الجمعة، 25 أبريل 2014

جدل الحرية : حوار أهل السمع والبصر (4)

ذكرنا آنفاً أن حرية التعبير هي أوسع الحريات ذلك أنها الوسيلة لاظهاروجود الإنسان وحضوره بين الآخرين وهويته التي يحب أن يُعرف بها. ولكن حرية التعبير في تمظهرها الجماعي تسمى بأسم آخر وهو الحرية السياسية أو هي الحريات العامة. وأصل الحرية السياسية أنها المشاركة بالرأي بين كل الأحرار . وطبيعة الحرية السياسية أنها توافقية ومدنية . فلا يمكن تصور وجودها دون توافق مجتمع مدني على أن يحيا بمجموعه حراً وأن يكفل الحرية لكافة أعضائه. والتوافق المدني هو الذي يعطي الحرية في إطار المجتمع والدولة تعريفها وهو الذي يرسم حدودها. وإلا لصارت الحرية نجمة بعيدة يتغزل كل فرد في جمالها ولكنه يظل بعيداً عن مطالها. وجان جاك رسو لم يكن الأول حديثاً عن أهمية هذا التعاقد والتوافق الإجتماعي لتحصين الحرية من الضياع بل لعله أستوحى أفكاره من أبن خلدون الذي استشفها من الأفكار الإسلامية في الشورى والبيعة وحرية الإختيار . بيد أن جان جاك رسو هو الذي عبر بلسان الفيلسوف عن فكرة توافق المجتمع المدني . وقدم نظرية متكاملة لكيفية (ايجاد شكل للتجمع يحمي ويحفظ بمجموع القوة المشتركة شخص كل مواطن وممتلكاته . ويظل كل مواطن وإن اتحد مع الجميع لا يطيع سوى نفسه ويبقى حراً بنفس الدرجة التي كان عليها في حالة الطبيعة) فما يتحدث عنه رسو وما تعلمه لنا تعاليم الإسلام هي ان الحرية المدنية هى التي تجعل الإنسان حراً ومتمدناً في آن واحد.
والمدنية تعنى الخروج من حالة التوحش الى حالة الاستئناس أوهى الأنسنة بأن يكون الفرد أنساناً . والانسان اجتماعي ومدني بخلقته التي خلقه الله عليها (خلق الإنسان علمه البيان) وما حاجة الإنسان إلى بيان ؟ ان كان سيعيش وحيداً فريداً تحكمه احتياجاته البيولوجية وغرائزه وشهواته المتوثبة . يقول جان جاك رسو (ان ما يفقده الإنسان بالعقد الاجتماعي هو حريته الطبيعية وربما حقاً لا محدوداً في كل ما يغريه وما يستطيع ان تبلغه يداه أما ما يكسبه بالعقد الاجتماعي فهو الحرية المدنية التي هي وحدها التى تجعل الإنسان سيد نفسه حقيقة. إذ أن نزوة الشهوة وحدها عبودية وطاعة القانون الذي نسنه اتفاقاً هو الحرية.)
الحرية السياسية وسيادة القانون صنوان
        لا يمكن الحديث عن حرية أو حريات سياسية دون أقتران ذلك  بمفهوم سيادة القانون . و إقتران الحرية السياسية بل سائر الحريات في المجتمع المدني بحتميه سيادة الإرادة الجماعية من خلال سيادة القانون هو ما يفتقر إليه التطور السياسي في بلادنا. ذلك أن الحديث عن الحرية في غالب الأحوال حديث أدبي شاعري . ولا عجب فقد سبق أن قلنا أن الحرية كلمة شاعرية جمالية بذاتها . وهي أمر حميم العلاقة بوجدان كل إنسان وبشعوره بالحياة ومعناها ومغزاها ووجوده وهويته فيها . بيد أن أفكار القانون والإنتظام والطاعة أفكار ناشزة عن تلكم الروحانية الشاعرية الناعمة.  لذلك فالناس فريقان فى فسطاطين ، أحدهما يريد ان ينظم اشعاراً في تلكم النجيمة البعيدة ، والفريق الآخر يريد أن ينعم بما يُمكن يُنال منها وهي على أرض الواقع . فالحرية المدنية السياسية انما هى تسوية يجريها المجتمع الحر ويقننها القانون . ولاشك أن في كل تسوية انتقاص. ذلكم ان التسوية إنما هي إقتسام وكل إقتسام هو إختصام فتذهب حصة لهذا وتذهب حصة آخرى لذاك. وهذه التسوية الكبرى لاقتسام ساحات الحرية تسوية يجريها المجتمع المدني . وقد اختلف الفلاسفة حولها فالفيلسوف هوبز يرى أن كل ترتيب يؤدي إلى دولة النظام والقانون ترتيب مدني ومشروع ولو تم فرضه بالغلبة لا بالاتفاق . بينما يرى رسو ولوك ان المشروعية لا يمكن أن تُضفى إلا على تسوية وفاقية تعاقدية بين من يحكم ومن يُحكم . وهي تسوية يجب ألا تُترك لتقديرات اطرافها . وأنما يجب أن يتم تقنينها في عقد مكتوب (دستور باللغة المعاصرة) وفي قوانين تنبع من إرادة المجتمع وأعرافه وامتثالاته . وبذلك تكون الطبيعة الديمقراطية للقانون.
سيادة القانون الديمقراطي
        ولأن الحرية جوهرة ثمينة فلا يُتصور إن لا يُبالغ في الاحتراز والتحوط للحفاظ عليها. لأن التفريط في الحرية تفريط في أمان المجتمع وكرامته وقدرته على العطاء والتطور والتقدم . ولذلك فإن علاقة الحرية بذريعة المحافظة عليها هي كمثل علاقة الصدفة باللؤلوة ، إن تحطمت الصدفة ضاعت اللؤلوة في امواج البحر الهادر.  يلزم من ذلك أن يكون الحديث عن الحرية موصولاً دائماً بمبدأ سيادة القانون. فلا حرية في المجتمع والدولة بغياب سيادة القانون بل انما هي الفوضى والفتنة والنزاع الذي تُضاع فيه الأوقات وتُهرق فيه الدماء. بيد أن القانون ينبغي ان يكون وسيلة المشرع لحماية الحرية لا لإغتصابها أو حبسها وارتهانها. وما ينبغي أن يتوثق عليه الإتفاق فلا يشذ عنه أحد هو التسليم أن القانون يفقد مشروعيتة ما لم يحظ بمقبولية السواد الأعظم من المطلوب منهم الامتثال لنصوصه. ولا يكون ذلك ممكناً إلا بالتوافق على نظام ديمقراطي الناس فيه فيما يلي الحق والواجب سواسية مثل أسنان المشط . لا يتفاضلون بدين ولا مذهب ولا عرق ولا جنس ولا لون ولا قبيلة ولا جهة. وهذا هو معنى فكرة المواطنة وهي أن الناس جميعاً احرار في وطن واحد يتعايشون بحرية وسماحة .ويقوم بذمتهم أدناهم وهم يدً على من عداهم ممن خاصمهم وعداهم. فكل مواطن سيد على نفسه سيد بنفسه في وطنه . ولا يتأتى ذلك ولا يتيسر إلا بسيادة قانون يتوافق  عليه جميع الاحرار إلا من أبى أن يمتثل للارادة العامة . ولذلك فان الحوار الدائر الآن عن علاقة الحرية والقانون ينبغي أن يلج إلى طور النضوج والمسؤولية . وأن ينأى عن الطفولية السياسية والمزايدة الفجة. فلا حرية بلا قانون وكل قانون انما يختصم من الحرية في ذات الوقت الذي يضمن فيه لها أن تبقى وأن تزهو وتزدهر. ولسنا نسيج وحدنا في السودان وليس يُطلب منا أن نعيد اكتشاف العجلة التي اكتشفها الأولون منذ آلاف السنين. لذلك علينا أن نأخذ بافضل الممارسات التي عرفتها الأمم من قبلنا في رسم العلاقة المثلى بين الحرية والقانون. وفي شريعتنا هوادي كثيرة مُعينة على ذلك . وفي تجاربنا السابقة خبرة مما نجح  وعبرة مما أخفق او فشل ففيها المثال والأمثولة . إن خطابنا السياسي يتوجب عليه ان يرتقى من وهدة الهجاء والمراء إلى رتبة الجدل والحوار . وأن يتحلى الحوار بالنزاهة والموضوعية لئلا ينتهى الى حوار الصُم البُكم العُمى الذي لا يصل فيه منه الى الآخرصوت ولا تُبلغه منه إشارة . والله المستعان على كل حال وهو الهادي إلى سواء السبيل.

انتهى،،،

جدل الحرية : حوار أهل السمع والبصر (3)

ذكرنا آنفاً أن حرية الإنسان في التفكير والاعتقاد هو أم الحريات بل هي جوهر إنسانية الإنسان. ذلك أن مشيئة الإنسان الذاتية التي تطلقها اختياراته العقلية والفكرية الحرة هي أساس التكليف الدنيوي والأخروي . ولا شك أن الفكر سيرورة لا تتولد باطنياً وأنما هي عملية مساجلة وتفاعل مع الآخرين . وكذلك مع البيئة والطبيعة ولذلك فإن قدرة الإنسان على البيان والتبين للآخرين وقدرته على الفهم عنهم تصبح هي القاعدة التي يتأسس عليها الإدراك والتفكير والتعلم . ولقد جاءت تلكم الخصيصة  التي  هى خصيصة  البيان مقارنة لخلق الإنسان ، ولذلك يصح لنا أن نزعم أن الإنسان انما هو معرفة . وأن انساناً بلا معرفة يصبح جسداً بشرياً بلا إنسانية بل ربما يتعذر أو يتعسر بغياب المعرفة استمرار هذا الجسد البشري في الحياة. فالمعرفة بصنوفها كافة جوهرية لبقاء الإنسان حياً . ولاعطائه المعنى والرسالة والمقصد لحياته الإنسانية.  فالمعرفة ليست ضامناً لكرامة الإنسان فحسب بل لأفضليته الكونية وقدرته في الإستمرار في الحياة وترقيتها رتبة من بعد رتبة.
حرية التعبير سبيل حرية التفكير
        ولأن حرية الإنسان في التعرف على الآخرين والتواصل معهم أمرُ جوهري لبقائه ولتطوره الإنساني أصبحت حريته في التعبير عن فكره واحتياجاته المعنوية والمادية تكاد تتسنم ذات المرتبة مع حريته في التفكير المستقل. وحرية التعبير هي أوسع الحريات الإنسانية قاطبة. ذلكم أنها تشتمل على حرية الكلام والكتابة والتعبير الفني بكل شكوله . وتحتوي الحريات  الكبري مثل حرية العبادة والحريات السياسية وحرية التعبير بالتظاهر السلمي وحرية النشر والصحافة. وهي كذلك تضم حريات جماعية وحريات فردية. وغالب الجدل والسجال حول قضية الحرية إنما ينصب على حرية التعبير . والسبب هو تداخلاتها الشائكة مع قضايا الدين والاخلاق والنظام العام . وهي أشد الحريات تأثراً بالمتغيرات الإجتماعية والسياسية. ولئن كانت الحرية مفهوماً شديد التكيف مع البيئة الطبيعية والإجتماعية والسياسية فان أكثر الحريات تأثراً وتكيفاً مع متغيرات هذه البيئة هي حرية التعبير . وقد أشتد الجدل حول قضية حرية التعبير  في السنوات المتأخرات بسبب انتشار وسائل الأعلام الحديثة والشبكة العالمية للمعلومات . وذلك بعد أن أتسعت قدرة الأفراد والجماعات في الأفلات من رقابة الرقباء الأهليين والرسميين . وبدأ الحوار الفلسفي حول حرية التعبير يتجدد فكأنه زمن المراجعة لاعلان الثورة الفرنسية عن حرية التعبير . ولمقولات جون استيورات ميل في تحصين حرية الفرد في التعبير وترفيعها حتى قال (أن أسكات صوت معارض واحد مساوٍ في الدرجة لاسكات جميع الناس ) . ولكن جون استيورات ميل يعود إلى فكرة المعيار الضابط لحرية التعبير الفردي . وهو ذات المبدأ الإسلامي (لا ضرر ولا ضرار) . فالحد الذي تتوقف عنده حرية التعبير هو عدم الإضرار بالآخرين. ولأن قضية الضرر هذه مسألة تختلف حولها التقديرات فهو يجعل من مبدأ الأغلبية هو المبدأ الحاكم عليها . بحيث أنه أذا تحققت مصلحة الأغلبية من قول أو فعل فذلك  اذاً هو القول أو الفعل الحسن الذى لا يؤاخذ قائله أو فاعله. ولاشك أن هذه الفكرة تناقض المعيار الأخلاقي . فالنفعية تهدم حقوق الأفراد والأقليات ولكن معيار الأخلاق المطلق هو الذي يحمي حقوق الفرد الواحد والأقلية بإزاء الأغلبية.  ولكن لا مندوحة من اللجوء إلى مبدأ الأغلبية في تشريع تنظيم ممارسة حرية التعبير. بيد أن هذا التشريع يتوجب أن لا يعارض المباديء الدينية والأخلاقية في ضمانة حقوق الإنسان وكرامته وتساويه في هذه الكرامة الإنسانية مع الآخرين مهما عظُم قدرهم أو عددهم . ولأن الدين والأخلاق هما الضامنان لهذه الحقوق فإن حفظ الدين والاخلاق من الاهدار بدعوى حرية التعبير لا يصبح أمر منطقياً فحسب بل يتموضع موضع الضرورة القصوى . ولأن انتشار الشبكة الدولية للمعلومات قد أفسح حيزاً واسعاً للتعبير الفردي والجماعي دون قدرة موازية للمؤسسات الإجتماعية والرسمية الضابطة فقد انتشر التجديف والإساءة للأفكار والرموز الدينية . الأمر الذي جدد الحوار بين مدرسة حرية التعبير المطلقة ومدرسة كبح نشوذ الحرية الهدامة . وبرز التعارض بين ايدولوجيا حرية التعبير التي تقودها وسائل الاعلام الحديثة وبين نصوص القوانين الجنائية في غالب دول العالم . تلكم التي تحرم النيل من الرموز الدينية وتعتبر ذلك تهديداً للسلم الإجتماعي. وارتفعت أصوات كثيرة تطالب بتشريعات جديدة لضبط التطرف الالحادي الذي يُخشى ان يحرك تطرفاً دينياً موازياً فيُدخل المجتمعات في دُوامة من الفوضى والنزاعات وربما الحروبات الأهلية. و كان الإسلام منذ عهد قديم قد حرم الإساءة والسب للأديان الأخرى لئلا يُقحم الجميع في دائرة خبيثة من السباب المتبادل والكراهية . مما يمنع التواصل الاجتماعي والفكري ويحول بذلك دون انتشار دعوة الإسلام السلمية . و ذلك المنطق  ذاته هو الذي يوجب وضع تشريعات معتدلة توازن بين حرية الفرد في التفكير والتعبير وقدرة المجتمع على الانسجام والعيش بسلام.
حرية التعبير والاخلاق والقانون
        الدين والأخلاق معاً هما الضامن الأكبر لحرية الإنسان ولحقوقه ولكرامته . ذلكم أن جوهر الدين والأخلاق هو تحريم الظلم وتعظيم الرأفة والرحمة . والدين والأخلاق ضابطان ذاتيان للأفراد والجماعات . والضبط الذاتي أوسع أثراً من الضبط الخارجي بواسطة وسائل انفاذ القانون . وهما في الوقت ذاته  القاعدة التي تُستمد منها الدساتير والقوانين . فالمعايير الدينية والاخلاقية الى جانب المصلحة والمنفعة هي أساس التشريع في كل أمة من الأمم سواءً وصفت بأنها ذات مرجعية دينية أو علمانية . فالعلمانية ليست محصنة إلا من النصوص والأحكام الجزئية للأديان منعاً لها من التأثير المباشر في مجريات الحكم والسياسة . وأما روح الشرائع والاخلاق المنبثقة عنها فلا يمارى مماري في أثرها الضخم في توجيه الحياة العامة والخاصة حتى في تلكم البلدان التي توصف بالعلمانية المتشددة. فالتشريع المعبر عن دين الأمة وأخلاقها هو بذاته فرع من فروع حرية التعبير عن خصوصية تلك الأمة وثقافاتها وامتثالاتها ورؤية انسانها للكون والحياة . وهو الأمر الذي بات يُطلق عليه مصطلح (النسبية الثقافية) . فلئن كان من حق الفرد ان يُعبر عن خصوصيته الفكرية فمن حق الشعب أن يعبر عن خصوصيته الثقافية وهويته وعبقريته الخاصة بين الأمم.
        والأمم تعبر عن هذه الخصوصية من خلال التعليم والتوجيه والتشريع والتقنين . بيد أن هذا وان عنى تفاوتاً في تفسير حرية التعبير بين الأمم والشعوب فأنه لا يعنى أن ليس لحرية التعبير أساس انساني تشترك وتتفق عليه سائر الأمم .  وهو الأصل الذى يُصار اليه لتعريف تلكم الحرية . والاختلافات الثقافية في تفسيرها لحرية التعبير ينبغي أن لا تتناقض مع الحق الأصيل للانسان في التحرر من اكراهات الرأي والفكر والثقافة.
        ولئن كانت حرية التعبير هي أوسع الحريات فلا غرو ان تكون مركز اهتمامات الجماعات المطالبة بالحرية والتحرر. ولكن لأن الحرية كلمة جذابة وذات طبيعة جمالية وثورية فكثيراً ما تبالغ هذه الجماعات في مطالبها حتى تكاد تبلغ إلى المطالبة بالحرية المطلقة التي لا يحدها قانون. ونحن نسمع مراراً وتكراراً عبارة (الغاء القوانين المقيدة للحريات ) وهي عبارة مفرطة فى السذاجة لأن كل قانون هو مقيد للحرية بصفته قانوناً . فالحوار لا يجب أن يكون حول فكرة التقييد لأنه مُسلم بها وأنما حول مدى هذا التقييد وجدواه وشرعيته في الظروف الماثلة والأحوال السائدة . ومن اعتقد أن الحرية لا تتقلص وتتمدد مع تحولات المناخ الإجتماعي والسياسي وحالات الحرب والسلم فهو شخص أعشى لا يرى فى نهار الحقيقة من وقائع الحال إلا ما يتمنى.

نواصل،،،،

جدل الحرية حوار أهل السمع والبصر 2



الحرية هي العلامة المائزة لانسانية الإنسان . بيد أن الإنسان هو ذلك الكائن المسؤول القادر على البيان والتبين. وأمانته ومسئوليته التي تأبت أن تحملها السموات والأرض والجبال هي مسئولية حرية الاختيار. وهي تعنى استخدام مشيئته الذاتية في الأخذ والترك وفي الفعل والامتناع. فلئن كانت الحرية هي القلادة الماسية التي تطوق عنق الإنسان وتخبر عن فضله وكرامته على سائر المخلوقات فهي في ذات الوقت امتحانه المستدام ما دامت انفاسه تصعد وتهبط . وما دام يجرى نسغ الحياة في شريانه ووريده. فالحرية هي اطلاق الطاقة الحيوية الابداعية للانسان . وهي في ذات الوقت كبح تلك الطاقة الحيوية ومنعها من الاندفاع في الأتجاهات الخاطئة . فسبيل الصواب في جميع الأحوال سبيل واحد . وسبل الضلال عن الصواب كثيرة لا تعد ولا تحصر . (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني) سورة يوسف الآية 108. (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) سورة الأنعام آية 153 فسبيل الحق والصواب سبيل واحد في كل لحظة إختيار . ويتوجب على الإنسان الراشد أن يحسن تقدير كل موقف في لحظة الحقيقة التي هي لحظة الأختيار.
حرية التفكير هي الحرية الكبرى
والتفكير هو منهج الإنسان ووسيلته ليختار أن يفعل أو لا يفعل. والتفكير هو سيرورة العقل عند تفاعله وانفعاله . والعقل معنى لا يوصف بجسم ولا كتلة ولا يتحيز في زمان ولا مكان بل هو وعي الإنسان . وهو احساسه بالحياة الروحية النابضة في وجدانه كما تنبض الدماء في عروقه. يقول الجرجاني في تعريفاته عن العقل (أنه جوهر مجرد عن المادة في ذاته مقارن لها في فعله . فهو جوهر روحاني خلقه الله مقارناً للبدن ، وهذا المعنى يشرح الآية او نصف الآية (خلق الإنسان علمه البيان) فالخلق والتعقل مقترنان في برهة واحدة من الزمان . فكانهما الشيء نفسه والفعل نفسه . ولأن العقل والتفكير هما أخص خصائص الإنسانية أن لم يكونا جوهر وجودها فأنه لا يتصور أن الخالق سبحانه وتعالى الذي كرم الإنسان بهذه الخاصية أعطاها أياه بحكم الخلق ليأخذها بحكم الشرع. لذلك فأن ذروة سنام الحرية هي حرية الاعتقاد والتفكير. والاعتقاد ليس شيئاً بخلاف التفكير بل هو درجة سامقة من درجات التفكير. فلا أحد يبلغ مبلغ الايمان والاعتقاد أصالة لا تقليداً إلا بعد أن يبلغ من درجات التفكير شأواً علياً . وأما الاعتقاد الذي هو ثمرة للتقليد لا ثمرة للتفكير فهو مذموم عقلاً وشرعاً . (قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه أباؤنا . أو لو كان أباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون) . فالعبرة بهداية العقل وهداية الشرع . ولا بلوغ لهداية الشرع إلا بهداية العقل . فكل شريعة لابد من إضاءتها بمصباح التفسير والتأويل العقلى .
إعتقاد بلا أكراه
حرية الاعتقاد والتفكير حرية مقدسة . ولا يجوز المساس بها ولا يحق لأحد من الناس أن يكره الناس على انتهاج نهج من التفكير أو الاعتقاد ولو كان نبياً مرسلاً. (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) (لست عليهم بمسيطر ) فإن كان لا يجوز لنبي أن يكره الناس أو يسيطر على عقولهم ومشاعرهم فلن يجوز ذلك لأحد من الناس من بعد الأنبياء . ذلك أن الله سبحانه وتعالى لو شاء لأكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض جميعاً) وهو الجزء الأول من الآية الآنفة الذكر . وحرية التفكير هي السبيل الى حرية الاعتقاد (قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة) سورة سبأ الآية 46 فالتفكير في حقيقة الرسول والرسالة ومضمون الرسالة ومعقوليتها وبعدها عن اللامعقول هو السبيل المفضى للاعتقاد السليم الصحيح. والله سبحانه وتعالى يدعو أولى الألباب لاستخدام تلك العقول في معرفة سبيل الحق اتباعاً له لا تقليداً لمن يتبع بغير بصيرة ولا تفكير ولا تدبر. وحرية التفكير تعنى حرية الخيال وحرية السؤال كما تعنى حرية التفكيك والتحليل وحرية التركيب والإبتكار . ولا يجب أن يقيد كل ذلك بقيد من عرفٍ أو تقليد أو قانون أو تشريع . ما لم يكن ذلك العرف أو التشريع موافقاً لمقتضى التفكير السليم الصحيح . فصريح المنقول شرعاً لا يخالف صحيح المعقول عقلاً أو كما قال الأمام تقي الدين بن تيمية. وحرية الأختيار الفكري حرية هي أم الحريات . فلا يجب أن يؤاخذ انسانُ على فكره ورأيه . ولكن الإنسان يؤاخذ على قوله وفعله . وذلك اتباعاً للقاعدة العادلة الشاملة (لا ضرر ولا ضرار) . فلا يجب ان تتحول حرية القول أو الفعل أداة للاضرار بالآخرين أو الانتقاص من حقهم المتساوى في إمضاء مشيئتهم الذاتية وحريتهم في التفكير والقول والعمل. ولئن كان لابد لكل حرية من حد فان حدود حرية الاعتقاد والتفكير تتسع إلى أوسع مدى حتى تلامس جدار الضرر والإضرار بالآخرين. ولان مسألة تقدير الضرر والإضرار قضية قد تختلف في تقديرها العقول فإن مرد تقدير ذلك للشرع وللعقل . ونقصد بالشرع الشرع الرباني المنزل من عند حكيم خبير والشرع الذي هو استمداد وتخريج من تلكم الأصول الشرعية بما يوافي متطلبات الوقت والمحل . ولربما يسأل السائل ان كان ذلك كذلك فماذا يؤاخذ المسلم عند تبديل عقيدته من الايمان إلى الكفران.
فكر بلا ضرار
والسؤال مشروع والأجابة عليه سهلة فمجرد تبديل أتجاه التفكير ووجهته لن يعلمه أحد . كيف يُعلم وهو أمر باطني وجداني لا يحيط به إلا صاحبه . ولكن تلكم الفكرة المرتدة المنكرة إذا تلبست الكلمات فتحولت مما وقر في الصدر إلى قول يتردد وترتجع اصداؤه فحينذ يكون النظر في مقتضى ذلك القول ومآلاته . فان كان محض فكرة شكوكة أو منكرة لا مناجزة ولا مبارزة فيها للعقيدة وللدين ولا تثير فتنة ولا تبغى تحريضاً للخروج عن الديانة فأفضل الرأي أن العقوبة على ذلك مؤجلة كما أجلت عقوبة المنافقين الى يوم القيامة . وأما إذا تحولت الى حرب على الإسلام بالكلام أو السنان أي بالحرب أو المظاهرة لمن نأوى الإسلام فعندئذ يستتاب صاحب القول لا محاسباً على فكرته واعتقاده ولكن محاسباً على فعله ونيته الهدامة.فمجتمع المؤمنين أمة واحدة متضامنة ومظاهرة الأعداء على الأمة خيانة فى عرف كل الأمم والملل والنحل .
حرية الفكر أساس النهضة:
أن حرية التفكير أمر حيوي لنهضة الأمة ولا يمكن لجماعة أو أمة من الناس تكبح حركة النوابغ من أبنائها وبناتها بأفكار التقليد والتخويف ان تنهض أبداً إلى مراقى الرفعة والتقدم . ويلزم من حرية التفكير حرية الجدل بالحسنى وباللتي هي أحسن من الحسنى. ولئن كان المسلم مأموراً ان يجادل الأغيار من أهل الكتاب وسواهم من اللذين لا يعلمون باللتي أحسن (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم باللتي هي أحسن) أفليس المؤمن أولى بالحسنى من غيره؟ والجدل شيء والمراء شيء آخر. فالجدل مأمور به والمراء منهى عنه. والجدل هو استخدام مقتضيات الحكمة والعقل واستجاشة المشاعر الخيرة عند الانسان . وأما المراء فهي محض الانتصار بالحجة وافحام الآخر ولو بالسفسطة والمغالطة . وأضطرار الآخر إلى أضيق السبيل بالابتزاز والاستفزاز. فمنهج الجدل هو منهج الحوار الذي هو المحاورة والمساجلة . مما يعني أن تدلو بدلوك وأن تنظر الآخر ليدلو بدلوه بين الدلاء . وأن لا تُحسم نتيجة تلكم المباراة والمساجلة مقدماً بالاصرار والتعصب بل يقال (وإنا أو أياكم على هدى أو فى ضلالٍ مُبين) ويقال ( قل لا تُسألون عن ما أجرمنا ولا نُسأل عما تعملون) فأنظر إلى كلمة (ما أجرمنا ) منسوبة للنفس وكلمة (تعملون) منسوبة للآخر . وليس في ذلك أقرار بجريمة أو عمل غير صالح بل هو أدب (التي هي أحسن ) تطبيقاً وبياناً بالعمل.

جدل الحرية حوار أهل السمع والبصر


جدل الحرية : حوار أهل السمع والبصر (1)
د. أمين حسن عمر

الحوار المحتدم في الساحة السياسية حول قضايا السلام والحريات والإقتصاد والهوية حوار تدور الرحى فيه حول مفهوم مركزي مهما تعددت الموضوعات وهو مفهوم الحرية. فمزاعم الذين يشنون حرباً على الدولة تستند إلى دعاوى التحرير والعدالة السياسية . وأهل الممارسة والمناجزة السياسية بالداخل من دعاة المقاومة المدنية يدندنون حول ذات المعنى. والحديث عن الإقتصاد حديث حول الحرية ، حرية الأسواق . وحرية الفقراء الكادحين من الاستغلال لفائض قيمة عملهم وكدحهم بواسطة من صار المال دولة بين أياديهم ، وكذلك فان الحديث عن الهوية . فإنه حديث في جوهره عن الحريات والحقوق الثقافية . فلا معدى اذاً عن جدل الحرية . وهو جدل تكتنفه كثير من المشاعر الوجدانية القوية والتحيزات الفكرية والعاطفية . وتحيط به هالة من التصورات الجمالية والمفاهيمية الجذابة . فلا غرو أن صارت الحرية أغنية في أفواه الثوريين وترنيمة في شفاه السياسيين . ولهذا السبب ذاته فإن ضباباً كثيفاً يظلل المعنى الحقيقي والذي تترتب عليه الأفعال والأعمال الموجبة لصالح الأفراد والمجتمعات. وجدل الحرية في بلادنا جدل كثيف ومستمر ومتطاول ولكنه جدل فيه كثير من الرياء والمراء . وفيه ما فيه من المغالطات اللفظية والمنطقية والتناقضات بين قول وفعل وبين فعل وفعل.
معنى الحرية:
لا يزال الفلاسفة والمتفلسفون والمثقفون وأنصافهم يديرون حديثاً ما له من منتهى حول معنى الحرية وفلسفتها . بل زعم البعض ان مفردة الحرية مفردة عصية على التحليل فهى زئبقية القوام ما وضعتها في شيء إلا واتخذت شكلاً مغايرا. ولكننا نؤمن بأن للحرية مفهوماً قابلاً للاستيعاب . بيد أنه يستعصى تصوره في غيرما بيئة او إطار من الوقت والمحل والفكرة.
و السؤال حول الحرية هو سؤال القيود. ولعله من المفارقة العجيبة إن مفتاح باب الحرية هو القيد. فالسجال يدور منذ قديم حول سؤال هل الحرية مطلقة أم مقيدة ؟ فاذا كانت مطلقة فمطلقة بازاء ماذا ومن ؟ أو ليس الإنسان محدود مقيد بقيود من الطبيعة والبيئة ومحكوم بحدوده الذاتية؟ فلئن كان ذلك كذلك فهل يريد البعض إطلاق حرية الإنسان بإزاء المجتمع؟ وهل يمكن في تلكم الحالة ان تكون هناك أية قاعدة موضوعية للاجتماع البشري؟ لاشك أن العقلاء جميعاً إلا طائفة من أصحاب الفلسفة الفوضوية قد خلصوا إلى أن أفضل تعريف للحرية وهو تعديد وتحديد ما يقيدها !! وعود على بدء معالجة التعريفات فالأجدى عند تعريف المفردات أن نشرع من تلقاء اللغوي مروراً إلى العملى الإجرائي . وفي الدلالة العربية لمفردة الحرية يقول أبن منظور قال أبن الاعرابي : حر يحر حراراً إذا عُتق والحُر بالضم نقيض العبد وحرية العرب أشرافهم وحُر الفاكهة خيارها . فها هو أبن الاعرابي يُعرف الحرية بالعبودية فمن لم يكن عبداً أو كان عبداً فعتق فهو حر . وكما يقول حرية الناس أشرافهم أي أولئك الذي لا قيد على تصرفاتهم ممن هم دونهم . وفي اللغة الإنجليزية والفرنسية في القواميس الأحدث فأن الحرية هي القدرة على القيام بالفعل دون أكراه. فالخلو من الأكراه هو ما يُعرف الحرية. بيد أن هذا التعريف يعيبه أن الخلو من سائر الإكراهات الفكرية والنفسية والإجتماعية والبيئية والطبيعية أمر يستحيل تحققه . فكانما الحرية هى رابع المستحيلات مع الغول والعنقاء والحل الوفي أو كما يزعم الزاعمون . وقد يسأل السائلون عن مفردة الحرية ولماذا لم ترد بهذه اللفظة في القرآن الكريم ؟ والسؤال مشروع والإجابة سهلة وهي أن القرآن يعبر عن الحرية بمصطلح أكثر إيجابية . وهو مصطلح المشيئة والمشيئة تعنى ان يفعل الإنسان ما يشاء وأن يعتقد ما يشاء وان يتخيل ما يشاء . فالمشيئة معنى أقوى في نفي الأكراه. لأن الإنسان العاقل لا يرى في قيود العقيدة والاخلاق والطبيعة والبيئة وما توافق عليه المجتمع من أعراف طوعية لا يرى في ذلك أكراهاً . بل ان تلكم التحديدات هي مسارات سريعة للحرية لئلا يعوقها الإصطدام أو الاشتجار فكأنها مسارات مثل أشارات المرور السريع يراها البعض قيداً واكراهاً ويراها العقلاء طرقاً ممهدة للسلامة مع المرور السريع. وهذا المعنى فطن إليه أهل الحكمة اليونانية لأنهم لم ينظروا إلى الحرية إلا في إطار المدنية . وأعنى إطار التوافق الاجتماعي على العيش المشترك. ولذلك فمفهوم الحرية اليوناني مرتبط بمفهوم المواطنة في ذلك المجتمع المدني . فمن كان هو أو هى بعض من التوافق المدني فهو حر وإلا فليس للعبيد ولا للأجانب حرية في بلاد الأغريق . ولا تزال بقية من هذا المعنى للحرية وللديمقراطية راسبة في مفاهيم المجتمعات الغربية . فليس للأجنبي أن يطالب بحرية متساوية في بلادهم مع مواطنيهم وأما في بلاده فهم أهل الحرية غير المنقوصه والأحق بها من أهلها !
مشروعية الحرية:
ولربما يسأل السائل من أين تنبع الحرية؟ ما مبررها العقلي والإخلاقي ؟ ومن أين تستمد مشروعيتها ؟ هل هي شيء فطري وجداني داخلي . فيستمد من دواخل الإنسان ؟ أم هي منحة اجتماعية مستمدة من المعايير والأعراف الاجتماعية؟ وهل يتساوى الناس جميعاً في الحق في الحرية ؟ ولئن كان ذلك كذلك فلماذا حدثت ظاهرة العبودية؟ وإذا كان الناس يتساوون في الحق في الحرية فهل يتساوون في القدرة على أمضاء المشيئة الفردية؟ هل يستوى الضعيف مع القوى والغني مع الفقير والذكر مع الأنثى في امضاء المشيئة الذاتية ؟ أم أن الحق في الحر شيء وامضاء المشيئة الذاتية شيء آخر ؟ وسؤال آخر متى تكون الحرية مستحقة ؟ أم أنها مستحقة بموجب الطبيعة الانسانية . أو كما قال عمر رضي الله عنه متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحراراً؟ فإن كان الإنسان مستحق للحرية بموجب الإنسانية فما هي الإنسانية هذه التي استحق بها ان يكون حراً ؟ أن قصة الخلق كما وردت في القرآن الكريم تقدم الإجابات الواضحة لتلك السؤالات . فإن الإنسان استحق التكريم والتفضيل بالعلم وإدراك وجه الحق من الأشياء . فقد سمي آدم كل شيء بسمته وعلامته ووضع كل شيء في موضعه المستحق . وبذلك قبس من أقباس العلم الإلهي الكوني. فالإنسان يكون إنساناً عندما يدرك العلامة والبينة الحقة (خلق الإنسان علمه البيان) سورة الرحمن . فأقوى أسباب إطلاق المشيئة الإنسانية هو قدرة الإنسان على استبانة الحق من الباطل . وقدرته من التخلص من اكراهات الغرائز والرغبات والأهواء والعيش بمنطق العقل الذي يميز بين الحق والباطل . وبهداية النهي الذي ينهاه عن موافقه الغريزة في طلب الفاكهة المحرمة . تلكم التي قد تهوى به من العافية إلى المرض ومن القوة إلى الضعف ومن الخلود إلى الموت . إن أقوى علامات الإنسان الحر هو قدرته على الضبط الذاتي. ذلك أن الإنسان أدرك بعقله انه محدود بمحددات لا حصر لها من طبيعته الذاتية . وكذلكم هو مقيد باكراهات الطبيعة والبيئة من حوله . فأدرك أنه يتوجب علىه أن يعقل تفكراته وتحركاته لكي لا يحدث تصادم بينه والاغيار فيطاله منهم أذى أو يحدث هوما يؤذى به للأشياء أو المخلوقات الأخرى. فالإنسان العاقل الراشد يدرك أن مفهوم التوازن بينه وبين الآخرين مفهوم مركزي لوجوده ولبقائه حياً ولحضوره الفاعل بين الأغيار . وذلكم المعنى هو عين مفهوم الحرية التي هي القسمة بالسوية بين الإنسان وغيره ألا يجور بمشيئته عليهم ولا يتعدون هم الأخرين عليه . وجوهر ذلك هو التقيد بالعقل وبالضمير الإنساني أو بالعرف الإجتماعي والتعاقد الدستورى السياسى .

المؤتمر الوطني – نحو أفق جديد 3- 4


أثار خطاب السيد رئيس الجمهورية بشأن وثيقة الإصلاح ردود فعل متباينة ولا غرو أن يفعل . فمنذ بيان الثورة الأول لم يثر خطاب من الخطابات الرئاسية إهتماماً بالغاً محلياً ودولياً قبل أعلانه مثل الخطاب الأخير. ذلك مثلما أجاب على كثير من التساؤلات فأنه أحبط الكثير من التكهنات والإحتمالات . وكان غالب هذه التكهنات بسيطاً وساذجاً عندما ذهب إلى توقع إعلان الرئيس عن ترتيبات ذات طابع دستوري. ذهب البعض بها إلى إحتمال تعليق الدستور والتوافق على مرحلة انتقالية . وكأن الحكومة تستجيب لكامل مطالبات المعارضة ما كان منطقياً منها وما لم يكن.
القضايا المهمة :
        ولئن كان الخطاب تقاصر عن أمنيات البعض وخالف تكهنات البعض الآخر إلا أن ذلك لم يقلل من أهميته الكبرى عند ذوي البصيرة السياسية . فجوهر الخطاب يدعو إلى وضع كل الأجندات على طاولة مستديرة لا يُحجب عنها أحد ولا يُمنع من الوصول إليها أحد . ما لم يصر على حمل السلاح سبيلاً لاكراه الإرادة الوطنية لتنزل على مقتضي ما يريد. والأريحية الرئاسية دعت أبناء الوطن جميعاً إلى الاجتماع على كلمة سواء تهييء الوطن جميعاً للنهوض من علائق الأرتهان للوثوب إلى مستقبل أفضل . وهو مستقبلٌ تتوافر كل مقوماته لولا الشقاق والإنشقاق وجوهر الخطاب يقول لأهل السودان أن كل صاحب رأي من السودانيين جدير بأن يحتفى برأيه . فلا يُهجن ولا يُبخس بل أن كل الأصوات مسموعة وكل الآراء يتسع لها المجال  . فكأنه عصف ذهني هائل على مستوى الوطن بأجمعه ولا يصح إلا الصحيح ولا يبقى إلا ما ينفع الناس والوطن . والصحة والنفع لهما معيار واحد هو الرأي الأغلب لأبناء الوطن. ولكي يتحقق ذلك المطلوب فإن أول مقتضياته أن يستجيب جميع الفرقاء إلى دعوة الحوار.  وأن يعلنوا ان لا سبيل لتغيير أو إصلاح إلا عبر الحوار السلمي . وان يُرفع الغطاء السياسي تماماً عن أولئك الذين يريدون أملاء شروطهم السياسية على الجميع عبر فوهة البندقية.
        أما قضايا الحوار المهمة فهي أولاً كيفية إستكمال السلام ليعم جميع ربوع الوطن والأولوية هي الاتصال والتواصل مع أولئك الذين حملوا السلاح . ليُصار إلى إستكمال استحقاقات الاتفاقيات والبرتكولات الموقعة، ثم ينضم هؤلاء إلى مائدة الحوار حول قضايا بناء الجمهورية الثانية بدستورها ونظامها السياسي ونظامها الإنتخابي . والترتيبات اللازمة لتحقيق هذه الأهداف والمقاصد الوطنية. ولعل أول المطلوبات لتحقيق ذلك هو حوار تمهيدي حول الترتيبات الضرورية لبناء الثقة وتوفير مناخ أمثل لحوار منتج و بناء . وقبول بعض الأحزاب مثل حزب الأمة القومي والمؤتمر الشعبي ومجموعة الإصلاح الآن مبدأ الجلوس للحوار حول ذلك أمرٌ يدعو للتفاؤل  . فأن القطيعة  السياسية كانت في الماضي هي ما يحول دون بناء الثقة بين الفرقاء . وهو ما كان يمنع التقدم نحو حوار هو حوار أهل السمع والبصر لا حوار العميان والطرشان الذي وسم الساحة العامة لحقبة ممتدة من الزمان. واستكمال السلام يكتمل بالمسالمة السياسية . و أعني بها التوافق على نهج يتيح السبيل إلى ممارسة واسعة لحرية مسئولة تقوم على احترام الشرعية وأحترام الحقوق والحريات والحرمات في آن واحد. ذلك أن عدم أحترام الفرقاء لمبدأ الشرعية الدستورية والقانونية يُعطي مبرراً لأهل الحكم للانتقاص من الحقوق والحريات . فلا تزال في نقص يتناقص مما قد يبرر كل خروج غير شرعي لدى الخارجين على الدستور والقانون . ووثيقة الإصلاح التي أعدها المؤتمر الوطني قد تطرقت بأسهاب لقضية استعادة المناخ المعافى للمارسة السياسية الحرة. وذلك من خلال توافقات تؤكد على علوية المباديء الدستورية والقانونية وعلى قدسية ممارسة الحريات المكفولة بالدستور والقانون. ويُبلغ ذلك من خلال حوار يقضي إلى الاتفاق على التأكيد على الحريات كما وردت في الدستور . والاتفاق على آليات للقضاء المستعجل في حال عدم الإلتزام بها من قبل الممارسين أو المسئولين على حدٍ سواء. فقضية الحريات قضية مركزية لدى الحديث عن إعادة بناء النظام السياسي الديمقراطي الذي يسع الجميع، ولا يضيق إلا بمن ضاق به. بيد أن ممارسة الحرية أشبه ما تكون بالإلتزام بقواعد المرور . ذلك أن حرية المرور الحر السريع لن تتوفر إلا بأحترام جميع الراكبة والسابلة بقواعد السير. فاذا أخل طرف من الأطراف بالقواعد ولم يؤخذ على يده أوشك الأمر أن يصير إلى فوضى كبرى. وما يحدث على صعيد السياسة في بلدنا هذا أشبه ما يكون باختلاط الحابل بالنابل في ساحة لم يتراض شاغلوها على قواعد التجمع والتحرك والوقوف. والتراضي هو جوهر المساجلة السياسية مثلما أن التوافق على القواعد هو جوهر كل منافسة وكل مباراة . والتوصل إلى هذا التراضي يقتضي قبولاً حقيقياً بالآخر الذي ليس هو بالضرورة الصاحب المتمم للكيف بل ربما يكون هو الآخر الذي يزيد كثافة الهواء بانفاسه الصاعدة الهابطة.
        والقبول بالآخر هو ميسم الديمقراطية الأول وهو  علامتها المسجلة. سواء كان العرض داخل الأحزاب والقوى السياسية نفسها ، أو فيما بين هذه  القوى السياسية في الساحة العامة. وعلامة القبول بالآخر هى اختفاء لغة الكراهية والقطيعة والإقصاء واستبدالها بلغة الجوار السياسى( بالجيم لا الحاء المهملة ) وذلكم على أقل تقدير . فالانسان عادة لا يختار جيرانه ولكن ذلك لن يمنعهم حقوقهم مهما اختلفوا معه في الرأي أو المزاج والهوى. ولغة الجوار السياسي هو أن نقبل الآخرين على علاتهم كما نرجو أن نقبل بواسطة الآخرين على علاتنا وان نلُمهم على شعث كما نرجو ان نلتئم معهم على شعث فأي الرجال المهذب؟
        ان الأوضاع السياسية في بلادنا تحتاج إلى إصلاح عاجل أو بلغة بعض الأصدقاء إلى الإصلاح الآن . وذلكم يعنى الإصلاح غير المؤجل. وجوهر هذا الإصلاح هو تسويد الروح الديمقراطية في الممارسة السياسية في الكلي من الشأن الذي هو المجال السياسي العام وفي الجزئي منه الذي هو التنظيمات السياسية وسائر التنظيمات الأخرى الإدارية أو تلك في المجتمع المدني . فالجميع يشكو من الآخرين ولسان حاله يقول (الآخرون هم الجحيم) . وننسى أننا أيضاً بعض أولئك الآخرين لدى الآخرين. ان الديمقراطية خلقٌ قويم مثل خلقُ الأمانة والصدق . فأبحث عنها في نفسك التى بين جنبيك قبل التماسها لدى الآخرين . فاذا لم تجدها في نفسك فاعلم أنك غير مستحق لها من الآخرين. ان سائر الحريات الديمقراطية تقتضي واجباً في المقابل . فحرية القول تقتضي واجب الاستماع وحرية الانتقال تقتضي واجب الافساح  وحرية الاحتجاج  تقتضي واجب الامتناع عن المضايقة والإيذاء وهلم جرا كما كان يقول القائل . ولأن فاقد الشيء لاينتظر منه أن  يُعطيه ولأن الجزئي هو المكمل للشأن الكلي فإن إصلاح الأوضاع السياسية لابد ان يتزامن فيها أصلاح الجزئي مع إصلاح الكلي . والمعنى هو اصلاح الحال الديمقراطي داخل الأحزاب واصلاح الحال الديمقراطي فيما بينها في ذات الآن والأوان على حدٍ سواء. ولذلك فأن المؤتمر الوطني أخذ على نفسه ان يبدأ بنفسه فكان الجُزء الأول من وثيقة الإصلاح هو تطوير واصلاح الحزب . ذلكم أن فاقد الشيء لا يعطيه. وإصلاح الحزب يهدف الى ترسيخ القيم الديمقراطية والشورية فيه وتوسيع المداولة الفكرية والسياسية في أنحائه  ومستوياته ومسئولياته مداولة بالرأى وتداولاً للمواقع وتحملاً للأعباء وأستحقاقاً للحقوق بالدأب والجهد والعمل.

نواصل،،،