء في مجال عودة النازحين واللاجئين أو قضايا تطوير الخدمات ومشروعات التنمية والإعمار أو قضايا المصالحات والعدالة . وقضايا قسمة الموارد والمشاركة في السلطة ثم الترتيبات الأمنية النهائية التي تضع حداً نهائياً للإنفلات الأمني في أنحاء متفرقة من دارفور . ولئن بدا أن حركة التحرير و العدالة راغبة في المضي إلى وضع اللمسات الأخيرة على تعاهد يحول الوثيقة إلى إتفاق ملزم للأطراف إلا أن حركة العدل والمساواة كانت ولا تزال تراوح بين موقف لا يرفض الوثيقة ولكنه لا يريد أن يمضي قدماً لإعتمادها بوابة للسلام في دارفور .
وثيقة الدوحة . الفصول السبعة
تتكون وثيقة الدوحة من سبعة فصول . أولها فصل حقوق الإنسان والحريات الأساسية وهو يؤكد على الحريات الأساسية بما لم يخرج عن وثيقة الحقوق المضمنة بالدستور الإنتقالي أو كما وردت في الإتفاقيات الدولية التي صادق عليها السودان . ولم يكن هذا الفصل موضع خلاف إلا مع حركة التحرير والعدالة الا على استخدام بعض المصطلحات . أما حركة العدل والمساواة فأرادت إقحام بنود من إتفاقيات دولية لم يصادق عليها السودان . ولم يكن من الممكن القبول بتجاوز السيادة التشريعية للهيئة التشريعية القومية التي هي الهيئة التي أناط بها الدستور المصادقة على الإتفاقيات الدولية .
أما الفصل الثاني فهو يتعلق بالمشاركة في السلطة والتي أكد فى ِشأنها ما إتفق عليه في أبوجا من قبل لتمثيل أهل دارفور في السلطة القومية بنسبة سكان ولايات دارفور إلى سكان سائر أهل السودان . ثم كان موضوع نائب الرئيس وتخصيص المنصب لدارفور كما خُصص من قبل للجنوب . وكان موقف الحكومة أن تخصيص منصب لأهل منطقة من دون سائر المناطق يخالف مبدأ المساواة في حقوق المواطنة . وأن وضع الجنوب كان وضعاً إنتقالياً فرضته ظروف منح الجنوب تقرير المصير. وكان المنصب بغير صلاحيات دستورية سوى حق الموافقة على بعض القرارات الرئاسية التي يًمكن لها أن تؤثر على تنفيذ بنود إتفاقية السلام الشامل. ولكننا أوضحنا أن هنالك تفهماً من رئيس الجمهورية وهو صاحب الإختصاص الوحيد في إختيار نوابه بأن تعيين نائب من دارفور وليس لها في هذه المرحلة قد يسهم في تهيئة ظروف تُعين على معالجة سريعة للأوضاع في دارفور . وإنتقلت الحركات من المطالبة بتعيين نائب من دارفور إلى تعيين نائب من حركات دارفور. الأمر الذي لم نجد له مسوغاً سوى الطموح السياسي لبعض قادة تلك الحركات . وكان موقفنا هو أن الرئيس هو من يحدد نوابه وعلى الأرجح سيختارهم من حزبه أو من أهل الثقة من حلفاء حزبه . أما الحركات فإن مزيداً من الوقت تحتاجه الأطراف لبناء الثقة فيما بينها الى المدى الذي يسمح بأن يؤول مثل هذا المنصب لها . وكان الأمر الآخر الذي أثار الإختلاف هو الإستفتاء حول وضع دارفور الإداري الذي كانت حركة التحرير والعدالة تريد تأجيله إلى نهاية فترة السنوات الأربع . وأما العدل والمساواة فكانت تطالب بإقامة الإقليم بمقتضى الإتفاقية ثم الإستفتاء عليه فيما بعد . وأنتهى الإتفاق في الوثيقة الى تأجيل الإستفتاء لعام بعد التوقيع على الوثيقة في الدوحة . وإتُفق أن تُعزز صلاحيات سلطة دارفور الإقليمية . وأن ينشأ مجلس رقابي على السلطة لمتابعة أداءها وإنيط بالسلطة الإنتقالية مهمة رئيسة وهي تنفيذ الإتفاقية بالتعاون مع الحكومة الإتحادية وبمساعدة من المجتمع الدولي .
أما الفصل الثالث فكان على قسمة الموارد . وشمل إتفاقاً على تعزيز جهود التنمية بما ضاعف إلتزام الحكومة خمسة أضعاف ما كانت قد إلتزمت به في أبوجا. ووضع برنامج سداسي للتنمية في دارفور. والتزمت الحكومة فيه بمبلغ ملياري دولار كما إلتزمت بدعوة المجتمع الدولي للمشاركة في هذا البرنامج من خلال الدعوة لمؤتمر مانحين لدارفور. وأهم أولويات البرنامج هو تأسيس البنيات التحتية وإحياء المشروعات الإقتصادية والتنموية المدرة للدخل. والإهتمام بموضوع المياه وتحسين الأوضاع البيئية في دارفور. وشمل هذا الفصل الأمور المتعلقة بالأراضي. وترك تفصيلها لمؤتمر الحوار الدارفوري ـ الدارفوري . كما شمل إشارة إلى بنك دارفور للتنمية الذي تؤسسه دولة قطر بمشاركة حكومة السودان وآخرين . وإنشاء بنك خاص للتمويل الأصغر بدارفور بمبلغ وقدره مائة مليون دولار مع تركيز تمويله للفقراء من النازحين واللاجئين .
الفصل الرابع يتعلق بالعودة الطوعية وتعويضات جبر الضرر ومكافحة الفقر خاصة في أوساط اللاجئين والنازحين . وشمل مشروعات إعادة التوطين وبناء قرى العودة الطوعية . فيما شمل الفصل الخامس تفاصيل المصالحات والعدالة وأسس مفوضية المصالحة والحقيقة والعدالة . لتعمل من خلال لجان أهلية ومجالس أجاويد لتسريع المصالحة في دارفور . كما أنشا المحكمة الخاصة بجرائم دارفور ونيابة خاصة وصندوقاً لمساعدة الضحايا وحماية الشهود . وقد شهد الفصل الخامس محاولات عديدة من جهات خارج التفاوض للتأثير على بنوده . بما يمكن أن يتيح مجالاً لتدخلات أجنبية في مسار العدالة في السودان . ولكن وفد الحكومة تصدى بحزم لمثل تلك المحاولات التي إستمرت حتى الساعات الأخيرة قبل توقيع الإتفاقية بدعوى تحسين الوثيقة .
الوثيقة بين الرفض والقبول
في الوقت الذي صادفت الوثيقة فيه قبولاً واسعاً في دارفور. وترحيباً كبيراً من المنظمات الراعية وحتى الدول المراقبة للمفاوضات ،إلا أن حركة العدل والمساواة وبتشجيع من الموقف الإمريكي الذي يميل للإرجاء رفضت التوقيع . وكان الموقف الأمريكي يعمل بشتى السبل لتأجيل توقيع الإتفاقية رغم أنه لم يقدم أي نقد موضوعي لمحتوياتها . وكانت حجة المبعوثين هي إعطاء مزيد من الوقت لجلب الحركات الأخرى . ولكن هذه الحجة لم تكن كافية لإقناعنا بالموقف الإمريكي ، والذي في حساباتنا كان يميل إلى النظر إلى الحالة السودانية نظرة كلية . ولا يريد أن يدفع الأمور تجاه الحلول إلا إذا كان تقويمه للحالة السودانية في مجملها موافقاً لهوى واشنطون . ولذلك لم يكن هنالك أية فائدة من الإستجابة لرجاءات الإرجاء . لأن المبعوثين أنفسهم يعلمون أن عبد الواحد قد حدد موقفه بعدم المشاركة . وبدأ بتشكيل (بتنسيق مع ليبيا ويوغندا ) بما يسمونه الجبهة العريضة لإسقاط النظام . أما حركة العدل والمساواة المشتجرة بين فصائلها فلا يمكن لها فى الظرف الراهن أن تمضي في مشروع الدوحة للسلام وأن رغبت طالما أن زعيمها محتجز في طرابلس . بيد أن بقاء خليل في طرابلس ليس هو المانع الوحيد. فهنالك طائفة من قيادة الحركة تعتقد أن فرصها لقيادة مايسمى بالجبهة العريضة أفضل من فرصها في سلام الدوحة . ولذلك فهي تتلكأ على أقل تقديرلإعادة قراءة دفتر الحسابات مرة بعد آخرى . ومن هذه الحسابات خشية الحركة أن يؤدي غموض موقفها مع واقع الضغوط على قواتها في الميدان إلى إنشقاق عدد كبير في صفوفها. وخاصة بعد الصراعات والإتهامات المتبادلة بين قيادات الحركة . إلا أن الموقف الإرجائي للولايات المتحدة الأمريكية هو أكبر الدوافع لتشجيع الحركة على عدم التوقيع . وقد يتساءل المرء عن دوافع التحركات الأمريكية لإرجاء أو إلغاء سلام الدوحة . وهذه التحركات نشطت في الآونة الأخيرة دبلوماسياً لإقناع الأطراف الدولية بالموقف الإمريكي المتحفظ . كما نشطت في الإتصال بالحركات لإستخدامها في إطار الرؤية الأمريكية . فالمبعوث دين سميث كان قبل أيام قليلة في كمبالا في إتصالات رسمية وإتصالات بالحركات المتجمعة هناك . ثم إنتقل إلى بريطانيا وإلتقى حركة العدل والمساواة وربما سعى للتأثير على الموقف البريطاني الذي بدا مشجعاً للسلام الآن. وجاء قرار التجديد لليونميد في صفة تحمل التقويم الأمريكي للوضع في دارفور وأبيي. ثم جاء بيان وزيرة الخارجية الأمريكية فلم تعد الرؤية الأمريكية بخافية ولا غامضة . وإن ظلت الدوافع والمقاصد لا يتوصل إليها المحلل بالإفصاح الإمريكي عنها بل بقراءة أهداف السياسة الأمريكية تجاه السودان والتي تخضع لمراجعة نصف سنوية على أعلى مستوى . وسوف تتحول سياسة الإرجاء الراهنة إلى موقف أمريكي تمكن قراءته والتعامل معه بعد إنعقاد الإجتماع الدوري بشأن تقويم تلك السياسة . وفي هذا الوقت تعاظمت جهود الناشطين في جماعات الضغط للتأثير على إتجاهات السياسة نحو تبني تشجيع إسقاط النظام عبر محاصرته إقتصادياً أوعبر ضغوط دبلوماسية مع دعم التحرك في جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور. ولكن هذه الحماسة التي يبديها الناشطون لهذا الخيار لن تدفع الإدارة الامريكية تلقائياً لتبنيه. فالوضع يبدو أكثر صعوبة من هذا التبسيط السياسي. فالتجربة الأمريكية مع حكومة السودان وشعبه أوضحت أن الضغط الأمريكي يؤدي لنتائج مخالفة تجلب تأييداً كاسحاً لحكومة الإنقاذ. وهذا ما حدث عقب إعلان إتهام الرئيس البشير. كذلك فإن تبني موقفاً عدائياً للحكومة بلا رصيد شعبي مساند للمعارضين سوف يضع أمريكا في صورة الأمريكي البشع الذي يحاول أوباما تغييرها على الأقل في العالم الإسلامي والشرق الأوسط على وجه التحديد. كذلك فإن أية سياسة أمريكية تجاه السودان لا تجد مساندة دولية فمصيرها الفشل. وخاصة في إجواء مناخ أوربي مرحب بالسلام في السودان بعد فصل الجنوب. أما مراهنة أمريكا على تباعد صيني عن السودان بعد إنفصال ثلثي البترول وذهابه للجنوب فقد ثبت خطله. وظلت الصين تؤكد مراراً وتكراراً على تقوية علاقاتها بالسودان بعد الإنفصال. كذلك فإن أمريكا تعلم أن دعم الحركات لن ينجح بغير دعم قوي من دول الجوار المباشر مع السودان. وأن فرص تحقيق ذلك باتت ضئيلة بسبب الوضع في ليبيا. والأخيرة هي الممول الرئيس لضيافة الحركات واعدادها للحرب في كمبالا. كما أن تسارع تحسن العلاقات السودانية التشادية والإفريقية الوسطى يسد البوابة الغربية فى وجه الحركات أما جنوب السودان الذي يعتمد كلياً على تصدير بتروله عبر الشمال ويعاني من إنشقاقات خطيرة في كل الإتجاهات، فإن المخاطرة ستكون كبيرة في التعويل على دعمه للحركات. لأن ذلك يؤذن بالحرب من جديد. كما أنه يعني قطع شريان الحياة الإقتصادية عن الجنوب. وتلك لا تتمثل في نقل البترول وتصديره فحسب بل وفي توفير الغذاء لغالب سكان الجنوب الذين يعتمدون في غذائهم على الوارد من شمال السودان . لكل هذه الأسباب فإن التسليم بأن السياسة الرسمية الأمريكية سوف تتجه لموقف عدائي صريح سيكون أمر متعجلاً. ويتوجب على الجميع الإنتظار لرؤية إتجاهات السياسة الأمريكية الجديدة في الأسابيع المقبلة. وهذه سوف تولد في مناخ إقتصادي خانق وضربات موجعة تلقتها الولايات المتحدة الأمريكية في إفغانستان. كما تولد في مناخ إنسحاب دون مكاسب في العراق وفي مناخ الثورات العربية المتشككة في نوايا أمريكا. والمحتشدة بالمواقف العدائية تجاه إسرائيل. ولا شك أن المساعي الأمريكية المتحفظة أو المعادية ستؤذي جهود السلام في السودان. ولكن ذلك لن يحدث أبداً بالقدر الذي تتوقعه أمريكا أو يحذر منه المتشائمون الموالون أو المعارضون الحالمون . فالقدرة الأمريكية على التأثير على الحالة السودانية قد إنكمشت إلى مدى بعيد. والأوضاع السياسية والميدانية لحلفائها بالداخل لا تصنع منهم أداة قد يمكن التعويل عليها . وفي كل ألأحوال فان دفتر حسابات حكومة الإنقاذ لم يضع المدخلات الأمريكية في الشأن السوداني إلا في خانة الخسائر. وفي جميع الأحوال كان مقصد الجهد الدبلوماسي هو التوصل إلى خسائر أقل في معادلة تلك العلاقة السودانية الأمريكية. قُلت لأحد الدبلوماسيين الأمريكيين في ختام محاورة طويلة أنه مهما يكن موقفكم من السلام أو السودان فإننا تعودنا الإبحار في أمواج متلاطمة وكنا نصل إلى مرفأ آمن دائماً. فلتكن سياستكم كيفما تكون فسوف نمضي إلى ذلك المرفأ الآمن بالشعب والوطن .
إنتهــــــــــــــــــــــي،،،
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق