المنهج (curriculum) هو واسطة العقد بين المعلم والمتعلم . وهو الطريقة والوسيط والمحتوي . والمنهج الجيد هو الطريق إلي الثمرة الجيدة للتعليم. وهي الثمرة التي تحفز المتعلم لتجويد قدراته في التعلم(Learning) حتى النفس الأخير من الحياة . فالمنهج الجيد هي الذي يهيئ المتعلم للحياة الطيبة المتحضرة المترقية . فلا يزال في ترق وصعود ما دامت أنفاسه في صعود. وقد ارتبطت مفردة منهج بالتعليم النظامي ولكن لابد لكل عملية تربوية من منهاج . لأنه هو الطريق الذي يسلكه المتدرج عبر العلوم والتجارب ليصبح فرداً ناضجاً مترقياً في حياته ومجتمعه. ولأن هدف المنهج هو الإعداد للحياة المتطورة فإن أي منهج لا يمكن أن يكون جيداً ما لم يأخذ في الاعتبار ما يتعرض له الدارس خارج الفصول . وخارج المدرسة وفي الأسرة والمجتمع الواسع العريض.
التعليم والمواطنة الصالحة:
ولأن مطلوب التعليم الأساس هو إعداد المواطنة الصالحة فأن المنهج ينبغي أن يبرز ملامح ومعالم تلك المواطنة الصالحة . كما تتمظهر في ثقافة المجتمع وتقاليده وفي دستور الدولة ونظمها واختياراتها الديمقراطية . وفي تطلعات الأسرة وطموحات الفرد واستعداداته وملكاته، ليس ذلك فحسب بل لابد من التوافق مع القيمٌ الإنسانية الراسخة . ذلك أن الإنسان لم يعد في زماننا هذا محصوراً في مجتمعة ولا في دولته بل هنالك تفاعل كبير وعريض مع العالم . ولابد من إعداد الفرد ليكون متوافقاً مع القيم الإنسانية التي استقرت عليها الأعراف الإنسانية الفاضلة. وأفضل أنواع المناهج هو الذي يعمل علي تأسيس علاقة صحية بين الفرد والمجتمع المحلي و العالمي من خلال تطوير معلوماته وخبراته إثناء التماس والتعامل والتفاعل مع المجتمع . والكلمة السحرية المستخدمة الآن هي (الارتباط المتفاعل) Active engagement . وعلي الرغم من أن قياس نتائج هذه العملية التعليمية قد أصبح أكثر تعقيداً فقد ابتكرت النظريات والوسائل الحديثة أساليب متعددة للقياس الدقيق لمخرجات (التعليم التفاعلي). ولا شك أن أهم ما يجب انجازه من تحولات ذات معني في المنهج التعليمي المتبع في السودان هو تطوير تفاعلية العملية التعليمية. فالتلقي للتلقين الذي يسم العملية في السودان يوشك أن يسف بها دون المعايير المرضية لجودة التعليم. والاهتمام الكبير الذي صار يُولي لمفردة الإجلاس مهما كان الجلوس مهماً للأطفال في المدارس فأنه يوحي بجمود العملية التعليمية وقعودها . ولن يكون القاعد كالقائم أبدا في يوم من الأيام. والاتجاه التربوي الآن في العالم إلغاء فكرة الفصول والصفوف . وجعلها أشبه بالقاعات والمختبرات وصالات المشاهدة والاستماع. فليس هنالك فصل محدد لمجموعة سنية بعينها . وإنما تستخدم المجموعة القاعة المناسبة أو المختبر المناسب حسب حاجة تلك المجموعة للوسائل والوسائط المتوفرة في تلك القاعة أو المختبر. وأصبحت الدراسة خارج سور المدرسة وتلقي المعلومات مباشرة في المعامل والمصانع والمتاحف ومناقشة خبرات العاملين مباشرة مع الطلاب واحدة من الوسائل التعليمية التي شهدت توسعاً كبيراً في السنوات الأخيرة. والتفاعلية هى أهم طرائق تحمل العلم فى التراث الاسلامى ولا تزال مصطلحات التعليم الاسلامى رائجة فى لغة التعليم رغم تحريف معانيها . فمصطلح المحاضرة لا يعنى القاء الدرس املاء كما يحدث الآن ولكن يعنى أن يملى المعلم فيناقشه الطالب الذى لا يأتى للدرس بلا حصيلة . وهناك أسلوب الاجازة وهى أن يقدم الطالب حصيلته العلميه فيصححه المعلم أو يجيزه . وهناك المناظرة حيث يقدم نظيران من الطلاب حصيلتهما ثم يناقش كل واحد منهما الآخر والمعلم محكم بينهما . وهناك المذاكرة حيث يدرس الطلاب قبل الحصة ثم يعرضون معارفهم على بعضهم البعض تحت اشراف المعلم . وهكذا نرى أن التلقين الشائع الآن ليس مرده الى تراثنا التعليمى بل هو أرث من زمن الانحدار الفكرى والثقافى والتعليمى . وقد شهدت المناهج التعليمية في السودان سابقاً تجارب محدودة في هذا الإطار التفاعلى وبخاصة في دروس الجغرافيا والتاريخ والهندسة ولكن هذه سرعان ما انكمشت لصالح التلقي المباشر داخل الصفوف.
المنهج الموسوعي والمنهج التخصصي:
ومسألة أخري غير مسألة التفاعلية في المنهج تبرز في اختلاف فلسفتين للتعليم . ترى أحداهما أهمية بناء قاعدة علمية واسعة من المعرفة العامة . وجعل ذلك هو الأساس لأي تطور متخصص في السنوات المتقدمة من العملية التعليمية. بينما تري مدرسة أخري أهمية مراعاة استعدادات الطفل منذ السنوات الأولي وتهيئته عبر اختيارات متخصصة تناسب ميوله واستعداداته ومواهبه . ولا شك أن هنالك دائماً الطريق الثالث الذي يمزج بين الاتجاهين . ولكنه في كل الأحوال لابد له من إعطاء الأولوية أما للبناء العلمي الموسوعي أو التطوير التخصصي.
بيد أن العملية التعليمية اياً ما كانت فلسفتها ينبغي أن تفرد أولوية قصوى لتعليم اللغات . لأنها هي الوسيلة الأساس لتطوير ليس ملكة التعبير فحسب بل ملكة التفكير أيضا. وقد اتضح أنه مهما كانت الحاجة لتعلم تخصصات دقيقة لتطوير القدرات الفعلية بصورة تهيئ للترقي في تلك التخصصات فانه لا يُستغني عن بلوغ درجة عالية من تعلم اللغات وإجادة الحساب الذهني. فتعلم اللغات هى ترقية إمكانية البيان articulation لدي الطالب . ودون قدرات بيانية لن يتمكن أي طالب من احراز تطور بارز في أي مجال آخر. كذلك فان الرياضيات تبقى من أهم المواد الدراسية . وتعلمها مثل الرياضة لملكات الذهن . ولم يفارق الحق من أعطي لرياضة الجسم ورياضة الذهن مفردة واحدة مع اختلاف الوسائل. فالقدرات الرياضية والتحليلية جوهرية لأية عملية تعليمية . ولذلك فانه مهما كان اتجاه المخططين لتعزيز فكرة التخصص لتوظيف التعليم لمتطلبات التنمية فلابد أن ينهض ذلك علي قاعدة متينة من تطوير الملكات اللغوية والرياضية والتحليلية لدي التلاميذ والطلاب . بل وللمجتمع بصورة عامة عبر الوسائل والوسائط العمومية. وربما نحتاج إلي مقاربة مسألة التخصص والتخصيص من ناحية أخري وهي مسألة قومية المنهج وجهويته . فلابد من منهج قومي يمثل الأساس للتربية القومية ويشكل واحدة من أهم وشائج الوحدة الوطنية . ولترسيخ القيم الاجتماعية والسياسية ولكن بالمقابل لابد من مراعاة الخصوصية الجهويه من خلال مرونة في المنهج تسمح للولايات أو المناطق الثقافية بالتعبير عن قيم مخصوصة أو متطلبات مهمة لتلبية حاجة ذلك المجتمع لتعليم متوافق مع الثقافة والمجتمع ومتطلبات الوقت و المحل. فاحتياجات التنمية في ولاية زراعية ربما تؤثر التركيز علي جوانب معينة من الثقافة والتجربة الاجتماعية والمعلومات المتخصصة . بينما احتياجات التنمية في ولاية صناعية أو رعوية قد يكون لها اعتبارات أخري. ولئن كان السودان قد تبنى فلسفة التنمية المستدامة sustainable development والتي تسعي لتطوير المجتمع بناءً علي معطياته وحاجاته وتطلعاته فلا شك أن مراعاة التنوع مثلما هو عامل مهم في التخطيط الثقافي والسياسي والاقتصادي فهو مهم أيضا في التخطيط التعليمي التربوي.
نواصـــــــــــــــــــــــــــــــل،،،
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق