جدل الهوية في السودان لم يكن كله بالكلمات بل تحول في إحيان
كثيرة الي التعبير من خلال صندوق الذخيرة. فهل كانت قضية الهوية حقاً سبباً في
تشعب الخلافات وتكاثر النزاعات؟ أم انها اتُخذت مبرراً مناسباً وغطاء سابغاً
لطموحات او ظُلامات لا تمت للهُوية أو الثقافة والانتماء بصلة. وإنما كانت شعاراً
ودثاراً ألفاه المتزملون به خير إستمالة عاطفية لموقفهم من الخلاف او النزاع او
الحرب. بيد أنه وفي كل الأحوال فإن سؤال الهوية يظل غاية في الأهمية وتشكل
الاجابات المختلفة عليه استجابات متعددة تتمظهر فيما بعد في المواقف الايدولوجية
والسياسية . وتؤثر باعمق مما يتصور كثيرون في التحالفات الداخلية والخارجية
وتوازنات القوي . كما تؤثر علي السياسات العامة في كافة المجالات وبخاصة في مجال
التعليم والتوجيه والاعلام والثقافة العامة. ورغم كل هذه الاثار الهائلة إلا انه
ما من سؤال آخر يضاهي سؤال الهوية في حالة الارتباك الكبري والاختلافات الفلسفية
والفكرية العميقة التي وسمت مقاربات أهل الفكر والسياسة عند محاولتهم الاجابة علي
السؤال والسؤالات الاخري المتفرعه عنه.
الانسان.. وهُويته
كلمة هُوية هي نظرٌ للانسان من الخارج ولو كانت نظراً من
الداخل لكانت هى "الانوية"من اأنا أو "النحنوية"من نحن . ذلك
ان المفردة ترتكز علي ضمير الغائب (هو) ولا تكاد تجد لها تعريفاً في المعاجم
العربية القديمة . وإنما استخدمها الفلاسفة العرب القدماء استخدامات متعددة
ومختلفة . فالجرجانى فى كتاب التعريفات عرفها (الحقيقة المطلقة المشتملة على
الحقائق اشتمال النواة على الشجرة فى
الغيب المطلق.) وقال أبو البقاء الكفوى فى
كتاب الكليات ( أن ما به الشىء هو باعتبار تحققه يسمى حقيقة وذاتاً وباعتبار تشخصه
يسمى هُوية واذا أخذ أعم من هذا الاعتبار يسمى ماهية ) . والفارآبي عرفها ( انها
اسم مصاغ إنطلاقاً من الضمير المنفصل هو) ولعل الفارآبي لتأثرة بالفلسفة اليونانية
قد اختار هذا الاشتقاق الذي يتصل بكلمة Idem
اللاتينية التي تعني الشئ نفسه المطابق لذاته.
والمعاجم الأوروبية المعاصرة كلها استخدمت مشتقاً من اللفظة اللاتينية Idem الذي اشتقت منه لفظة Identity ولم
يقتصر الاشتقاق علي اللغات ذات الاصل اللاتيني مثل الفرنسية والاسبانية والإيطالية
بل استخدم في اللغات الجرمانية ايضاً مثل الانجليزية والالمانية والهولندية.
فالمصطلح كما استُخدم في العربية او اللغات الاوروبية هو نفسه مفردة
"هوية" أي الشئ المطابق لنفسه . فكأن
الهوية تعني تحصيل الحاصل . وهي أشبه بمفردة الحقيقة فحقيقة الشئ هو ما يطابقه.
فكأننا نقول كما قال الجرجانى ان هوية
الانسان هي حقيقته . وتعسر شرح الهُوية لما كان الانسان كائناً معقداً عسيٌر علي
التفكيك والتحليل فان حقيقته مطابقه لحالته المستعصية علي التحليل والتبسيط. وهنا ترد مفارقة تتمثل في الاستخدام الدارج
لمفردة هوية بالفتح لا بالضم والهوية بالفتح تعني البئر العميقة . وأما الهُوية
بالضم فتعني الشئ نفسه او الانسان نفسه . ولعل ما يجمع بينهما هو ن الهوية نفسها
هوية تتميز بالعمق لما كان موضوع الدرس والفحص هو الانسان والنفس الانسانية ذات الاعماق البعيدة
السحيقة . وكما أسلفنا أن الهوية هي نظر
للانسان من الخارج لما كان المستخدم هو ضمير الغائب بيد أن الأغرب في الأمر أن
غالب المقولات والتفسيرات إنما تنظر للهوية من الداخل لا من الخارج . فالانسان كما
يشعر بحقيقته أهم وأصدق من المنظور الخارجي حين ينظر اليه الآخرون . واشهر تعريفات
الهوية هو تعريف اهم المشتغلين بدراستها "أريكسون" والذى عرفها (بأنها
الوعي الذاتي ذو الأهمية للاستمرارية النفسية والايدولوجية وفلسفة الحياة التي
يعتنقها الفرد وتعينه علي الاختيارات التي يجريها . كما تحدد اتجاهاته وسلوكه
الشخصي.) وهذا مما لاشك فيه نظرٌ من الداخل لا من الخارج. وهو يشبه نظر
(هيجل) والذي يركز علي الذات وعلاقتها
بالموضوعات . والتفكير والارادة لدي هيجل لا يمكن ان تكون إلا لهوية ذاتية وهي
المنظار المطل على الموضوعات خارجها. وقد سار ماركس دائماً علي خطي هيجل ولكن في
الاتجاه المغاير . فالعلاقة ايضاً عنده بين الذات العارفة وبين الموضوع . ولكن
البداية عنده تأتي من تلقاء الموضوعات أى من الخارج لا من الداخل . فالتحول في
الاشياء هو الذي ينشيء معرفة عند الاشخاص . لأن المعرفة عند ماركس تنشئها الضرورة
وهي تحدد ارادة الانسان وترسم حدود اختياراته وحريته . ولأن مقولة ماركس الكبري هي ان الأرادة أو "الحرية هي معرفة
الضرورة" . وبخلاف اريكسون وهيجل واقرب الي ماركس جاء تعريف جورج ميد أشهر
دارسى الهوية المعاصرين الي جانب اريكسون . وهو صاحب نظرية "التفاعلية
الرمزية" التي تجعل التواصل مع الآخرين ونظرة الآخرين للشخص أمراً جوهرياً في
تحديد هويته . فالتفاعلية هي تدخل الآخر
في تكوين الأنا أو الهُوية . وقد دخل الحوار حول الهُوية الي مجال فلسفة اللغة
بانضمام فلاسفة البنيوية بهذا المجال . ومثل ما هو شائع لديهم ومعروف عنهم فأن
العلاقة الأهم ليست بين المفهوم والذات بل هي علاقة بين المفهوم والصورة الصوتية
أو الرمزية "الكتابة والرسم" وفريناند دي سوسير هو رائد السيمالوجيا
التي تجعل الهُوية مجرد تواضعات وتكيفات مع المفهومات السائدة اجتماعياً والمعبر
عنها باللغة وسماتها واشاراتها . وترسخت هذه القناعات لدي فلاسفة اللغة فلدى يورغن هابرماس
فأن التواصل اللغوي جوهريٌ في رسم حدود الذات وتعريفها، ولعل مداخلة أصحاب
الألسنية وفلسفة اللغة تكتسب أهمية بالغة بسبب تركيزها على معطى اللغة في تعريف
الهوية، ومما لا شك فيه أنه مهما اختلفت الأفكار والفلسفات فإن أهم معطيات الهوية
ومحدداتها تبقى هي اللغة والمكان أو الوطن . واللغة تكاد تتصل بالمكان اتصالاً
فريداً حميماً بخلاف معطيات أخرى مثل العنصر والعرق والجنس والمهنة وما إلى ذلك
مما تُعرف به هُوية الانسان في أي مكان .
بيد أنه من المُسلم به أن الهُوية ليست سمة واحدة بل سمات وصفات متعددة
متداخلة مثل إنشاء الدوائر بعضها داخل بعض . وما من دائرة ألا وهي متولدة من دائرة
أخرى . فعندما تُعرف الإنسان يمكن أن تقول (هو جعلي، سوداني، أفريقي، عربي، مسلم،
مالكي، متدين أو غير متدين وهو مهندس ناطق العربية ومتحدث بالإنجليزية وهوشاعر وسياسي وإصلاحي وناشط إجتماعي وهلمجرا،
توصيفاً للعلامات المميزه له وللصفات الناعته له. ) وقد يختلف الناس في ترتيب هذه
الدوائر فمن يرى من الداخل فهو يرتب ما هو عليه، وما ينتمى اليه بحسب مشاعره وتحيزاته الباطنة . فلدى المتديين فدائرة الدين هي الدائرة الأوسع .
وللبدوي في الصحراء اذ يشعر بتهديد الآخرين فالقبيله هي الدائرة الأوسع . وللفنان
مرهف الإحساس فإنتماؤه للفن هو الدائرة الأوسع .
فلا معنى إذاً للمجادلة حول الهوية كونها متعددة فهي متعددة بواقع الحال الإنسانية
. وأما كيفية ترتيب دوائرها فأمر متروك للانسان إذا نظرنا إليها من الداخل . بيد
أن الجدل الماثل لا يرتكز على الهوية
الشخصية بل يدور أغلبه حول الهوية المشتركة هوية الجماعة والمجتمع والدولة. ولربما
تأثرت هوية الأفراد بهذا الجدل الدائر حول الهوية المشتركة لأن أصحاب المدرسة التي
تُعرف الهُوية من الخارج اعتمادا على التفاعلية والتواصلية فإنهم يجرؤن أن يحددوا للإنسان هويته . وقد يخبرونه أن هويته العربية
أهم من هويته الأفريقية. بل ربما قالوا أن هويته القبلية أهم من هويته الوطنية .
وأن إنتماءه الوطني أهم من إنتمائه الديني . وهو ما نلاحظه في السجالات السياسية
التي يدور رحاها حول تعريف الهوية.
نواصـــــــــــــل،،،
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق