ذكرنا آنفاً أن
الهوية هي حقيقة الشخص أو مطابقة سمات الشخص وصفاته وأفعاله لما هو عليه. فهي
إثبات لكون الإنسان هو نفسه ولا أحد سواه. أو كما قال فولتير (هذا المصطلح العلمي
لا يعني سوى الشخص نفسه) ويمكن ترجمة المصطلح للغة الفرنسية والإنجليزية كما
أسلفنا ليعنى التساوي Identical . والهوية تعني
في جانب منها المطابقة وذلك بمطابقة الشيء أو الشخص لنفسه . وتعنى المخالفة
بمغايرته لمن هو سواه . وما لم تكن مغايرة لا تكون هناك مطابقة . فللهوية ركنان
ركن للأثبات وركن آخر للنفي . وقد ذكرنا كذلك أنه يمكن ان يُنظر لهوية الشخص من
الخارج كما يفيد المصطلح هو الذى هو ضمير
الغائب المنفصل أو يمكن ان ينظر إليها من الباطن من داخل الشخص نفسه وعياً منه
بذاته وسمات هذه الذات وصفاتها واحساسها ومشاعرها. والهوية إما ان تكون فردية فهي
هُوية شخصية أو تكون جماعية . وهي في كل الأوقات تعني المطابقة مع الذات والإمتياز
عن ا لأغيار . والمعاجم الأجنبية نترجم منها وصفها للهوية بأنها (حقيقة الشيء أو
الشخص المطلقة ( الكفوي لا يجعل الهوية إلا للأشخاص دون الأشياء) المشتملة على
صفاته الجوهرية والتي تميزه عن غيره).
الهوية من الخارج
هل الهوية
نظرٌ وتأثيرٌ من الخارج أم هي تفاعل بين الداخل (الباطني الإنساني) والخارج ؟ وإذا
كانت تفاعلية فهل هو تفاعل تأثيراته المتبادلة متساوية أم أن لأحد الفاعلين
(الخارج والداخل) أفضلية على الآخر. من المعلوم أن الإنسان هو سيد النقائص لأنه
يولد عاجزاً ناقصاً بصره ناقص وسمعه ناقص ومعرفته ناقصة وهو عالة على الأغيار
(وبخاصة الأم) . وهو يستكمل هذا النقص بالتفاعل مع الأغيار . وكل تفاعل أما ان
يكون متساوياً في التأثير والتأثر أو غير متساوي. فاذا كانت الهوية أكثر تأثراً
بالاغيار فهي اذاً بطابعها مكتسبة أو كما يقول بعض الوجوديين هي هوية مستلبة. فهل
هي هوية مطابقة لذاتها كما هي كائنة أم كما هي متكونة . والكينونة هي الحالة
الأصلية والتكون هو سيرورة التحول عبر التفاعل مع الأغيار . وهو ما يطلق عليه
التشخصن . فنحن نقابل هنا بين الحالة القارة العميقة والحالة المتفاعلة المتكيفة
او بعبارة أخرى هى تفاعلٌ بين كُنه الشخص وتحوله . والتحول إنما يكون بالتفاعل مع
هوية جمعية قد تكون هي الأكثر تأثيراً . وربما أيضاُ هُويات فردية متفاعلة مع
الشخص . وهنا تتداخل الهوية الذاتية مع الهوية الجمعية . فهوية الشخص ذاته هي جزء
من ذات جمعية أعم . بيد أن سؤالاً مهماً يرد في هذا السياق وهو أن الهوية الجمعية اذا
كانت ذات التأثير الأكبر على الهوية الشخصية فهل تبقى مؤثرات الخارج (الجمعية) على
حالها عند اندغامها بالذات الفردية ؟ أم انها تتغير عند الاتحاد مع المعطيات الذاتية كما تتفاعل العناصر الكيمائية
فينتج محلول جديد هو فريد بذاته . وهذه الفرادة الناتجة عن التفاعل بين الباطن
والظاهر هي التي تعطي كل شخص خصوصيته وفرادته . فلا يكون إلا نفسه ولا يُصبح
تكراراً لأي شخص أو شيء سواه . فكأنها مطابقة في حالة السيرورة لا مطابقة في حالة
السكون . والسكون حالة مستحيلة عندما يكون الحديث عن الإنسان . فلا جسده ولا نفسه
ولا روحه تعرف السكون لبرهة واحدة . وإذا كنا نتحدث عن تواصل وتفاعل مستمر فنحن
نتحدث عن نفي وأثبات باستمرار . فالاثبات هو تأكيد الإنسان لنفسه من خلال المطابقة . والنفي
من خلال التميز رغم غازيات التأثيرات من الخارج وهى حالة رفض الاستلاب وقبول
التحول . فالإنسان في حالة مدافعة وممانعة مستمرة بين عبقريته وتفرده الذاتي وبين
المشروطية الاجتماعية التي تُفرض عليه من الخارج من خلال التنشئة الإجتماعية
والتفاعل مع الآخرين . وكل استجابة لتأثيرات الهوية الجمعية هو إنكار أو تطوير
لجزء من الهُوية الباطنة . فالانكارللذات يؤدي إلى مسايرة دون تأكيد للذات . بينما
التطور يعني استيعاب المؤثرات الخارجية داخل مشروطية الذات العبقرية المتميزة . لتزداد
قدرة الشخص على التأثير على اللآخرين بقدر ما هو متأثرٌ بهم أو قد تزيد.
الهوية والأصالة
وقد أطلنا
الحديث في العلاقة بين الشخص والآخرين لأن أصالة الذات الإنسانية جوهرية لتحقق
وجودها. فالإنسان المستلب الذي هو بين يدى الذات الجمعية (المجتمع) كالجثمان بين يدي من
يغسله لن يكون وجوده في الحياة إلا سطحياً , ولن يكون حضوره في الزمان إلا هامشياً
. يصدق ذلك على الهوية الشخصية الفردية وعلى الهويات الجمعية الثقافية والحضارية
والوطنية والمهنية . فالجماعة الثقافية التي تأخذ ولا تعطي والتي ولا تمثل ما تأخذه
فتدرجه في سياقها هي جماعة سرعان ما تندثر ثقافياً وتحتويها أمواج الألينة
(التغريب) . والأمة التي تصبح عالة على منتوجات
الأمم الأخرى الفكرية والاستهلاكية والصناعية بل والمزاجية (المودات والصرعات) هي
أمة تفقد معنى كونها أمة . لأن المعنى الصميم للأمة أنها الجماعة التي تعرف ذاتها
ووجهتها فتييم مقصداً مطلوباً ومعروفاً للجميع. والشعب الذي لا يستلهم خصوصيته في
المكان (الوطن) وعبقريته في الزمان (تميزه بصفة جماعة مخصوصة معروفة بتراثها
وأواصرها الثقافية وتاريخها المشترك ومقاصدها في العيش الكريم بين الشعوب ) فهو
المثال لشعب لن يعرف النهضة ولا التقدم ولا الرقي الإجتماعي . فالأصالة ليست جوهر
الهوية فحسب بل هي زادها للنهضة وللتقدم . وسواء كانت الهوية شخصية أو جماعية فإن
أهم ما يميزها هو أصالتها . نعنى تمسكها بأن تكون هي هي ولا شيء سواها . فالهوية هي دينامية متواصلة تنمو بهدم ما نفد وأستُهلك
وبناء ما هو طاقة للنمو والتقدم . فكما
يستهلك الجسم خلاياه النافدة ويطردها خارج الكيان . فان الذات الباطنة الحقيقية
تهدم كل ما هو غير قابل للنمو والتطور في كيانها وتأخذ من الأغيار ما يعبيء ذاتها
الباطنة بطاقات متجددة . فالهُوية ليست ساكنة بل هي لا توجد إلا في حالة مدافعة
بين الذات والآخرين . يقول كلود ليفي اشتراوس فيلسوف المدرسة البنيوية ان (الهوية
عمليه ادراكية تتعلق بعملية تقييم متبادلة ما بين تقييم الفرد لذاته وتقييم
الآخرين له) والاصالة هي الإنتصار الدائم للفرد لذاته لا برفض التفاعل ولكن بتمثُيل
المؤثرات الخارجية وهضمها وادماجها في الذات الأصيلة . ونفي وطرد كل ما لا يلائم
تلك الذات الأصيلة . والصراع ههنا صفرى الطابع فإما أن يُقصى الفرد العناصر
المؤثرة غير المنسجمة مع أصالته أو أن هذه العناصرالناشزة هي التي سوف تُقصى وجوده
الأصيل . وتسبدله بذات زائفة مستلبة غير قادرة على التميُز عن الأغياربينما التميز
وحده هوالذي يعطيها معنى كونها (هوية).
السؤال الأجدى في قضية الهوية
إن السؤال
الأجدى في قضية الهوية هو السؤال الذي لا نسمعه يتردد في أبهاء الحوار والمجادلة حول
الهوية. وهو ليس سؤال من نحن؟ بل هو سؤال لماذا نحن على ما نحن عليه ؟ ان غالب
الجدل السياسي حول الهوية يدور حول هامشيات في مسألة الهوية مثل علاقة المركز
بالهامش او علاقة الأعراق بأعراق سواها أو خصوصيات الثقافات المحلية. وكل هذه
الأسئلة تستبطن افتراضاً مُسلماً به وهو أننا جماعة واحدة تشتمل على هويات متعددة .
وهذا أمرٌ مُسلم به فكل هُوية هي حالة من انشاء الدوائر أي الهويات المتعددة
المتداخلة. فشأن الهوية أن تتعدد لأن الانسان بطبيعته عميق ومتعدد ومتمدد بطاقته
الحيوية . فلا يمكن أن نُعرفه بسمةُ واحدة من سماته ولا صفة واحدة من صفاته . وسوف
نتطرق في وقت لاحق إلى مسألة تداخل الهويات هذه ولكن سؤال اللحظة هو أننا إن كنا نُسلم
بأن لنا هوية جمعية وطنية واحدة متداخلة مع هويات أخرى فالسؤال الأهم ليس هو من
نحن؟ لأن الأجابة عليه سابقة لطرح السؤال فنحن بالبداهة سودانيون (بحكم الهوية
الوطنية) . ولكن السؤال الأجدى هو لماذا نحن في الحال الذي نحن عليه؟ لماذا نحن متأخرون ؟ لماذا نحن متخلفون؟ لماذا
نأخذ من الآخرين (الأوطان والأمم الأخرى ) ، أكثر مما نحن نعطيه لهم؟ لماذا نحن
مستهلكون للثقافة وللفكر وللمصنوعات وللسلع وللازياء وصرعات (المودة) ؟ ولماذا رموز
وطنيتنا منخفضة عند التقويم (التقييم: والمفردة هكذا خطأ شائع ) ؟ لماذا تتراجع عملتنا أمام العملات الأخرى؟
لماذا تنهزم فرقنا الرياضية في المنافسة مع (الاتيام) الأخرى؟ وما علاقة كل هذه
الأسئلة بقضية الهوية والأصالة الوطنية وقضية تداخل الهويات وتنازعها أو قدرتها
على التوافق والانسجام!!
نواصل ،،،
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق