الاثنين، 13 فبراير 2012

التكفير – آفة الزمان (3)


تحدثنا في المقال السابق عن عدم جواز تكفيرالمتأول. وذكرنا خبر الخوارج في تكفيرهم للأمام على كرم الله وجهه وأصحابه وطائفة من الصحابة الأخيار واستحلالهم من ثم دماء المسلمين الذين حكموا عليهم بالكفر لمفارقتهم بزعمهم لمبدأ الحاكمية وتحكيمهم للرجال بدلاً عن التحاكم لله.
 الحاكمية والكفر:
        وأصحاب التكفير في زماننا يستخدمون منطقاً يشبه منطق الخوارج في تكفيرهم للحاكم وللأحزاب والجماعات السياسية بحجة الحكم بغير ما أنزل الله أو بحجة (الأذن بالمنكرات والسكوت عليها  أو بحجة موالاة الكافرين وعدم التبرؤ  منهم) وقد رددنا على الحجة الأولى بالقول أن الذي يعطل الحكم دون أنكاره لا يُكفر وأنما يعتبر من العصاة أهل الوعيد . فحاله مثل حال من علم الحكم الشرعي ثم لم يستقم عليه فهو فاسق أي خارج عن الطاعة . والفسوق هو خروج حصاة الثمرة عن قشرتها، وهو كناية عن خروج المرء عن الأمتثال للحكم الشرعي . ولكن عدم الأمتثال للحكم الشرعي دون الانكار له لا يخرج الفاسق من الملة. وقد علمت الكافة من الناس أنه على الرغم من تعطيل أحكام كثيرة من شرع الله في مختلف العصور وأعلان أصحاب الفجور والفسوق عن فجورهم وعصيانهم فان الجمهور منع علماء المسلمين لم يكفروا هؤلاء المشتهر أمر فسوقهم بين الناس. ولا يعني ذلك عدم أنكار العلماء للفسوق والفجور وتسويغهم للمجاهرة بالمعاصي بل قد عُرف عن هؤلاء تصديهم القوي لحكام السوء وأصحاب البدع . وللامام مالك والامام أحمد مواقف شهيرة في التصدي لأصحاب الفسوق والبدع . وموقف الامام أحمد في فتنة خلق القرآن موقف مشهود . ولكنما لم يؤثر عن الامام أحمد أنه قد كفرّ المامون أو المتوكل ببدعة خلق القرآن رغم تعذيبهما وفتنتهما له. وقد وقف كبار الأئمة ومنهم الامام أحمد والامام أبن تيمية ذلك الموقف . لأنهم عذروا أصحاب البدعة بكونهم متأولين يعتقدون صدق اجتهادهم . وعلموا أنه إذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات فمن باب أولى أن تدرأ كلمة الكفر عن المسلمين بشبهة كونهم متأولين لا منكرين. والمتأمل في كتاب الله العزيز يجد أنه سبحانه وتعالى وصف أصناف من العصاة والفساق أوصافاً شنيعة ولكنه لم يصفهم بالكفر على الرغم من ذلك.  ففي قوله تعالى : (أن الذي يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم) وهل ثمة أشنع  من محبة هؤلاء الفساق أشاعة الفاحشة في الذين آمنوا بل وتجرؤهم بالتهمة على أم المؤمنين . ولكن القرآن على الرغم من شناعة عملهم لم يصفهم بالكفر . وأجرى على من ثبت عليه الجرم عقوبة الحد التي هي واحدة من مكفرات الذنوب لمن يتوب، وقد وردت في السنة أخبار تحدث عن لعن الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة ولعن شارب الخمر وحاملها والمحمولة إليه . ورغم شناعة اللعن فأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكفّر هؤلاء . ولم يقل أحد من العلماء قط أن الوشم أو شرب الخمر مخرج لصاحبه من الملة . فصاحب الكبيرة عند أهل السنة والجماعة يدخل في أهل الوعيد الذين يرجون لأمر الله يوم القيامة . أن شاء غفر لهم وأن شاء عذبهم وهم يقرأون في الكتاب (أن الله يغفر الذنوب جميعاً) إلا أن يشُرك به.
تكفير المُعين أحكامه وضوابطه:
        ونقصد بالمُعين الفرد المحدد بشخصه أو بوصفه . فلا يجوز لأحد غير السلطان أو القاضي أن يصم أو يصف معيناً بالكفر . لأن الوصف بالكفر قد يصبح مهدداً لحياة ذلك الفرد فهو أشبه بالتحريض على القتل. ولذلك يتوجب أن يُسن من التشريع ما يمنع تكفير المُعين إلا وفق إجراءات وضوابط محددة موصوفة بالقانون . وأول تلك الإجراءات أن لا يجوز لغير المحكمة إصدار حكم بتكفير شخص بعينه . وذلك بعد تحريك الإجراءات إما بواسطة جهة رسمية ممثلة للدولة (ممثلة للحق العام) أو جهة متضررة (ممثلة للحق الخاص) كأن تتقدم الزوجة بدعوة التكفير ثم التطليق بدعوى الكفر.
        فإذا رفعت دعوى التكفير من نيابة عامة أو جهة خاصة متضررة فعندئذ لا يجوز للمحكمة أن تقضي في الأمر دون سماع وتبين . وتعنى بالسماع والتبين أحضار المدعي عليه أمام المحكمة للسماع منه مباشرة دون واسطة . والتحقق من قوله إذا كان مسوغ الدعوى قولاً . والتحقق من فعله المفضي للكفر إذا كان مسوغ الدعوى فعلاً . وذلك للنظر فى الاحتمالات فلعل قال القول متأولاً . فمن المقطوع به عند العلماء أن الأمور المختلف عليها لا تعتبر مسوغاً للتكفير . فإذا كانت دعوى التكفير قائمة على مسألة فيها خلاف كأن يقول مثلاً بأن القرآن مخلوق فلا يقضي بكفره . لأنها مسألة أختلف عليها المسلمون وأن كان القائلون بذلك يعدون عند جمهور علماء المسلمين من المبتدعة . ولكن الجمهور وعلى رأسهم كبار الأئمة من أمثال أحمد والشافعي وغيرهم لم يكفروهم بل عدوهم من أصحاب البدع. وقد يكون القائل قال بالقول الذي يُعد مسوغاً للدعوى لجهله فاستماع المحكمة له وتحققها من ذلك يُعد صارفاً لحكم التكفير . فالاستبانة والتحقق من ذلك ثم البيان والتوضيح له وقبوله للبيان والتوضيح يدفع حكم التكفير عنه . وإذا كان المتهم بالقول المكفر مدعياً للعلم مع جهله فان المحكمة توضح له حكم ما أختلف فيه إلا ان يعاند ويصر على التمسك بقول لا تجد المحكمة فيه وجهاً للتأويل . فأنها عندئذ تحكم بكفره كأن ينكر المتهم مثلاً إلزامية الحديث الصحيح الصريح أنكاراً لحاكمية السنة وأدعاءً بأن القرآن وحده هو الملزم. ذلك أن الأمر ههنا ينصرف من كونه مسألة حكمية عملية إلى كونه مسألة عقديه أيمانية . وقضايا التكفير إنما هي قضايا كفر وايمان إي أنها مسأئل متعلقة بالعقائد لا متعلقة بالأعمال . فالعمل وحده إن لم يكشف عن اعتقاد كفراني فلا يعتبر مكفراً لفاعله ولو كان من الكبائر . ومثال ذلك تهكم ممثل أو استخفافه بأمر ديني . فإن كان ذلك التهكم من باب العبث والهزوء فهو فسق يؤدب فاعله . وأن كان من باب الجحود والإنكار فهو يدخل في باب الكفر. وأما القول فهو ما كان كفراً صريحاً غير قابل للتأويل فهو بذلك القول يُعد كافراً .  ويطلب إليه التوبة ويمهل ثلاثة أيام على قول وفترات أطول على أقوال أخرى . وأثناء فترة الاستتابة تمنع زوجه من الإتصال به وترفع ولايته على أبنائه حتى يتوب.ولأن هذه الأمور أمور حكمية سطانية فلا يجوز أن يكون الآمر بهذا من أهل الفتوى أو مجرد عالم وأنما  يجب أن يكون قاضيأُ مفوضأً أو مخولأُ بالدستور أو القانون أو السلطة الرسمية بالحكم في القضية والأشراف على تنفيذ الحكم القضائي.

نواصل،،،

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق