الثلاثاء، 20 سبتمبر 2011

الاسلاميون والربيع الثورى العربى 2



الإسلاميون والعالم بعد الثورة
تغيرت نظرة العالم للمنطقة العربية بعد الثورات التي عصفت مع الأنظمة البائدة بالرؤى المسبقة والتصورات النمطية لشعوب المنطقة ولتياراتها الفكرية والسياسية. فالجميع منهمكون في التحليل والمراجعة وإعادة النظر. ويجب أن لا يكون التيار الإسلامي حالة استثنائية من ذلك. يتوجب على التيار الإسلامي في مصر وتونس وليبيا أن يجرى مراجعة دقيقة بنظرة عميقة لواقعه الجديد . وتغير نظرة الآخرين له بما يوجب عليه أن يغير زاوية النظر للآخرين. ليس ذلك لان الآخرين قد تغيروا ولكن لأن زاوية النظر لديهم للمنطقة وقواها السياسية وللإسلاميين بخاصة قد تغيرت. ولأن استراتيجياتهم لتحصيل مصالحهم في المنطقة تتكيف مع وقائع جديدة فتتغير. وما لم يخرج الإسلاميون من حالة الاحتجاج والاعتراض إلى حالة الارتباط والتفاعل فان مصالح كثيرة ستضيع وفرصا عديدة ستتبدد. فالخطاب الإسلامي بإزاء العالم كان يتخذ موقفا دفاعيا تارة . واتهاميا تارة أخرى واعتذاريا مرات عديدة. بيد أن  تغير الوضع والحال يقتضى تغيراً في الموقف وفى الخطاب. أصبح الإسلاميون قوة يحسب لها الحاسبون حسابا كبيراً وكثيراً لذا يتوجب عليهم أن يتقنوا حساب الكلمات والمواقف والأشارت. فالوقوف في دائرة الضؤ ليس مثل الوقوف في الظل. فرؤية الإسلاميين للعالم كانت في الغالب ترديدا لنظرية المؤامرة . وهى مؤامرة ذات طابع عالمى وعقائدي دينى. وشكواهم كانت من كل العالم ومن الغرب الذي ينُظر إليه وكأنه ينزع من منزع  واحد ويتخذ موقفاً واحداً. وأما موقفهم من روسيا والصين فبخلاف التنافر العقائدي فهما ليستا استثناءً من استهداف الإسلام. ولست في وارد تبرئة احد من استهداف المسلمين أو اضطهادهم . ولكننا بصدد انتقاد الرؤى الإجمالية التي لا تبصر بالفروق والموافقات في أوضاع الدول ورؤاها وسياساتها . وتغير تلك السياسات وتبدلها مع تبدل النظم والحكومات. ونظرية المؤامرة الشاملة والدائمة أبعد ما تكون عن وقائع السياسة الدولية في عالمنا المعاصر الملئ بالمؤمرات والتحيزات . ولكن ذلك ليست مؤامرة موجهة ضد احد او جهة ما بالضرورة بقدر ما هى التزام أنانياً فردانياً  بالمصلحة الوطنية لدولة ما كما يراها نظامها او حكومتها. فعالمنا المعاصر لا يعرف القيم السياسية فى الساحة الدولية ولا يعرف العدالة بل المعايير المتعددة . ولا يعرف الديقراطية ومبدأ الأغلبية بل تسلط القوة الغاشمة والناعمة . ومبدأ أن القوى يقف منتصباً والضعيف يهوى الى حيث ألقت الريح . يعرف حق الفيتو ولا يعرف حق الشعوب. وحقوق الانسان ليست مقصداً يرُاد تحقيقه بل أداة من ادوات التضاغط فى الساحة الدولية. بيد أنه وعلى الرغم من كل هذه الحقائق التى لا يمُارى فيها الا مكابر فليست هنالك مؤامرة شاملة ودائمة على الاسلام والمسلمين من كل من هم عداهم. فهنالك ضحايا كثيرون من غير المسلمين للنظام الدولى الجائر. وهنالك ضحايا كثر من المسلمين وتحيز كبير على الاسلام من نظم وحكومات اسلامية ليست بأقل توجساً وعداء للإسلام والاسلاميين من نظم وحكومات غربية. لذلك والتيار الإسلامى يتموضع بصورة جديدة فى المنطقة والساحة الدولية يتوجب عليه مراجعة رؤيته للعالم ولاقطاره ومنظماته الدولية . لكى يرى العالم الحقيقى بانقساماته وتحولاته وتبدل مواقفه. ان صعود الاتجاهات الاسلامية الى مواقع النفوذ والتأثير أو الى مناصب السلطة يوشك ان يغير الخارطة السياسية للمنطقة . ويحُدث توازنات كبيرة فى موازين القوى الدولية . لذلك لابد للإسلاميين أن يدركوا مواطن القوة لديهم ومواضع الضعف فيهم . وأن يتقنوا فى وقت وجيز ملكة التعرف على الفروق الدقيقة بين ظاهر الدبلوماسية وباطنها وبين حدها الناعم وشفرها القاطع. فالقدرة على التفاعل الذكى مع الخارج قد تعاظم دورها حتى كاد يضاهى القدرة على الاستجابة الذكية لتحديات الداخل بل قد يتعداها احيانا. فالعالم الذى تقاطعت فيه المصالح واقتربت فيه المسافات وكثرت التداخلات والتفاعلات أصبح جزءاً من الواقع اليومى الذى يلمسه السياسيون ورجال  الدولة ونساؤها.
خذوا الدرس من الصين :
لا يغالط احد أن الصين قد أصبحت القوة العظمى الثانية بعد الولايات المتحدة الامريكية . وهى تدرك هذا الأمر جيدا وتدركه الولايات المتحدة الامريكية . ويتوجس منه كثير من المراقبين والسياسيين هنالك. بيد أن الجميع يقرون أن النضج الذى أدارت به الصين شأنها الدبلوماسى مع الولايات المتحدة الامريكية جدير بالمدح والتقريظ واستلهام الدروس القيمة منه. فعلى الرغم من ضخامة الخلافات القائمة بين الجانبين الصيني والأمريكي ، الا أنهما استمرا في وضع المصلحة الوطنية في المقام الأول، وعلى ضوئها ،  تحققت التطورات السياسية  بين البلدين، واستعيدت التبادلات العسكرية، وشهد التعاون الاقتصادي والتجاري تطورا متواصلا، مما أكد على تقدم العلاقات الثنائية باتجاه الاستقرار النسبي . أستقراراً حرصت الصين أن يبقى مثل شعرة معاوية أذا شدتها أمريكا أرختها الصين واذا أرختها أمريكا شدتها الصين. فهى لا تنقطع أبدا لأن فى أنقطاعها خسائر غير قابلة للاحتمال تحيق بطرفى المعادلة. والطريقة التي اتبعتها الصين في هذا الصدد  تجسدت في  معالجتها الناجحة للعلاقة وسط الخلافات القائمة بين البلدين لتحقيق مصلحتها الوطنية بشكل دؤوب. فعلى الرغم من أشد الملفات حساسية مثل تسليح الولايات المتحدة لتايوان وتبنيها للحركات الانفصالية فى التبت ومناطق الاقليات واستخدامها السياسى لملف حقوق الانسان فأن الدبلوماسية الصينية كانت تحرز نقاطاً تفوق كثيرا ما تحرزه الدبلوماسية الامريكية. وعلى طريقة ألعاب القوى الأسيوية كانت قوة الخصم تستخدم لهزيمة مقاصده . فالعلاقات مع الدولة الكبرى  بغض النظر عن وجود خلافات دائمة بينها وبين الصين، الا ان شارة التفوق كانت هى استطاعة  الصين التعامل مع هذه الخلافات  بشكل موضوعي. ومعالجتها بشكل سليم انطلاقا من تغليب المصالح العليا فى ترتيب دقيق للمصالح . وموازنتها مع الأذى والضرر الذى لا يرجى دفعه فى طبيعة هذه العلاقة. فعلى سبيل المثال، عملت الدبلوماسية الصينية لمعالجة مسألة المبيعات العسكرية الأميركية لتايوان بالرصانة والحزم المناسبين لأبقاء شعرة العلاقات ممدودة ومشدودة بما يحقق المصالح الوطنية الكبرى  . ذلكم أن الصين  لا تقرر سياستها الخارجية استنادا الى أحقية الأمور وبطلانها  . وهذا معيار سياسي  يحتشد بالعوامل العاطفية والانفعالية ولا تترتب عليه نتائج عملية. ولكنها تتخذ من المصلحة الوطنية معياراً لسياستها الخارجية. والمقصد أن نقول، أن محافظة السياسة الدبلوماسية على الحد الأقصى لمصالح الصين الوطنية بعد حسابها حسابا دقيقا هو النجم الهادى للدبلوماسية الصينية الناجحة . وهى الدلالة القاطعة على نضوج  الدبلوماسية الصينية التي شهد لها الخصوم قبل الأصدقاء وما أكثر أصدقاء الصين في كل مكان. ولعله من دواعي الحكمة مصادقة الحكماء وأن تقبس من مشكاة حكمتهم العتيقة .
الاسلاميون والبعد العالمى للثورات العربية:
بات كل العالم يدرك أن جرة الشموليات التى أنكسرت فى المنطقة العربية لن يرأب صدعها أحد . وأن واقعاً جديدا يتكشف فى المنطقة بأسرها . وأن التيار الاسلامى هو أحد صانعى هذا الواقع الجديد. لذلك فان دولاً كثيرة سوف تسعى للتعرف عليهم لتوشيج العلائق بهم أو لتطويقهم واحتوائهم وفى كل الأحوال فان الموقف الأنكماشى السلبي لن يجدى فتيلاً . كما أن الاندفاع فى تبنى الخيارات دون التروى والتثبت لن تكون عواقبه محمودة. لقد بات الأسلاميون وعلى حين فجأة فى دائرة الفعل الدبلوماسي ويتوجب عليهم النضوج بالسرعة اللازمة. وأن يتعلموا أن لغة الإشارات هي اللغة السائدة . وليس لغة المقابلات أو حفلات الاستقبال التى قد يتذكر كثيرون الآن اضافة اسمائهم الى قوائمها. ومهما كان ما تملك بلدان الثورة العربية من مقومات وامكانات وقدرات فانها لن تضاهى قدرات وامكانات الصين التى جعلت من نفسها أكبر دائن وبائع للولايات المتحدة الامريكية. ومهما يكن من وضع تلك البلدان فان تشابك مصالحها الاقتصادية لن تفيده مواقف الاعتزال أو المجانبة. وقد يسعى الخصوم الى فرض العزلة أو التهديد بها ولكن يجب ان لا يكون ذلك خياراً يختاره  الثوريون أو واقعاً يعجزون عن التعامل معه. ولقد جاء فى الأثر( أطلبوا العلم ولو فى الصين ) وفى هذه الحالة فليس هنالك إلا الصين.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق