مفردة الإعلام لفظة مزدحمة بالمعاني . فهي قد تشير إلي عملية إرسال المعلومة في معناها المباشر (the process) . ولكنها يشار بها في أحيان كثيرة إلي مجموعة الوسائط التي تنقل المعلومات للأفراد والجمهور . وأحيانا إلي المعلومات نفسها المنقولة للإفراد أو الجمهور، والكلمة الشائع استعمالها الآن في العالم هي كلمة Media أو Mass Media وهي تشير للوسائط أو وسائط الاتصال الجماهيري. فالتركيز ههنا علي التكنولوجيا . وفي الماضي كان التركيز علي المعلومات عندما كان الاستخدام الشائع هو Information . ولا تزال وزارة الأعلام في السودان تحمل في ترجمتها الانجليزية Ministry of Information . بيد أن محتوي الإعلام ليس هو المعلومات فحسب لذلك فان الاستخدام وان كان شائعاً فهو غير دقيق
الإعلام الجيد:
ولن نستطيع ان نحدد مقاييس لجودة الإعلام ما لم نتفق ابتداء علي تعريف مقبول لمصطلح إعلام، وهنالك سجالات فلسفية كثيرة تتصل بمسائل الإعلام . وتؤثر في مصطلحاته واستخداماته، كما تؤثر في اختيار العنوان الرئيس للعملية الإعلامية . هل نركز علي الوسائط The Media أم علي المحتوي . والحديث عن الإعلام الجيد لا شك سوف يتناول الوسائط والرسائل . كما يشمل المرسل للرسالة والمرسلة إليه الرسالة علي الرغم من أن تداخلاً كبيراً ومعقداً قد اكتنف هذه التصنيفات . فطبيعة الوسيط أصبحت تؤثر كثيراً في صياغة الرسالة ومضمونها . كما أن المرسلة إليه الرسالة أصبح عبر التفاعلية مشاركاً ومرسلاً ومستقبلاً في آن واحد، وفي كل الأحوال فان أركان العملية الإعلامية تتمثل في المربع الذهبي الذي هو المرسل والوسيط والرسالة والمرسلة إليه الرسالة . ولكي نبلغ إلى تحقيق جودة الرسالة الإعلامية وأثرها المطلوب فلابد من الاهتمام بتحقيق مقاييس الجودة المطلوبة في أداء المرسل للرسالة والوسيط وفي الرسالة أسلوبها ومحتواها وفي المرسلة إليه الرسالة تفاعلاً وتفهماً وتأثرا . ذللك ليتحقق المطلوب من ارسال تلكم الرسالة.
الإعلاميون من هم:
أصطلح علي إطلاق اسم الاعلاميين علي الأطراف المتحكمة في إرسال الرسالة والأطراف الفنية المؤثرة علي وسائطها . ولكننا سنركز الانتباه فى هذه المرحلة علي من يطلق عليهم مرسلى الرسالة . وهؤلاء يشملون ملاك المؤسسة الإعلامية ووكلائهم في إدارتها أن وجد مثل هؤلاء الوكلاء . ثم الصحفيون والمنتجون والتقنيون العاملون في تلك المؤسسة. فالطبقة الأولي طبقة الملاك ووكلائهم تؤثر في الرسالة وجودتها من خلال توفير الإمكانات الضرورية ومن خلال التدخل أو عدم التدخل في العمليات الإدارية والتحريرية والإنتاجية والفنية المتصلة بالرسالة الإعلامية. وقد دار سجال مستمر حول الأنموذج الأمثل لملكية المؤسسات الإعلامية . وقد ارتفعت نبرة هذا السجال عقب الفصيحة الكبرى التي ارتبطت بالمؤسسات الإعلامية التي يملكها الملياردير اليهودي روبرت مردوخ في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية . ولا يزال حوار مكثف وعميق يدور في دول مثل فرنسا وألمانيا حول ملكية مؤسسات البث العامة مثل الدويتش فيلا (الإذاعة الألمانية) أو وكالة الإنباء الألمانية DPA وكذلك فرانس انترناشونال ووكالة الإنباء الفرنسية . هل تبقي كما هي تحت الولاية العامة للدولة أو يجرى تخصيصها بعد إخضاعها لمعايير أداء ديمقراطية ؟ وملكيه المؤسسات الإعلامية وما أصبح معلوماً من أثرها في تشكيل السياسات لم تصبح قضية إعلامية فحسب بل هي قضية سياسية في المقام الأول. فوسائل الإعلام الجماهيرية رسخت نفوذ شرائح محدودة من النخب المالية والسياسية في المجتمع حتى كادت تصبح هي أهل الحل والعقد في جميع المسائل التي تعم بها البلوى وتتصل بالمصالح المهمة للقطاعات الشعبية. بما في ذلك تشكيل الحكومات وتحديد سياساتها. فهي لا تكتفى بتشكيل السياسات كما تشتهى وما يحقق مصالحها الطبقية والفردية فحسب بل أن هذه النخب المالية السياسية الجديدة أصبحت عبر ملكيه وسائط ووسائل الإعلام هي التي تشكل ما يعرف اليوم بالرأي العام، فبدلاً من أن يؤثر رأي الجمهور على النخبة السياسية أصبحت هذه النخب هي التي تصنع السياسة العامة وتصنع الرأي العام حول هذه السياسة العامة. ولا يهم أن كانت هذه السياسات تعبر عن اتجاهات أو رأي أو احتياجات الجمهور طالما أنها تلبي رغبات مجموعات الضغط والنخب المالكة والمسيرة للمؤسسات الإعلامية.
ملكية المؤسسات الإعلامية:
ومهما تكن السياسة المتبعة في تحديد ملكية المؤسسات الإعلامية أو تنظيم التصرف بها وفيها فلابد من أن يكون مقصد التشريعات المنظمة لهذا الأمر حماية الصالح العام. فإذا كانت الملكية الفردية أو الأسرية تُعرض المصلحة العامة للانتهاك فلابد من منعها. وإذا كانت ملكية الحكومة دون رقباء من المجتمع المدني تؤدي إلى استبداد سياسي أو بيروقراطي فلابد من الحؤول دون ذلك باعتماد ترتيبات وتدابير دقيقة. وفي كل الأحوال لابد من الحؤول دون تسلط الملاك أو وكلائهم وتمكنهم من تحويل المؤسسات الإعلامية إلى وسائل لتحقيق مكاسب فردية أو عشائرية أو فئوية. وقد أسهمت أفضل تجارب العالم كما هي معروفة الآن إلى خيار ملكية عامة مراقبة بواسطة المشرعين والمجتمع المدني وإلى ملكية خاصة عبر شركات مساهمة عامة واسعة تخضع أيضاً إلى رقابة مؤسسات منظمة مستقلة Independent Regulators . وأن الشأن الذي نراه متبعاً فى بلادنا سواء كان ملكية فردية أو أسرية للمؤسسات الإعلامية فهو بطبيعته مهدد للحرية وللمصلحة العامة . وكذلك فإن الملكية الحكومية دون تدابير تحول دون التدخلات السياسية الحزبية أو الاستبداد البيروقراطي هي الأخرى تخل بالحرية ولا تحقق المصلحة العامة . ولذلك فان ملكية مؤسسات الإعلام يتوجب أن تخضع لنقاش مكثف ومعمق لدراسة كيف يمكن أن نضبط المؤسسات العامة حتى لا تقع تحت سيطرة حزب حاكم أو تحكم إدارة بيروقراطية تسعى لفرض قناعات خاصة بها على المؤسسة العامة . من الناحية الأخرى لابد من مراجعة الملكية الشخصية والأسرية لكى تصبح ملكية شركات مساهمة عامة . يساهم فيه الجمهور الغفير لئلا يتسلط أفراد أو جماعات قليلة العدد على إدارة هذه المؤسسات . ويمكن إتباع ذات الأدوات التشريعية التي نظمت بها الدولة ملكية المصارف فوضعت معايير لرؤوس الأموال . وملكية رؤوس الأموال وعدد المساهمين ونسبة طرح الأسهم في سوق الأوراق المالية. فاضطرت المصارف للاندماج في مجموعات متسعة المشاركة وأهم من هذا كله قادرة على تقديم خدمات مصرفية جيدة وفق المعايير العالمية.
ومؤسساتنا الإعلامية تفتقر إلى ما كانت تفتقر إليه المصارف في بلادنا من تشريعات منظمة للملكية ولتداول الأسهم ورؤوس الأموال ولمقاييس لجودة المنتج الإعلامي المقدم للجمهور . فلئن كان الجمهور في حاجة لخدمة مصرفيه جيدة فهو أشد حاجة لخدمة إعلامية جيدة سواء كانت مقدمة من الحكومة أو القطاع الخاص أو المجتمع المدني.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق