تحدثنا
في المقال السابق عن سياسة تعويم سعر الصرف وسيلة لتسلم زمام المبادرة من أيدى
الفئة العاصية . المتمثلة في المضاربين في الدولار والأسعار وأعادة مقود المتغيرات
الاقتصادية لمؤسسات الدولة . المتمثلة في وزارة المالية وبنك السودان المركزى.
ولما كان أمر تذبذب سعر صرف العملة الوطنية وارتفاع سعر العملات الأجنبية المفرط
واحداً من أسباب ارتفاع الأسعار وعظم بلوى التضخم رأينا استكمال الصورة بعرض سياسة
الدولة لدحر التضخم المفرط . واعادة التوازن بين العرض والطلب ليتحقق استقرار
الأسعار وبالتالي الأستقرار الاقتصادي بالبلاد.
التضخم ما هو ولماذا يحدث ؟
أصبح
مصطلح التضخم من المفردات الدائمة في الاعلام وفي الصحافة وبالتالي في الذاكرة الجمعية للمجتمع. وعلي
الرغم من أن لمفردة التضخم تعريفات متعددة
فأن المعني الرئيس لهذه المفردة فى العرف الاقتصادي هو ارتفاع الاسعار للسلع
والخدمات نتاجاً لفائض في الطلب ونقص في العرض. وقد يحدث هذا الاختلال بين الطلب
والعرض لعدة أسباب وقد يؤدى بروز بعض الأسباب الي التسبب في نشؤ الأسباب الأخرى
المؤدية للتضخم.
وأهم
هذه الأسباب التدني في سعر العملة الوطنية في مقابل العملات الأخرى في بلد تشتد
حاجته الي الاستيراد لمقابلة احتياجاته الانتاجية والاستهلاكية. أي أن السوق الداخلي يعتمد في تحقيق الوفرة علي
الاستيراد. والاعتماد علي الاستيراد ناجم ولا شك عن عجز البلد المعين عن الانتاج
الزراعي والصناعي والخدمي بما يوفي بحاجة الطلب في ذلك البلد. وارتفاع قيمة العملات
الاجنبية قد يؤدى كما يحدث الآن في بلادنا الي ارتفاع تكاليف الانتاج الزراعي
والصناعي المحلي لاعتمادهما علي الاستيراد في معظم عوامل الانتاج . مثل السماد
والمبيدات والخيش والمعدات للانتاج الزراعي وغالب مدخلات الانتاج الصناعي الأمر
الذي يؤدى الى ارتفاع تكاليف الانتاج المحلى مما يؤدي الي نقص ذلك الانتاج من جهة
وغلاء أثمانه وتضخمها من الجهة الاخرى . فتقلص الوفرة وارتفاع تكلفة الانتاج
المحلي يؤديان الي تسارع التضخم في السلع المتجة محلياً. وقد تسعي بعض الحكومات اوالجهات المستقلة الي رفع الرواتب
والأجور لمقابلة ارتفاع الاسعار ولكن ما لم يتم ذلك في اطار حزمه معالجه موحدة فان
ارتفاع الدخول النقدية المتمثلة في الأجور والمرتبات سيكون أحد أسباب تسارع التضخم
وليس أحد وسائل معالجة آثاره. وقد يتسبب التضخم بالافراط في طرح السيولة النقدية
من خلال ارتفاع الدخول أو من خلال طبع النقود لسد الفجوة في الموازنة العامة
((الاستدانة بالعجز )) . وسيؤدي ذلك الي كتلة نقدية ضخمة بازاء حزمة من السلع
والخدمات متضائلة . مما يعني اختلال التوازن بين المعروض المطلوب من تلك السلع
والخدمات. وهكذا فان اسباب التضخم تتداخل وتتشابك
ويفضى بعضها الي اختلاق البعض الآخر. فانكماش المعروض يؤدي الي ارتفاع الاسعار. وانكماش
المعروض قد يكون بسبب عدم القدرة علي الانتاج او الاستيراد او قد يكون بسبب
التخزين والاحتكار بانتظار ارتفاع الارسعار وتجفيف السوق من السلع والخدمات المهمة
لسائر الناس. وضعف قيمة العملة الوطنية المؤدي الي ضعف القدرة علي جلب السلع والخدمات من الخارج يؤدى بالضرورة
الي رفع تكاليف الانتاج الداخلى . وقد يتضاعف الأثر من خلال تدخل المصارف بزيادة الائتمان دون ضمانات كافية . مما يؤدي
الي زيادة السيولة في السوق دون وجود ما يوازن زيادتها من السلع والخدمات. وكل هذه
العوامل حاضرة الآن في الاقتصاد السوداني بسبب الصدمات التي تلقاها من آثار الازمة
الاقتصادية العالمية وارتفاع قيمة المستوردات في السوق الدولية . والصدمة الكبري
المتمثلة في انفصال الجنوب مما يوازي 40% من الموازنة العامة و60% من حصيلة النقد
الاجنبي للبلاد.
التضخم والكساد ..ائتلاف الضد والضد:
وفي
حالة السودان الراهنة فان التضخم قد نجم لعدة أسباب أهمها عجز الموازنة العامة واختلال
الميزان الخارجي . وهذا العجز الذي أصبح
معلوماً للعامة والكافة لقد أدى الي حالة توقف واحجام وانتظار وبخاصة في مجال
انتاج السلع الصناعية المحلية أو تقديم الخدمات . كما أدى الي احجام عن عرض النقد
الأجنبى في الأسواق كما اوضحنا في المقال السابق . وأدي بالتالي الى اختلال العرض
والطلب في سوق العملات . كما هوى بقيمة العملة الوطنية في السوق الموازى والذي
تعرض بسبب ذلك الي هجمات المضاربين
والمستربحين من هذه المحنة الوطنية . هولاء الذين أسميهم بالفئة العاصية والتي
تتسبب في مفاقمة الآثار السلبية لجفاف الموارد المالية واختلال الميزان الخارجي. واضطرار
وزارة المالية للاستدانة بالعجز وإن كان في اطار النسبة المسموح بها واضطرار بنك
السودان المركزي لشراء الذهب بالسعر الموازى لتصديره لجلب العملات الاجنبية أديا
بدورهما الي زيادة السيولة في الاقتصاد في وقت ظل عرض السلع والخدمات يتقلص بشكل
متسارع . والنتيجه غير المستغربة هي ارتفاع التضخم من رقم واحد وهو ما يسمي
بالتضخم المعتدل أو المعتاد الي رقمين وهى مرحلة الدخول فى التضخم الجامح أو
المرتفع ويخُشى ان يؤدى في حالة التلكؤ عن انفاذ المعالجات بصورة سريعة الي الدخول
الي المرحلة الثالثة الخطيرة . وهي مرحلة التضخم المفرط الذي يُفقد العملة الوطنية
قيمتها الأمر الذي شهدته المانيا بُعيد الحرب . وشهدته زيمبابوي والعراق ابان الحصار الأوربى علي الأولى
والحصار الأطلسى علي الثانية قبيل الاحتلال الأخير.
العلاج المر لا
الموت البطئ :
في
مواجهة مثل هذه الظروف يتوجب ان تتحلى الحكومة بروح القيادة والشجاعة الكافية
والكفاءة في انفاذ حزمه متكاملة تتمثل فى المعالجة المرة في وقتها . لكي لا تتفاقم
الأوضاع من اقتصاد التضخم الي اقتصاد الندرة واخفاء السلع بالكامل. ومكافحة تضخم
مثل هذا الذي يواجه السودان يقتضي سياسة تقوم علي المبادئ التالية.
1-
اعطاء
أولوية قصوى في التخصيص واستخدام العملة الأجنبية لاحتياجات الانتاج لزيادة
الانتاج الداخلي وتقليل الحاجه للاستيراد بل والسعى لتعظيم الصادرات واحلال
الواردات ببدائل محلية وتقليلها الي أدنى حد ممكن.
2-
اعتماد
سعر صرف واقعي واستخدام سياسه التعويم المدار لسعر الصرف لمكافحة السوق السوداء . وطرد
المضاربين من السوق النقديه وتحقيق ثبات في سعر الصرف يؤدي الي ثبات توقعات
المستوردين وتجار التجزئة . مما يؤدي الي استقرار سعر السلع والخدمات تبعاً
لاستقرار سعر الصرف.
3-
تجنب
زيادة الأجور والمرتبات حني لا يؤدى ذلك الي تضخم الكتلة النقدية في وقت تعاني فيه
الأسواق من الجفاف الكبير . كما يتوجب السعي المتواصل لإيقاف تمويل الموازنة
العامة بالعجز من خلال تقليل الصرف الحكومي وزيادة القدرة علي الجبابة . وتكبير
المظلة الضرائبية ورفع الإعفاءات الضريبية غير الضرورية والتي لا تؤثر علي
الاستثمار المحلي والاجنبي.
-
4-تشجيع الاستثمار بحوافز متعددة وخاصة ذلك الاستثمار الذي يقع ضمن
خطة الحكومة فى احلال الواردات وزيادة الصادرات
وتقليل الواردات.
-
5- زيادة القدرة علي التحكم بالسياسات في الاسعار من خلال تحسين الإحصاءات
والرصد الدقيق لبيانات الواردات وحاجات السوق . ومكافحة التهريب والتخزين واجراء
دراسات التكلفة . وانشاء مجالس مشتركة مع أرباب الصناعات والمستوردين وتجار التجزئة
لوضع مؤشرات ملزمة لاسعار السلع والخدمات. تحدد الحد الأدنى والأعلى لكل السلع الضرورية
وذلك بناء علي دراسة دقيقة للتكاليف والأرباح المتوقعة وأوضاع الأسواق الدولية والمحلية.
-
6-ضبط الائتمان المصرفي لكيلا
يؤدي الي تراكم الكتلة النقديه وتوجيه الائتمان نحو الاستثمارات أكثر من التجارات
.
-
7- التحكم في حجم السيولة في السوق بالكف عن اعتماد السعر الموازي
لشراء الذهب للصادر . وبدلا من ذلك اعتماد سعر صرف مرن من خلال الادارة الدقيقة
لسعر الصرف نزولا به الي سعر واقعي . يوازن بين سعر البنك المركزى والسعر الذي
تمليه المعادلة بين المعروض والمطلوب من العملات الأجنبية. كذلك العمل علي تقليل
تسرب ايرادات الدولة الي الأيادى الخاصة من خلال الرسوم والضرائب غير الشرعية ((
كل ضريبه لابد من تشريعها بقانون)) ومن خلال اجبار الجباة علي استخدام أورنيك 15 .
والأفضل التحرك بسرعة نحو الجباية الألكترونية
التي تساهم مساهمة فعلية في مكافحة تسرب
الايرادات الى الأيادي الفاسدة. كذلك لايقاف تسرب الايرادات لاستخدامات غير الرشيدة
لابد من محاربة تجنيب الايرادات حتي لو كان ذلك لاستخدامها في برامج حكومية معتمدة
. ولابد من احترام النص الدستورى الذي يُلزم
بتوريد كل الإيرادات إلي وزارة المالية قبل إعادة تخصيصها بناء علي قانون الموازنة
العامة.
ختاماً
لا
شك ان كثيراً مما أوردناه حاضراٌ في أجندة الإصلاح الاقتصادى ولكن ذلك لا يعفينا
من التذكير به وتثقيف العامة بمصطلحاتة ومفاهيمه لتعظيم القدرة الشعبية علي
المتابعة والمحاسبة والمراجعة . فأمر الاقتصاد لا يعني الاقتصاديين فحسب بل لا
يعنى الحكومات ورجال الأعمال فحسب فهو شأن
يسعد الشعب بصلاح أمره ويشقى باختلال شأنه
وتردي أحواله الصحية ويتداعي له سائر الشعب بالسهر والحمى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق