الجمعة، 25 أبريل 2014

جدل الحرية حوار أهل السمع والبصر 2



الحرية هي العلامة المائزة لانسانية الإنسان . بيد أن الإنسان هو ذلك الكائن المسؤول القادر على البيان والتبين. وأمانته ومسئوليته التي تأبت أن تحملها السموات والأرض والجبال هي مسئولية حرية الاختيار. وهي تعنى استخدام مشيئته الذاتية في الأخذ والترك وفي الفعل والامتناع. فلئن كانت الحرية هي القلادة الماسية التي تطوق عنق الإنسان وتخبر عن فضله وكرامته على سائر المخلوقات فهي في ذات الوقت امتحانه المستدام ما دامت انفاسه تصعد وتهبط . وما دام يجرى نسغ الحياة في شريانه ووريده. فالحرية هي اطلاق الطاقة الحيوية الابداعية للانسان . وهي في ذات الوقت كبح تلك الطاقة الحيوية ومنعها من الاندفاع في الأتجاهات الخاطئة . فسبيل الصواب في جميع الأحوال سبيل واحد . وسبل الضلال عن الصواب كثيرة لا تعد ولا تحصر . (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني) سورة يوسف الآية 108. (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) سورة الأنعام آية 153 فسبيل الحق والصواب سبيل واحد في كل لحظة إختيار . ويتوجب على الإنسان الراشد أن يحسن تقدير كل موقف في لحظة الحقيقة التي هي لحظة الأختيار.
حرية التفكير هي الحرية الكبرى
والتفكير هو منهج الإنسان ووسيلته ليختار أن يفعل أو لا يفعل. والتفكير هو سيرورة العقل عند تفاعله وانفعاله . والعقل معنى لا يوصف بجسم ولا كتلة ولا يتحيز في زمان ولا مكان بل هو وعي الإنسان . وهو احساسه بالحياة الروحية النابضة في وجدانه كما تنبض الدماء في عروقه. يقول الجرجاني في تعريفاته عن العقل (أنه جوهر مجرد عن المادة في ذاته مقارن لها في فعله . فهو جوهر روحاني خلقه الله مقارناً للبدن ، وهذا المعنى يشرح الآية او نصف الآية (خلق الإنسان علمه البيان) فالخلق والتعقل مقترنان في برهة واحدة من الزمان . فكانهما الشيء نفسه والفعل نفسه . ولأن العقل والتفكير هما أخص خصائص الإنسانية أن لم يكونا جوهر وجودها فأنه لا يتصور أن الخالق سبحانه وتعالى الذي كرم الإنسان بهذه الخاصية أعطاها أياه بحكم الخلق ليأخذها بحكم الشرع. لذلك فأن ذروة سنام الحرية هي حرية الاعتقاد والتفكير. والاعتقاد ليس شيئاً بخلاف التفكير بل هو درجة سامقة من درجات التفكير. فلا أحد يبلغ مبلغ الايمان والاعتقاد أصالة لا تقليداً إلا بعد أن يبلغ من درجات التفكير شأواً علياً . وأما الاعتقاد الذي هو ثمرة للتقليد لا ثمرة للتفكير فهو مذموم عقلاً وشرعاً . (قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه أباؤنا . أو لو كان أباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون) . فالعبرة بهداية العقل وهداية الشرع . ولا بلوغ لهداية الشرع إلا بهداية العقل . فكل شريعة لابد من إضاءتها بمصباح التفسير والتأويل العقلى .
إعتقاد بلا أكراه
حرية الاعتقاد والتفكير حرية مقدسة . ولا يجوز المساس بها ولا يحق لأحد من الناس أن يكره الناس على انتهاج نهج من التفكير أو الاعتقاد ولو كان نبياً مرسلاً. (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) (لست عليهم بمسيطر ) فإن كان لا يجوز لنبي أن يكره الناس أو يسيطر على عقولهم ومشاعرهم فلن يجوز ذلك لأحد من الناس من بعد الأنبياء . ذلك أن الله سبحانه وتعالى لو شاء لأكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض جميعاً) وهو الجزء الأول من الآية الآنفة الذكر . وحرية التفكير هي السبيل الى حرية الاعتقاد (قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة) سورة سبأ الآية 46 فالتفكير في حقيقة الرسول والرسالة ومضمون الرسالة ومعقوليتها وبعدها عن اللامعقول هو السبيل المفضى للاعتقاد السليم الصحيح. والله سبحانه وتعالى يدعو أولى الألباب لاستخدام تلك العقول في معرفة سبيل الحق اتباعاً له لا تقليداً لمن يتبع بغير بصيرة ولا تفكير ولا تدبر. وحرية التفكير تعنى حرية الخيال وحرية السؤال كما تعنى حرية التفكيك والتحليل وحرية التركيب والإبتكار . ولا يجب أن يقيد كل ذلك بقيد من عرفٍ أو تقليد أو قانون أو تشريع . ما لم يكن ذلك العرف أو التشريع موافقاً لمقتضى التفكير السليم الصحيح . فصريح المنقول شرعاً لا يخالف صحيح المعقول عقلاً أو كما قال الأمام تقي الدين بن تيمية. وحرية الأختيار الفكري حرية هي أم الحريات . فلا يجب أن يؤاخذ انسانُ على فكره ورأيه . ولكن الإنسان يؤاخذ على قوله وفعله . وذلك اتباعاً للقاعدة العادلة الشاملة (لا ضرر ولا ضرار) . فلا يجب ان تتحول حرية القول أو الفعل أداة للاضرار بالآخرين أو الانتقاص من حقهم المتساوى في إمضاء مشيئتهم الذاتية وحريتهم في التفكير والقول والعمل. ولئن كان لابد لكل حرية من حد فان حدود حرية الاعتقاد والتفكير تتسع إلى أوسع مدى حتى تلامس جدار الضرر والإضرار بالآخرين. ولان مسألة تقدير الضرر والإضرار قضية قد تختلف في تقديرها العقول فإن مرد تقدير ذلك للشرع وللعقل . ونقصد بالشرع الشرع الرباني المنزل من عند حكيم خبير والشرع الذي هو استمداد وتخريج من تلكم الأصول الشرعية بما يوافي متطلبات الوقت والمحل . ولربما يسأل السائل ان كان ذلك كذلك فماذا يؤاخذ المسلم عند تبديل عقيدته من الايمان إلى الكفران.
فكر بلا ضرار
والسؤال مشروع والأجابة عليه سهلة فمجرد تبديل أتجاه التفكير ووجهته لن يعلمه أحد . كيف يُعلم وهو أمر باطني وجداني لا يحيط به إلا صاحبه . ولكن تلكم الفكرة المرتدة المنكرة إذا تلبست الكلمات فتحولت مما وقر في الصدر إلى قول يتردد وترتجع اصداؤه فحينذ يكون النظر في مقتضى ذلك القول ومآلاته . فان كان محض فكرة شكوكة أو منكرة لا مناجزة ولا مبارزة فيها للعقيدة وللدين ولا تثير فتنة ولا تبغى تحريضاً للخروج عن الديانة فأفضل الرأي أن العقوبة على ذلك مؤجلة كما أجلت عقوبة المنافقين الى يوم القيامة . وأما إذا تحولت الى حرب على الإسلام بالكلام أو السنان أي بالحرب أو المظاهرة لمن نأوى الإسلام فعندئذ يستتاب صاحب القول لا محاسباً على فكرته واعتقاده ولكن محاسباً على فعله ونيته الهدامة.فمجتمع المؤمنين أمة واحدة متضامنة ومظاهرة الأعداء على الأمة خيانة فى عرف كل الأمم والملل والنحل .
حرية الفكر أساس النهضة:
أن حرية التفكير أمر حيوي لنهضة الأمة ولا يمكن لجماعة أو أمة من الناس تكبح حركة النوابغ من أبنائها وبناتها بأفكار التقليد والتخويف ان تنهض أبداً إلى مراقى الرفعة والتقدم . ويلزم من حرية التفكير حرية الجدل بالحسنى وباللتي هي أحسن من الحسنى. ولئن كان المسلم مأموراً ان يجادل الأغيار من أهل الكتاب وسواهم من اللذين لا يعلمون باللتي أحسن (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم باللتي هي أحسن) أفليس المؤمن أولى بالحسنى من غيره؟ والجدل شيء والمراء شيء آخر. فالجدل مأمور به والمراء منهى عنه. والجدل هو استخدام مقتضيات الحكمة والعقل واستجاشة المشاعر الخيرة عند الانسان . وأما المراء فهي محض الانتصار بالحجة وافحام الآخر ولو بالسفسطة والمغالطة . وأضطرار الآخر إلى أضيق السبيل بالابتزاز والاستفزاز. فمنهج الجدل هو منهج الحوار الذي هو المحاورة والمساجلة . مما يعني أن تدلو بدلوك وأن تنظر الآخر ليدلو بدلوه بين الدلاء . وأن لا تُحسم نتيجة تلكم المباراة والمساجلة مقدماً بالاصرار والتعصب بل يقال (وإنا أو أياكم على هدى أو فى ضلالٍ مُبين) ويقال ( قل لا تُسألون عن ما أجرمنا ولا نُسأل عما تعملون) فأنظر إلى كلمة (ما أجرمنا ) منسوبة للنفس وكلمة (تعملون) منسوبة للآخر . وليس في ذلك أقرار بجريمة أو عمل غير صالح بل هو أدب (التي هي أحسن ) تطبيقاً وبياناً بالعمل.

جدل الحرية حوار أهل السمع والبصر


جدل الحرية : حوار أهل السمع والبصر (1)
د. أمين حسن عمر

الحوار المحتدم في الساحة السياسية حول قضايا السلام والحريات والإقتصاد والهوية حوار تدور الرحى فيه حول مفهوم مركزي مهما تعددت الموضوعات وهو مفهوم الحرية. فمزاعم الذين يشنون حرباً على الدولة تستند إلى دعاوى التحرير والعدالة السياسية . وأهل الممارسة والمناجزة السياسية بالداخل من دعاة المقاومة المدنية يدندنون حول ذات المعنى. والحديث عن الإقتصاد حديث حول الحرية ، حرية الأسواق . وحرية الفقراء الكادحين من الاستغلال لفائض قيمة عملهم وكدحهم بواسطة من صار المال دولة بين أياديهم ، وكذلك فان الحديث عن الهوية . فإنه حديث في جوهره عن الحريات والحقوق الثقافية . فلا معدى اذاً عن جدل الحرية . وهو جدل تكتنفه كثير من المشاعر الوجدانية القوية والتحيزات الفكرية والعاطفية . وتحيط به هالة من التصورات الجمالية والمفاهيمية الجذابة . فلا غرو أن صارت الحرية أغنية في أفواه الثوريين وترنيمة في شفاه السياسيين . ولهذا السبب ذاته فإن ضباباً كثيفاً يظلل المعنى الحقيقي والذي تترتب عليه الأفعال والأعمال الموجبة لصالح الأفراد والمجتمعات. وجدل الحرية في بلادنا جدل كثيف ومستمر ومتطاول ولكنه جدل فيه كثير من الرياء والمراء . وفيه ما فيه من المغالطات اللفظية والمنطقية والتناقضات بين قول وفعل وبين فعل وفعل.
معنى الحرية:
لا يزال الفلاسفة والمتفلسفون والمثقفون وأنصافهم يديرون حديثاً ما له من منتهى حول معنى الحرية وفلسفتها . بل زعم البعض ان مفردة الحرية مفردة عصية على التحليل فهى زئبقية القوام ما وضعتها في شيء إلا واتخذت شكلاً مغايرا. ولكننا نؤمن بأن للحرية مفهوماً قابلاً للاستيعاب . بيد أنه يستعصى تصوره في غيرما بيئة او إطار من الوقت والمحل والفكرة.
و السؤال حول الحرية هو سؤال القيود. ولعله من المفارقة العجيبة إن مفتاح باب الحرية هو القيد. فالسجال يدور منذ قديم حول سؤال هل الحرية مطلقة أم مقيدة ؟ فاذا كانت مطلقة فمطلقة بازاء ماذا ومن ؟ أو ليس الإنسان محدود مقيد بقيود من الطبيعة والبيئة ومحكوم بحدوده الذاتية؟ فلئن كان ذلك كذلك فهل يريد البعض إطلاق حرية الإنسان بإزاء المجتمع؟ وهل يمكن في تلكم الحالة ان تكون هناك أية قاعدة موضوعية للاجتماع البشري؟ لاشك أن العقلاء جميعاً إلا طائفة من أصحاب الفلسفة الفوضوية قد خلصوا إلى أن أفضل تعريف للحرية وهو تعديد وتحديد ما يقيدها !! وعود على بدء معالجة التعريفات فالأجدى عند تعريف المفردات أن نشرع من تلقاء اللغوي مروراً إلى العملى الإجرائي . وفي الدلالة العربية لمفردة الحرية يقول أبن منظور قال أبن الاعرابي : حر يحر حراراً إذا عُتق والحُر بالضم نقيض العبد وحرية العرب أشرافهم وحُر الفاكهة خيارها . فها هو أبن الاعرابي يُعرف الحرية بالعبودية فمن لم يكن عبداً أو كان عبداً فعتق فهو حر . وكما يقول حرية الناس أشرافهم أي أولئك الذي لا قيد على تصرفاتهم ممن هم دونهم . وفي اللغة الإنجليزية والفرنسية في القواميس الأحدث فأن الحرية هي القدرة على القيام بالفعل دون أكراه. فالخلو من الأكراه هو ما يُعرف الحرية. بيد أن هذا التعريف يعيبه أن الخلو من سائر الإكراهات الفكرية والنفسية والإجتماعية والبيئية والطبيعية أمر يستحيل تحققه . فكانما الحرية هى رابع المستحيلات مع الغول والعنقاء والحل الوفي أو كما يزعم الزاعمون . وقد يسأل السائلون عن مفردة الحرية ولماذا لم ترد بهذه اللفظة في القرآن الكريم ؟ والسؤال مشروع والإجابة سهلة وهي أن القرآن يعبر عن الحرية بمصطلح أكثر إيجابية . وهو مصطلح المشيئة والمشيئة تعنى ان يفعل الإنسان ما يشاء وأن يعتقد ما يشاء وان يتخيل ما يشاء . فالمشيئة معنى أقوى في نفي الأكراه. لأن الإنسان العاقل لا يرى في قيود العقيدة والاخلاق والطبيعة والبيئة وما توافق عليه المجتمع من أعراف طوعية لا يرى في ذلك أكراهاً . بل ان تلكم التحديدات هي مسارات سريعة للحرية لئلا يعوقها الإصطدام أو الاشتجار فكأنها مسارات مثل أشارات المرور السريع يراها البعض قيداً واكراهاً ويراها العقلاء طرقاً ممهدة للسلامة مع المرور السريع. وهذا المعنى فطن إليه أهل الحكمة اليونانية لأنهم لم ينظروا إلى الحرية إلا في إطار المدنية . وأعنى إطار التوافق الاجتماعي على العيش المشترك. ولذلك فمفهوم الحرية اليوناني مرتبط بمفهوم المواطنة في ذلك المجتمع المدني . فمن كان هو أو هى بعض من التوافق المدني فهو حر وإلا فليس للعبيد ولا للأجانب حرية في بلاد الأغريق . ولا تزال بقية من هذا المعنى للحرية وللديمقراطية راسبة في مفاهيم المجتمعات الغربية . فليس للأجنبي أن يطالب بحرية متساوية في بلادهم مع مواطنيهم وأما في بلاده فهم أهل الحرية غير المنقوصه والأحق بها من أهلها !
مشروعية الحرية:
ولربما يسأل السائل من أين تنبع الحرية؟ ما مبررها العقلي والإخلاقي ؟ ومن أين تستمد مشروعيتها ؟ هل هي شيء فطري وجداني داخلي . فيستمد من دواخل الإنسان ؟ أم هي منحة اجتماعية مستمدة من المعايير والأعراف الاجتماعية؟ وهل يتساوى الناس جميعاً في الحق في الحرية ؟ ولئن كان ذلك كذلك فلماذا حدثت ظاهرة العبودية؟ وإذا كان الناس يتساوون في الحق في الحرية فهل يتساوون في القدرة على أمضاء المشيئة الفردية؟ هل يستوى الضعيف مع القوى والغني مع الفقير والذكر مع الأنثى في امضاء المشيئة الذاتية ؟ أم أن الحق في الحر شيء وامضاء المشيئة الذاتية شيء آخر ؟ وسؤال آخر متى تكون الحرية مستحقة ؟ أم أنها مستحقة بموجب الطبيعة الانسانية . أو كما قال عمر رضي الله عنه متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحراراً؟ فإن كان الإنسان مستحق للحرية بموجب الإنسانية فما هي الإنسانية هذه التي استحق بها ان يكون حراً ؟ أن قصة الخلق كما وردت في القرآن الكريم تقدم الإجابات الواضحة لتلك السؤالات . فإن الإنسان استحق التكريم والتفضيل بالعلم وإدراك وجه الحق من الأشياء . فقد سمي آدم كل شيء بسمته وعلامته ووضع كل شيء في موضعه المستحق . وبذلك قبس من أقباس العلم الإلهي الكوني. فالإنسان يكون إنساناً عندما يدرك العلامة والبينة الحقة (خلق الإنسان علمه البيان) سورة الرحمن . فأقوى أسباب إطلاق المشيئة الإنسانية هو قدرة الإنسان على استبانة الحق من الباطل . وقدرته من التخلص من اكراهات الغرائز والرغبات والأهواء والعيش بمنطق العقل الذي يميز بين الحق والباطل . وبهداية النهي الذي ينهاه عن موافقه الغريزة في طلب الفاكهة المحرمة . تلكم التي قد تهوى به من العافية إلى المرض ومن القوة إلى الضعف ومن الخلود إلى الموت . إن أقوى علامات الإنسان الحر هو قدرته على الضبط الذاتي. ذلك أن الإنسان أدرك بعقله انه محدود بمحددات لا حصر لها من طبيعته الذاتية . وكذلكم هو مقيد باكراهات الطبيعة والبيئة من حوله . فأدرك أنه يتوجب علىه أن يعقل تفكراته وتحركاته لكي لا يحدث تصادم بينه والاغيار فيطاله منهم أذى أو يحدث هوما يؤذى به للأشياء أو المخلوقات الأخرى. فالإنسان العاقل الراشد يدرك أن مفهوم التوازن بينه وبين الآخرين مفهوم مركزي لوجوده ولبقائه حياً ولحضوره الفاعل بين الأغيار . وذلكم المعنى هو عين مفهوم الحرية التي هي القسمة بالسوية بين الإنسان وغيره ألا يجور بمشيئته عليهم ولا يتعدون هم الأخرين عليه . وجوهر ذلك هو التقيد بالعقل وبالضمير الإنساني أو بالعرف الإجتماعي والتعاقد الدستورى السياسى .

المؤتمر الوطني – نحو أفق جديد 3- 4


أثار خطاب السيد رئيس الجمهورية بشأن وثيقة الإصلاح ردود فعل متباينة ولا غرو أن يفعل . فمنذ بيان الثورة الأول لم يثر خطاب من الخطابات الرئاسية إهتماماً بالغاً محلياً ودولياً قبل أعلانه مثل الخطاب الأخير. ذلك مثلما أجاب على كثير من التساؤلات فأنه أحبط الكثير من التكهنات والإحتمالات . وكان غالب هذه التكهنات بسيطاً وساذجاً عندما ذهب إلى توقع إعلان الرئيس عن ترتيبات ذات طابع دستوري. ذهب البعض بها إلى إحتمال تعليق الدستور والتوافق على مرحلة انتقالية . وكأن الحكومة تستجيب لكامل مطالبات المعارضة ما كان منطقياً منها وما لم يكن.
القضايا المهمة :
        ولئن كان الخطاب تقاصر عن أمنيات البعض وخالف تكهنات البعض الآخر إلا أن ذلك لم يقلل من أهميته الكبرى عند ذوي البصيرة السياسية . فجوهر الخطاب يدعو إلى وضع كل الأجندات على طاولة مستديرة لا يُحجب عنها أحد ولا يُمنع من الوصول إليها أحد . ما لم يصر على حمل السلاح سبيلاً لاكراه الإرادة الوطنية لتنزل على مقتضي ما يريد. والأريحية الرئاسية دعت أبناء الوطن جميعاً إلى الاجتماع على كلمة سواء تهييء الوطن جميعاً للنهوض من علائق الأرتهان للوثوب إلى مستقبل أفضل . وهو مستقبلٌ تتوافر كل مقوماته لولا الشقاق والإنشقاق وجوهر الخطاب يقول لأهل السودان أن كل صاحب رأي من السودانيين جدير بأن يحتفى برأيه . فلا يُهجن ولا يُبخس بل أن كل الأصوات مسموعة وكل الآراء يتسع لها المجال  . فكأنه عصف ذهني هائل على مستوى الوطن بأجمعه ولا يصح إلا الصحيح ولا يبقى إلا ما ينفع الناس والوطن . والصحة والنفع لهما معيار واحد هو الرأي الأغلب لأبناء الوطن. ولكي يتحقق ذلك المطلوب فإن أول مقتضياته أن يستجيب جميع الفرقاء إلى دعوة الحوار.  وأن يعلنوا ان لا سبيل لتغيير أو إصلاح إلا عبر الحوار السلمي . وان يُرفع الغطاء السياسي تماماً عن أولئك الذين يريدون أملاء شروطهم السياسية على الجميع عبر فوهة البندقية.
        أما قضايا الحوار المهمة فهي أولاً كيفية إستكمال السلام ليعم جميع ربوع الوطن والأولوية هي الاتصال والتواصل مع أولئك الذين حملوا السلاح . ليُصار إلى إستكمال استحقاقات الاتفاقيات والبرتكولات الموقعة، ثم ينضم هؤلاء إلى مائدة الحوار حول قضايا بناء الجمهورية الثانية بدستورها ونظامها السياسي ونظامها الإنتخابي . والترتيبات اللازمة لتحقيق هذه الأهداف والمقاصد الوطنية. ولعل أول المطلوبات لتحقيق ذلك هو حوار تمهيدي حول الترتيبات الضرورية لبناء الثقة وتوفير مناخ أمثل لحوار منتج و بناء . وقبول بعض الأحزاب مثل حزب الأمة القومي والمؤتمر الشعبي ومجموعة الإصلاح الآن مبدأ الجلوس للحوار حول ذلك أمرٌ يدعو للتفاؤل  . فأن القطيعة  السياسية كانت في الماضي هي ما يحول دون بناء الثقة بين الفرقاء . وهو ما كان يمنع التقدم نحو حوار هو حوار أهل السمع والبصر لا حوار العميان والطرشان الذي وسم الساحة العامة لحقبة ممتدة من الزمان. واستكمال السلام يكتمل بالمسالمة السياسية . و أعني بها التوافق على نهج يتيح السبيل إلى ممارسة واسعة لحرية مسئولة تقوم على احترام الشرعية وأحترام الحقوق والحريات والحرمات في آن واحد. ذلك أن عدم أحترام الفرقاء لمبدأ الشرعية الدستورية والقانونية يُعطي مبرراً لأهل الحكم للانتقاص من الحقوق والحريات . فلا تزال في نقص يتناقص مما قد يبرر كل خروج غير شرعي لدى الخارجين على الدستور والقانون . ووثيقة الإصلاح التي أعدها المؤتمر الوطني قد تطرقت بأسهاب لقضية استعادة المناخ المعافى للمارسة السياسية الحرة. وذلك من خلال توافقات تؤكد على علوية المباديء الدستورية والقانونية وعلى قدسية ممارسة الحريات المكفولة بالدستور والقانون. ويُبلغ ذلك من خلال حوار يقضي إلى الاتفاق على التأكيد على الحريات كما وردت في الدستور . والاتفاق على آليات للقضاء المستعجل في حال عدم الإلتزام بها من قبل الممارسين أو المسئولين على حدٍ سواء. فقضية الحريات قضية مركزية لدى الحديث عن إعادة بناء النظام السياسي الديمقراطي الذي يسع الجميع، ولا يضيق إلا بمن ضاق به. بيد أن ممارسة الحرية أشبه ما تكون بالإلتزام بقواعد المرور . ذلك أن حرية المرور الحر السريع لن تتوفر إلا بأحترام جميع الراكبة والسابلة بقواعد السير. فاذا أخل طرف من الأطراف بالقواعد ولم يؤخذ على يده أوشك الأمر أن يصير إلى فوضى كبرى. وما يحدث على صعيد السياسة في بلدنا هذا أشبه ما يكون باختلاط الحابل بالنابل في ساحة لم يتراض شاغلوها على قواعد التجمع والتحرك والوقوف. والتراضي هو جوهر المساجلة السياسية مثلما أن التوافق على القواعد هو جوهر كل منافسة وكل مباراة . والتوصل إلى هذا التراضي يقتضي قبولاً حقيقياً بالآخر الذي ليس هو بالضرورة الصاحب المتمم للكيف بل ربما يكون هو الآخر الذي يزيد كثافة الهواء بانفاسه الصاعدة الهابطة.
        والقبول بالآخر هو ميسم الديمقراطية الأول وهو  علامتها المسجلة. سواء كان العرض داخل الأحزاب والقوى السياسية نفسها ، أو فيما بين هذه  القوى السياسية في الساحة العامة. وعلامة القبول بالآخر هى اختفاء لغة الكراهية والقطيعة والإقصاء واستبدالها بلغة الجوار السياسى( بالجيم لا الحاء المهملة ) وذلكم على أقل تقدير . فالانسان عادة لا يختار جيرانه ولكن ذلك لن يمنعهم حقوقهم مهما اختلفوا معه في الرأي أو المزاج والهوى. ولغة الجوار السياسي هو أن نقبل الآخرين على علاتهم كما نرجو أن نقبل بواسطة الآخرين على علاتنا وان نلُمهم على شعث كما نرجو ان نلتئم معهم على شعث فأي الرجال المهذب؟
        ان الأوضاع السياسية في بلادنا تحتاج إلى إصلاح عاجل أو بلغة بعض الأصدقاء إلى الإصلاح الآن . وذلكم يعنى الإصلاح غير المؤجل. وجوهر هذا الإصلاح هو تسويد الروح الديمقراطية في الممارسة السياسية في الكلي من الشأن الذي هو المجال السياسي العام وفي الجزئي منه الذي هو التنظيمات السياسية وسائر التنظيمات الأخرى الإدارية أو تلك في المجتمع المدني . فالجميع يشكو من الآخرين ولسان حاله يقول (الآخرون هم الجحيم) . وننسى أننا أيضاً بعض أولئك الآخرين لدى الآخرين. ان الديمقراطية خلقٌ قويم مثل خلقُ الأمانة والصدق . فأبحث عنها في نفسك التى بين جنبيك قبل التماسها لدى الآخرين . فاذا لم تجدها في نفسك فاعلم أنك غير مستحق لها من الآخرين. ان سائر الحريات الديمقراطية تقتضي واجباً في المقابل . فحرية القول تقتضي واجب الاستماع وحرية الانتقال تقتضي واجب الافساح  وحرية الاحتجاج  تقتضي واجب الامتناع عن المضايقة والإيذاء وهلم جرا كما كان يقول القائل . ولأن فاقد الشيء لاينتظر منه أن  يُعطيه ولأن الجزئي هو المكمل للشأن الكلي فإن إصلاح الأوضاع السياسية لابد ان يتزامن فيها أصلاح الجزئي مع إصلاح الكلي . والمعنى هو اصلاح الحال الديمقراطي داخل الأحزاب واصلاح الحال الديمقراطي فيما بينها في ذات الآن والأوان على حدٍ سواء. ولذلك فأن المؤتمر الوطني أخذ على نفسه ان يبدأ بنفسه فكان الجُزء الأول من وثيقة الإصلاح هو تطوير واصلاح الحزب . ذلكم أن فاقد الشيء لا يعطيه. وإصلاح الحزب يهدف الى ترسيخ القيم الديمقراطية والشورية فيه وتوسيع المداولة الفكرية والسياسية في أنحائه  ومستوياته ومسئولياته مداولة بالرأى وتداولاً للمواقع وتحملاً للأعباء وأستحقاقاً للحقوق بالدأب والجهد والعمل.

نواصل،،،

الأحد، 26 يناير 2014

المؤتمر الوطني – نحو أفق جديد 2-4


ذكرنا في المقال السابق أن المؤتمر الوطني قيادة وقاعدة قد شرع في مسار جديد . هدفه المراجعة الشاملة للسياسات وللقيادات، ومقصده هو أعادة الحيوية للحزب . وتأكيد بقائه على مقود القيادة الوطنية وهو يستعد لخوض الانتخابات في العام 2015م . كما يتهيأ للقيام بمبادرات عديدة لإصلاح الحياة السياسية ومراجعة السياسات العامة لتوافي استحقاقات مرحلة جديدة فارقة في تاريخ الوطن إصطلح البعض على اعطائها اسم الجمهورية الثانية.
الإصلاح السياسي :-
        لقد علم الكافة أن لا معنى للعبارات إن لم تكن مدلولاتها مصطلح عليها بين السواد الأعظم من الناس. أما إذا كانت العبارات تُعطى مفاهيم متعددة لقطاعات مختلفة من الناس فهي رطانة لا يفهمها إلا أهلها. والإصلاح السياسي عبارة ترددت كثيراً في الأونة الأخيرة في الساحة السياسية . وفي أوساط جمهور المؤتمر الوطني خاصة، بل إن طائفة من اعضائه ممن أعتزلوا الحزب إلى ناحية خاصة بهم وتهيؤاً لاعلان حزب جديد قد جعلوا الإصلاح عنواناً لحزبهم هذا . وقد سبقتهم في ذلك المنحى طائفة خرجت على حزب الأمة القومي تسمت بالاصلاح والتجديد ثم ما لبثت أن تفرقت أيدي سبأ وآب منهم من آب إلى الامام الذي ناجزوه وإلى الحزب الذي اعتزلوه. ولئن كانت السياسة في بلادنا تعاني من أدواء كثيرة تقتضي التشخيص والمعالجة فإن الخطاب السياسي واللغة السياسية هو أولى تلك الأدواء بالتشخيص والمعالجة. فاللغة السياسية دون كونها تفتقر إلى الدقة في الإشارة إلى مدلولاتها فهي ممتلئة بالتناقضات ومحتشدة بالألفاظ الفظة وبالعواطف الفجة حباً وكراهية. وبالرجعى إلى مصطلح الإصلاح السياسي فهو يحتمل إصلاح  الأنظمة والمؤسسات والسياسات والبرامج . ولكن موضع التركيز ههنا هو أصلاح المناخ السياسي والعلاقات بين الفاعلين في السياسة. ذلك أن اصلاح المناخ السياسي وإصلاح العلاقات بين الفاعلين في السياسة الوطنية توطئة لا يستغنى عنها إلى استكمال إصلاح الأنظمة والمؤسسات والسياسات والبرامج السياسية. والوثيقة التي سوف يصدرها المؤتمر الوطني تجعل ذلك في أول أولويات مقاصدها من الإصلاح السياسي. فالمؤتمر الوطني يدرك أن المناخ السياسي لا يزال معتكراً منذ فترة من الزمان . وذلك لغياب التوافق السياسي حول أصول وقواعد الأداء السياسي بالبلاد . على الرغم من أن الدستور الانتقالي قد جاء نتاجاً لعمل جماعي شارك فيه كل الفاعلين الأهم في الساحة السياسية. وهو لا يزال صالحاً (ربما بعد التوافق بين الفرقاء على بعض التعديلات ) لأن يحكم المرحلة التحضيرية لصنع الدستور ولاجراء الانتخابات لتأسيسية الدستور الجديد. ولاشك أن الجميع إلا قليلاً يدركون توازنات الساحة السياسية التي انقسمت منذ العام 2005 إلى فسطاطين موالي ومناؤى.  فالموالي يشارك في الرؤية السياسية وفي الحكم ، والمناؤي رغم اختلافه على الرؤية السياسية فقد تحالف على انجاز مهمة ازاحة المؤتمر الوطني من الحكم عبر التحالف الإنتخابي أو أية صورة من صور التواطؤ لخلخلة أركان الحكم.  تمهيداً لإقتلاع ابنيته التي توطدت على مدى ربع قرن من الزمان الأمر لم يتح لحكومة غيره في تاريخ السودان بأن ترسخ اختياراتها وأولياءها في مراكز الفعل والتأثير. وهذه القوى التي تحسد الانقاذ على هذه الفرصة التي سنحت لها بفعل تكسر جهود المناوئين والمتواطئين معهم على مدى خمسة وعشرين لزحزحتها .  ولاتزال تنتظر أن تأخذ المؤتمر الوطني وحلفاءه طامة أو تحل قريباً من دارهم  لكي يتسنى لها أن ترى دولة الوطن التي تحلم بها بديلاً عن كابوس الوطني الذي تؤرق مضجعها ليلا وأنبعاثها نهارا. وهؤلاء يأخذون على الوطني سياسة التمكين التي يقول أنه ما عادت له حاجة لها بعد ترسخت اختياراته وصار سواد الناس من نصرائه.
سياسة التمكين:-
        لاشك أن أية حكومة إنما تتشكل من أجهزة تنفيذية تصنع السياسات وأجهزة تشريعية تحول تلك السياسات إلى تشريعات ملزمة بقوة القانون ,وأخرى قضائية تحفظ الحقوق وتدرأ وتفض النزاعات . وجهاز للخدمة العامة بجناحين مدنى هو الخدمة المدنية، وأمني عسكري هو الخدمة النظامية. وكان يقال دائماً أن الخدمة العامة هي الجهاز الذي يحول سياسات الحكومة إلى أفعال . تُقدم من خلالها الخدمات، وتُوفر السلع وتُحمي الحرمات وتُدرأ المخاطر . ولذلك فإن الخدمة العامة لابد لها أن تكون مطواعة للحكومات لاسيما تلك الحكومات التي تجيء بارادة الشعب أو بقبول  منه. ولكن الخدمة العامة في بلادنا وسائر بلدان العالم الثالث لم تكن كذلك لاسباب موضوعية . أولاً لأنها بدأت خدمة وطنية في ظل الاستعمار ونشأ لديها حس المقاومة والمناوأة للنظام الإستعماري . فكانت المطواعية تتناقض مع الحس الوطني بيد أن المستعمر لم تعجزه السيطرة على الخدمة العامة لأسباب عديدة . أولها صغر حجمها آنذاك وثانيها أستغلاله للمنافسة الحادة بين الانداد سبيلاً لتوظيف المطاوع واقعاد المعاند. وبعد الاستقلال جاءت السياسة الوطنية في حالة انقسام حاد سياسياً وطائفياً . وتمظهرت هذه المنافسة السياسية والطائفية انقساماً وتسيساً للخدمة العامة.  حتى أن كبراء الحكم جميعاً جاؤا من تلقاء الخدمة العامة . وكان يسهل تقسيم القيادات المدنية والعسكرية إلى طوائفهم وإلى ميولهم السياسية فعبدالله خليل وأحمد عبدالوهاب لم يخفيان الولاء للانصار وعبود وشنان لم يخف على أحدٍ ميلهما للختمية وكل الوكلاء والقيادات كانت معروفة مشهورة انتماءتهم . وكذلك كانت كل قيادات الجيش والشرطة معلومة الميول . وكان اختلال التوازن في الحكم لصالح أحدى الطائفتين تتمظهر أثاره في الخدمة العامة بصورة مباشرة. وعندما أُسقطت حكومة عبود وجاءت السلطة على غير ميعاد  لليسار أفرغ الخدمة العامة من القيادات القديمة تحت ستار شعار التطهير فأزاح غالب القيادات الطائفية وابدلها بقيادات يسارية بدعوى الثورية . وتأكدت سطوة اليسار من خلال العهد الأول لحكم النميري . وقد حاولت حكومة النميري أن تبعد الخدمة المدنية من الولاء للطائفية أو اليسار أو الأخوان المسلمين . ولكنها لم تعمل على تحقيق ذلك من خلال تحييد الخدمة العامة بل من خلال فرض حزب مايو الاتحاد الإشتراكي على الخدمة العامة . فأنشأت فروع ا لاتحاد الإشتراكي في العمل مما دفع الأحزاب المعارضة ان تنشىء هي الأخرى فروعاً لها في العمل . وهذه كانت تجتهد سراً في أبطال سياسة الحكومة وتعويق عملها من خلال خطة معاكسة لخطة حزب الحكومة . وهكذا تحولت الخدمة المدنية إلى معترك سياسي خفي بين الفرقاء . وتمظهر ذلك في العمل النقابي العلني والسري وفي التخطيط السري لأفشال سياسات الحكومة . واصطناع الأزمات سبيلاً لإضعافها واسقاطها.
        وعندما جاء العهد القصير للتعددية الثالثة عادت الأحزاب بكل عنفوانها لاستدراك ما فاتها من زرع كوادرها في الخدمة العامة . واجتثاث كوادر المناوئيين سواء كان ذلك في الأجهزة النظامية أو الخدمة المدنية  . ويمكن لأي باحث أن يراجع التعيينات والإعفاءات التي صدرت في تلك الفترة القصيرة ليدرك حجم التسارع والتهافت في عملية الأبدال والإحلال التي سلكتها حكومة تلك الفترة، بل أن الخدمة المدنية أصبحت تتخذ موقفاً مناوئاً لأحزاب بعينها أما ممالأة للحكم القائم أو تقية وتحرزاً وخوفاً من عواقب اغضاب أهل الحل والعقد.
        وجاءت الانقاذ فواجهت في أشهرها الأولى ذات السلوك الذي واجهته الحكومة المصرية المنتخبة مؤخراً من تلقاء خدمة مدنية تقودها كوادر سياسية وتحتشد بفروع الأحزاب السياسية المعارضة . وكان للانقاذ ان تواجه ذلك وقد فعلت فكانت حملة إبعاد المناوئين أو احياناً من صّور منافسوهم من أولياء الحكم أنهم من المناؤين. ولاشك أن الحكومة في محاولاتها الباكرة في تمكين الولاء لها قد ارتكبت أخطاءً عديدة لم تكن مقصودة من الحكم القائم . وأن كانت ربما كانت مقصودة بغرض التنافس من بعض الموالين لأهل الحكم من الجدد والقدامى. وقد راجعت الحكومة تلك الأخطاء من بعد بأعلان الاستعداد للمراجعة والتعويض . وعاد بعض من أولئك الذين تضرروا ولايزال الباب لذلك مفتوحاً ويجب أن يكون . فان الظلم لا يزال إلا بجبر الضرروطلب الاعذار . بيد أن القول ان سياسة التمكين هدفت إلى أحلال طائفة بعينها محل كوادر ذات قدرات قول يفتقر إلى البرهان بل أن غالب من ذهبت بهم قوائم الاحلال والإبدال كانوا من الكوادر الناشطة سياسياً والضالعة في المقاومة العلنية أو السرية لسياسات الحكومة. لكنما حديث اليوم مختلف جداً عن حديث البارحة . فحديث اليوم هو البحث عن خطة حقيقية وعملية لتحقيق حياد الخدمة العامة.  ذلك الحياد الذي لم يتحقق في يوم من الأيام . واُحيطت فيه مرادات الحكومات والأحزاب بالمحسوبية والمحاباة الأهلية والقبلية مما حرم الخدمة العامة من الفاعلية المطلوبة لتحويل سياسات الحكومات إلى افعال ناجزة على أرض الواقع .

نواصل ،،،،

المؤتمر الوطنى ...... تخو افق جديد 1-4


هذا مقال مستعاد كتبت غالب معانيه بل وعباراته فى مقالات سابقة فى هذه المدونة السياسية ولاغرو أن تفعل ذلك وأن نستعيد ذات المعانى وأن نكررذات الدعوات . فتكرار المعانى المهمة من نهج القران الكريم ومن هدى السنة المطهرة . وقضية التغيير والاصلاح التى يعكف على أجرائها المؤتمر الوطنى فى الراهن الماثل قضية هى أم القضايا ومفتاح الحلول لكثير من مستعصيات المسائل  و مبهمات الأمور .ان التغيير الضخم الذى أجراه الحزب الحاكم على صعيدى قيادة الدولة والحزب أنما جاء استجابة مستبصرة لحاجة استشعرتها غالب عضوية الحزب . فالحاجة الى توليد القيادات وتجديد السياسات لم تعد مجرد سنة حسنة بل أصبحت حاجة ماسة  بل اضحت  مطلوب الأوان وحاجة الوقت.
التغيير حاجة الوقت
        لئن كان هنالك معنى يتفق عليه الجميع في هذه اللحظة فهو  أنه  قد آن أوان التغيير المفضى لإعادة الحيوية للحزب وللدولة . تتفق على هذا المعنى القيادة في الحزب والدولة . وهو مطلب يتوق إليه السواد الأعظم من اعضاء الحزب وجمهور الموالين للمؤتمر الوطنى ويستشعر الحاجة له المعارضون بل والمناؤون . وهو مطلب الشباب الصاعد في الحركة الإسلامية  والمؤتمر الوطنى ذلك الشباب الذي لم يكتف بالمطالبة بل وأجتهد في بذل المبادرات وتنظيم المفاكرات والمذكرات بشأن ضرورة التغيير. فمطلب التغيير هو شعار الساعة ، ولكن سبيل التغيير الذي يتجاوز النصوص إلى الوقائع ويتجاوز الشكليات إلى المضامين ليس بالسبيل اليسير. فهو يتطلب الشجاعة الفائقة والتضحيات الجسام . ويذكرني  ذلك بملحمة مجاهدة الصقر لإكتساب القوة والحيوية من جديد بعدما يتقدم به العمر فيبلغ من العمر عتياً. والصقور تعيش عشرات السنين بخلاف غالب أمم الطير وقد تبلغ المئين من العمر. ولا عجب أن تتخذ غالب أمم الأرض الصقر رمزاً وطنياً لنضالها . فهو رمز للقوة وللسرعة وللتحليق العالي. وأهم من هذا هو رمز للعزة القعساء فهو لا يقبل أن يعيش ضعيفاً واهناً أبداً. ولذلك إذا ما تقدم العمر بأحد الصقور وبدأ العجز والوهن يدب إلى إظافره ومنقاره وضعف جناحاه أن يحملاه إلى أعلى الأعالي فان الفكرة التي تخاطره ليست آن أوان التقاعد بل هي آن أوان استعادة الحيوية . فاذا صار منقاره القوى الحاد معقوفاً شديد الإنحناء وصارت أظافره تفقد القوة والمرونة وتعجز عن الأمساك بالفرائس فإنه يخضع لعملية استعادة الحيوية والتي تستغرق خمسة أشهر. تبدأ بأن يحلق الصقر إلى قمة جبل عال فيضرب منقاره بالصخر مراراً وتكراراً حتى ينكسر ثم ينتظر أسابيع طويلة حتى ينمو المنقار من جديد.  فيذهب إلى الصخرة مرة أخرى ليكسر أظافره ايضاً . ثم ينتظر حتى تنمو له أظافر جديدة ثم يقوم بنتف ريشه كله مستخدماً منقاره الجديد القوى . ثم ينتظر حتى ينمو له ريش جديد . وبعد هذه المكابدة والمرابطة والصبر وبعد أن ينمو له ريش جديد ينطلق الصقر محلقاً في السماء بمنقار قوى شديد وباظافر حادة قاطعة وبريش يحمله إلى الأعالي فيستعيد القوة والحيوية. وحكاية الصقر مع كراهية العجز الذي كان رسولنا صلى الله عليه وسلم يستعيذ منه في كل حين هي ذات القصة التي يجب أن تستلهمها الحركة الإسلامية في أوانها هذا . فالتغيير الحق لا يحتمل الانكار والمكابرة والتبرير . والتغيير الحق لابد أن يستصحب المعاناة والصبر والمثابرة. التغيير الحق هو الذي يستبدل المنقار القديم بمنقار جديد والأظافر الواهية بالأظافر العاتية والريش الملتصق بالريش المنتفش. وهذا لا يعني الإحلال والأبدال فحسب بل يعني أولاً بعث الحيوية في جسد التنظيم جميعاً شيوخه وشبابه . وبقاء الحزب وإستمراره بأجياله جميعاً حية ناشطة فاعلة، ولكنه أيضاً يعني توليد القيادات الجديدة وتمكينها وتصعيدها . وذلك  كان هو مطلب شباب الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطنى بل الأجيال من الشباب السودانى المستشرف للنهضة وللتقدم وهو مطلب لا يُعلى الشباب إلى مواقع المسؤولية فحسب بل يعيد القوة والحيوية للدولة باجمعها . ولذلك كان الاجماع على ضرورة التغيير ، ولابد من الاحماع على  وجهته ووسائله ليعود التنظيم الحزبى كالبنيان المرصوص في وجه جميع التحديات لا يضره من خذل ولا من توانى .
ما هو مطلوب الاصلاح :
        أول مطلوبات الاصلاح هو التمكين الكامل للقواعد . والتفعيل الشامل لدور القواعد الحزبية  والقطاعات الطلابية والشبابية والنسوية والمهنية. وأول مطلوبات ذلك التمكين والتفعيل هو إعادة تأسيس تلك الوحدات القاعدية على أسس ديمقراطية لا ريب فيها. وهذاما ينبغى أن تشرع فيه لجنة  أعادة بناء الحزب الذى التئام أول اجتماعاتها ليلة أمس وعليها  التأكد من امضاء ارادة الاعضاء دوت تدخل أو تأثير على ارادتهم الحرة. فلابد للقيادة على ذلك المستوى القاعدي أن تحظى بالقبول من الغالبية إن لم يكن من جميع اعضاء الوحدة الأساس. ذلك لأن الوحدة الأساس في الحى أو القطاع  ليست محلاً لتصعيد الأعضاء للمؤتمرات الأعلى فحسب بل هي ميدان العمل الأساس للحزب المقبل على تحدى الانتخابات  . ولذلك لابد من إصدار لائحة تنظيمية لترتيب عمل الوحدات الأساس لتكون هي الخلية الحية الناشطة الفاعلة في الجسد التنظيمى. فلئن كان كل جسد يتجدد بتجديد خلاياه فإن على الحزب أن يعطي الإنتباه الأعظم لتجديد وحدات عمله الأساس. فوحدات الأساس هي الريش الذي يرتفع بالجسد التنظيمى ويحلق به إلى أعلى الأعالي.
القيادة الطبيعية والقيادة المصنوعة:
        يشتكي الشباب وكثير من القطاعات من تجاهل النظام الأساس السابق لمسألة انتخاب القيادات العليا لهذه القطاعات . وأن العرف المستقر هو أن يتم إختيارها بواسطة الأمناء الأعضاء بالمكتب القيادي . ورغم أن هؤلاء الأمناء ينتخبون من مجلس الشورى فإن القطاعات تفضل أن تنتخب أمناءها ثم يصبحون بحكم مواقعهم أعضاء في المكتب القيادي. وهذا مطلب معقول فأفضل الخيارات هو ما يُعلى من درجة مقبولية القواعد لمن يمثلها. وهذا الأسلوب سيرفع درجة الرضا عن ممثلي القطاعات في المستويات القيادية . لذلك لزم مراجعة بنود النظام الاساس  الجديد أن لم تكن قد تطرقت لهذا الأمر لكي تفسح السبيل أمام قواعد الجامعات لإختيار أمنائها وأمام قواعد القطاعات لإختيار رؤسائها ثم يكونون من بعد أعضاء في المستويات الأعلى بمشروعية الأختيار من قواعدهم المباشرة لا بالإنتخاب من هيئة  الشورى أو المكتب القيادى. ويمكن ان يكون لهيئة  الشورى حق الاعتماد لتكون له المسؤولية عن كل من يصعد بتفويض منه للمكتب القيادي. ان الوثيقة التى أجازتها اجتماعات المكتب القيادى وثيقة غير مسبوقة فى العمل الحزبى وكانت لجان مفوضة من المكتب القيادى عكفت منذ يوليو2013على انجاز هه الوثيقة بشقيها المتعلق باعادة بناء الحزب والآخر المتضل باصلاح سياسات الدولة. والفسم الاول رسم معالم الانتفاضة داخل أنظمة الحزب استعادة للحيوية وللمبادرة السياسية واستعدادا غير مبكر للانتخابات العامة 2015 .

وظائف الحزب بعد اعادة البناء :
        لابد للحزب من تحديد مهمته الرئيسة في المرحلة المقبلة ومهامه الأخرى المتصلة بالمحور الرئيس لعمله ،  ولابد لها من تحديد الأدوار للقيادات والقواعد وللقطاعات والمكاتب  والوحدات التنظيمية. ولابد من وضوح الرؤية لكل المستويات وجلاء الفكرة  والبرامج لجميع الأعضاء والعضوات. ولا خلاف فيما أعلم حول أن أن الوظيفة الرئيسة هي استنهاض المجتمع لتطوير وعيه بالعقيدة والدعوة والفكر والثقافة وبالتوعية والتغبئة السياسية . وتمتين بنائه بالتضامن والتكافل وتعظيم عطائه بالعمل الصالح المثابر في كل المجالات التي تُعلى من شأن الأمة والوطن. ان شعار المرحلة المقبلة ينبغي أن يكون شعار "تمكين المجتمع" . وليس من سبيل إلى تمكين المجتمع بغير تطوير معارفه عبر التعليم والاعلام والدعوة والأفكار المتجددة والثقافة المترقية والفنون المبتكرة الرسالية. ولا سبيل إلى تمكين المجتمع دون محاربة الضعف والعجز والكسل بمحاربة الفقر حرباً لا هوادة فيها . ومحاربة البطالة ورفع القدرات وتعزيز الحرفية والمهنية في كل أداء يؤدي أو عمل صالح نافع. ومهمة الحزب لا تنتهي عند تفعيل عضويته وتعبئتها لتنهض بمهامها ولكنها تتعدى ذلك إلى الهام الحكومة بالتوجهات الكلية وأولويات السياسات والإختيارات . وبخاصة في مجالات التعليم والاعلام والثقافة والتخطيط الاجتماعى . ومجالات تمكين المرأة والشباب واصلاح الاقتصاد وتوسيع التشغيل ومحاربة البطالة . وأصلاح أنظمة المصارف ومحاربة التهميش التمويلي للفقراء . ومجالات إعداد القوة والمكنة للدفاع عن سيادة البلاد واستقلال قرارها الوطني . واحياء روح الجهاد في ابنائها لأن عزة الأمة من عزة أبنائها. وكذلك في مجالات تنظيم الحياة الدستورية بما يحقق سيادة الشعب ويعليها فوق كل سلطة وكل طائفة وكل تدخل أجنبي.وبتحقيق الوئام الوطنى وتوسيع  أفاق الحريات المدنية والسياسية . وتحقيق المساواة بين المواطنين بلا تفرقة بسبب العرق أو الجهة أو الدين أو المذهب أو الجنس أو النوع أو الفئة العمرية . فالمساواة والحرية هما وحدهما هما صمام الأمان لتأكيد توحد الشعب . لتتوحد أرادته فيقف حائط صد أمام كل تحدي وكل عدوان . وليتحرك في تشكيل واحد منتظم لتحقيق آماله في الرفعة والتقدم. ولانجاز ذلك كله فلابد من انفاذ السياسات الحديدة والمتجددة التى أجازها المكتب القيادى على ضؤ توصيات هيئة الشورى.تلك الحزمة من السياسات التى سيعلنها السيد ريئس الجمهورية قبل اكمالنا هذا المفال فى الاسبوع المقبل باذن الله . 


                                     نواصل

الأحد، 16 يونيو 2013

نحن والديموقراطية حوار أهل السمع والبصر 6

الديمقراطية كونها مفردة معربة وتجربة ذات علاقة وشيجة بتجارب الحكم في العالم الغربي لا ينفي أن قيمها وربما بعض اعرافها ومؤسساتها معروفة معهودة في تجاربنا الحضارية الماضية والماثلة. ونسخة الديمقراطية الأوفق لنا هي تلك النسخة التي تحمل أكبر قدر من هذه القيم الحضارية المعهودة لدينا، وتلك المؤسسات التي عرفنا محاسنها ونقائصها . فليس ثمة شيء أدعى لضمان أستمرارية ممارسة ما مثل ارتباطها بالتجربة المتصلة حضارياً والمستمدة من جذور الثقافة والممارسات المتعارف عليها بين اهلها. ولأن مفهوم الاستدامة مفهوم متصل بالثقافة والبيئة فقد أصبح من المستقر في التجربة المعاصرة أن يكون للديمقراطية نسخ متعددة لتوائم مفهوم النسبية الثقافية وتعدد البيئات والظروف والأحوال الإجتماعية والاقتصادية.
ديمقراطية أهل السودان:
        وكان ينبغي لديمقراطية أهل السودان أن تشبه أهل السودان . وأن تلائم وتوائم عقيدتهم وثقافتهم وعرفهم بل وأمزجتهم . فهي تكون بذلك أكبر قابلية للإستمرار. ولكننا أغرمنا بنقل تجارب الآخرين بما لها وما عليها، وسواء انسجمت مع أفكارنا واعرافنا ومزاجنا العام أم اختلفت، ولذلك لم تُكتب الاستدامة لتجاربنا السياسية والدستورية. وما لم نتوافق على نظام سياسي يراعى الخصوصية والعبقرية السودانية بل يحتاط للنقائص والعيوب السودانية في التفكير والمزاج العام فلن تمكث الديمقراطية بيننا الا قليلا. وديمقراطية أهل السودان ينبغي أن تكون لعموم أهل السودان لا للخاصة دون العامة . ولا للصفوة دون سائر الناس بل أنها لن تكون مستحقة لأسمها ووصفها ما لم تشابه العامة من الناس . وأن تستلهم حكمتهم وتجربتهم الحضارية الممتدة عبر القرون والأجيال. وديمقراطية أهل السودان يتوجب ان تكون ديمقراطية شعبية Popular Democracy  . وأعني بمفردة شعبية أن ترتقي القيادات من أسفل إلى أعلى . وأن تبتدر السياسات والاتجاهات من أسفل إلى أعلى. ولن يكون ذلك إلا بالتركيز على فكرة ديمقراطية القاعدة من خلال نظام للجان الشعبية . والشورى الشعبية التي تصف الأحوال وتؤمىء للمعالجات وتترك الصياغة الفنية للسياسات للفنيين والخبراء من بعد. كذلك ينبغي أن تُؤسس الأحزاب على أساس الأحزاب الشعبية فلا يُسمح لحزب بالدخول إلى المعترك الإنتخابي ما لم يؤسس حضوراً شعبياً مقدراً . سواء على مستوى الولاية أو المستوى الأتحادي. ولا يعني ذلك منع الأحزاب وجماعات الرأي من الحضور في الساحة السياسية والتعبير عن رؤاها وأفكارها . فلن تتجدد الحياة السياسية ما لم يسمح للأحزاب الجديدة والأفكار الجديدة بالنشؤ والتوسع . ولكن السماح بالممارسة السياسية شيء والسماح بادعاء تمثيل الشعب شيء آخر . ولذلك فإن أفضل أشكال الانتخابات هي الانتخاب بالقوائم النسبية بنسبة مائة بالمائة على أن تكن نسبة الاستحقاق للتمثيل البرلماني عالية كالشأن المعمول به في تركيا حيث تبلغ تلك النسبة 10% . ولذلك فأن من يوجد بالبرلمان يمثل كتلة شعبية حقيقية وليس مجرد لافتات متعددة وأصوات مرتفعة وضجة مفتعلة.
ديمقراطية سيادة القانون:
        وديمقراطية أهل السودان ينبغي أن تكون ديمقراطية سيادة حكم القانون وذلك بالتوسع في التشريع أنطلاقاً من الشريعة الإسلامية والأعراف المعروفة المستقرة بين أهل السودان . والتوسع في التشريع هو الأسلوب الأمثل لترسيخ الثقافة الحقوقية التي تعاني ضعفاً ظاهراً في تجاربنا في السودان. والثقافة الحقوقية تعني ترقية احساس المواطن بالاحساس بالواجب . والعزم على عدم التنازل عن حقوقه إذ تستلب أو كرامته ان تهان . لقد ترقى هذا الاحساس لدى بعض الأمم حتى أن المواطن يذهب ليبلغ عن تجاوزه لقانون المرور مثلاً وإن لم يره أحد أو تصوره آلة فيدفع الغرم الذي عليه راضياً عن نفسه. وهذا المواطن نفسه هو الذي لا يقبل من أهل السياسة أو أهل الخدمة العامة ان يستهينوا بحقوقه ولا يتردد أو يعجز عن المطالبة بها بكل سبيل ممكن. ونحن  إذ نتحدث اليوم عن صناعة الدستور يتوجب علينا ان نعلم أن أهم أبواب هذا الدستور هو باب الحقوق والواجبات والحرمات . تلك التي يجب أن تفصل تفصيلاً دقيقاً . وأن تًوصف آليات تحقيقها على أرض الواقع . وكيفيات تحصينها وصيانتها في مواجهة كل متجاوز أو متنفذ أو متسلط. والتدقيق في هذا الأمر غاية في الأهمية فنحن نعلم أن التجاوز فطرة في الإنسان لم يؤدب نفسه بآداب الدين والخلائق الكريمة . وما لم تحول الحوائل دون تجاوزه وطغيانه "إن الانسان ليطغى ، إن رآه استغنى" فالزيادة في المال مظنة الطغيان والزيادة في السطان مظنة الطغيان. ولذلك فلابد من آليات حقيقية تمنع أن يكون المال دائراً دولة بين حفنة من الأغنياء المحتكرين أو ان تكون السلطة دولة بين ثلة قليلة أو صفوة مترفعة عن سائر الناس. ولتحقيق مبدأ حماية الحقوق والحرمات فلابد من نظام دقيق يمنع طغيان أيما سلطة من سلطات الحكم . وذلك من خلال نظام دقيق للتكابح فكل سلطة تكون متميزة وقادرة على كبح تجاوز السلطات الأخرى . وان لا يُمكن فرد واحد بتقديره الشخصي أن يقضي في أمر تعم به البلوى على الناس. وكذلك لابد من آليات فاعلة تمنع تجاوز أصحاب الصلاحيات الإدارية والمالية أو الأمنية وتراقب قصورهم . فإن كان لابد للسلطات الأعلى من كابح يكبح طغيانها فإن أيما تصرف في شأن الناس لابد للمخول به من كابحٍ يكبح تجاوزه وطغيانه . وما أكثر هؤلاء المتجاوزين على استحقاق المواطنين في الخدمة الجيدة أو المعاملة الكريمة اللائقة للمواطن العادي الذي هو الدافع من خلال الضريبة أجور هؤلاء المتعجرفين وامتيازاتهم جميعاً. فالديمقراطية الحقة هي تلك التي ترد الحق لصاحبه . وصاحب الحق هو المواطن العادي فتمكينه بالقانون وبالوسائل والآليات من نيل تلك الحقوق هو المعيار الذي يقاس به نجاح الديمقراطية . وحظها من الرضا العام وحظها بالتالي من القابلية على الإستمرار.

أنتهى ،،،،

الخميس، 6 يونيو 2013

التفكير العاطفي..آفة السياسة الكبرى(5)

جوهر السياسة هو التدبير ولا يكون تدبير الا بتفكر وتدبر ثم نقل هذه الافكار الى الآخرين عبر توصيف أدوار محددة لتتحول الفكرة الى مشروع  و الى عمل له نتائج تفضي الى تحسين الوضع قيد المعالجة.   والتعريف   الأدق للسياسة كما تقول القاعدة الفقهية المستقرة (أن التصرف بالسياسة منوط بالمصلحة ) فالمصلحة وتحقيقها من خلال جلب منفعة  أو درء مفسدة هو ما يعطي السياسة شرعيتها . أما اذا تحولت السياسة الى استحسان شخصي أو تشهى او تلهي لصاحب أمرها فإنها سياسة باطلة والباطل مردود على أهله في كل حال. ولا يكون جلب المنافع ودرء المفاسد  الا ناتجاً عن فكرة سديدة وهمة عتيدة  لا ترضى بالكسل الفكري ولا بالفشل والعجز عن مواصلة الكدح الي المقاصد المرغوبة.
الفكر والخطاب السياسي ..... والاستمالات العاطفية 
الخطاب السياسي مرحلة لاحقة للتفكير السياسي . و هو توصيل الأفكار للآخرين للانفعال بها والتفاعل معها ومن ثم التحرك لتنزيلها على واقع ما لتحسينه وترقيته بدرء المفاسد غير المرغوبه وجلب المنافع المرغوبة . وقد يستطيع المرء أن يتعرف على رصانة الفكر السياسي من خلال رصانة الخطاب السياسي. ولذلك كم يسهل علينا ان نستنتج فجاجة الفكر السياسي وسطحية تعاطيه مع المسائل من خلال ما تحتشد به الساحة من كلام السياسه وخطابها العام. وهم أهل السياسة الأول هو درء المقاومة والممانعة لمرادتهم اياً كانت  . وجلب الموافقة والتأييد لاتجاهاتهم ومشروعاتهم. وهو أمر مطلوب مشروع لو أن هذه المطلوبات والمرادات السياسية منوطه بالمصلحة العامة لا بالمصلحة الشخصية أو المصلحة الحزبية. وللوصول الى تحقيق المصالح والمنافع طريق واحد هو بذل الوسع في النظر الموضوعي المتجرد لتحرى وجه النفع والضرر في كل مسألة. ويمكن البدء بالتساؤل عن كيفية طرح المسائل أمام النظر السياسي. فهي إما حاجة معلومة يُسعى الى تلبيتها أو مشكلة منظورة يُسعى الى حلها . وهذا هو الشأن في المعتاد من الأمور . ولكن الى جانب ذلك هنالك النوازل والجوائح والطوارق التي تطرق على غير ترقب وتجئ من غير انذار . وهذا الضرب الأخير هو الذي يكثر في أوضاع عدم الاستقرار.  فيكون هو الشاغل لغالب الهم وغالب التفكير . ولربما يكون هو الصارف عن معالجة المعتاد من الأمور والمسائل فيغلب فكر معالجة الأزمات على التخطيط البعيد للواقع المعتاد.
وفي كل الاحوال الطارئة والمعتادة فإن الحاجة تمس الي التباعد عن الجزع والفزع والتعرف المتعجل الهلوع (( واذا جاءهم أمر من الأمن اوالخوف أذاعو به ولو ردوه الى الرسول وإلي أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)) النساء (83)   والاستنباط هو معرفة الشئ من أصوله وهذا هو الأمر القمين الحري بأولي الأمر. وهو أن لا تستخفهم النوازل بالجزع ولا الانجازات بالفرح . وأنما يضعون كل مسأله موضعها ويدبرون لكل حال تدبيره. وأول ذلك عند النظر في كل أمر تعم به البلوى أو الفائدة هو ذكر الله لقمع هوي النفس وميلها لما تحب ونفورها عن ما تكره . ومهما بدا هذا الأمر غير  يسير لكنه العسير الذى الذى لا يُستغني عنه . فلن يتيسر الفهم الصحيح للنازلة أو المسألة ما لم يكون المبتدأ من قمع غطرسة النفس وعجرفتها  وادعائها الاستحواذ على الحكمة والنظر السديد .
فما لم يشك المرء في قدرته على التوصل لوجه الحق والصواب من كل مسألة فإنه يفوت على نفسه سانحه مواتية وفرصة غالية للتوصل في الصواب الذي به تجلب المصالح وتدرأ المفاسد. والصواب كما ذكر ((دي بونو)) له وجوه عديده فهنالك الصواب العاطفي وهو الفخ الذي يسقط في شراكه غالب اهل السياسة ونعنى بالصواب مطابقة التفكير للواقع وهذه التشابه يمكن أن يكون لميل النفس ولهواها وهو الصواب العاطفي ويمكن ان يكون نتيجه اتساق المقدمات والنتائج فيكون صواباً منطقيا ويمكن أن يكون بعد الفحص والنظر في البدائل الأمر المطروح العملى والملائم الوحيد فيكون صواباً فريدا والصواب يمكن أن يكون صوابا من خلال المقارنه والتمييز ويكتسب ذلك  بالمعرفه والألفه والخبرة مثلما يتعرف الطبيب على الأمراض من خلال أعراضها المتميزة عن أعراض أمراض أخرى.
وهذا النوع الرابع من الصواب مزلقه الأكبر هو الاغترار بالمعرفة او الخبرة ذلك لأن الشخص الذى يشعر بالثقة الزائدة في حكمه لن يبذل غاية الوسع في التقصي  والجمع المزيد من السمات والمميزات التي تؤكد له ما توصل اليه من نتيجه. ولا شك أن الفهم السديد يقتضي الاستعانة بكل القدرات العاطفية التي تعين على جمع الهم والتركيز والقدرات المنطقية التي ترفض التعارض والتناقض وتتحرى الانسجام والاتساق للأفكار والقدرات التي تستقصي كل البدائل الممكنة لتنتقي أكثرها ملائمه ونفعا والقدرات والخبرات التي تعين على التمييز الدقيق للظروف والموافقات والقدرة على التفريق بين الأمور المشتبهات شكلاً المختلفات فعلاًوأثراً.
لا شك أن حظ أهل السياسة في زمننا هذا من ذلك كله قليل . ثم أنهم يعيشون حالة أنكار فيزعمون أنهم أهل الفكر السديد والتدبير الرشيد من خلال التمشدق باطروحات إيدولوجية ورؤى فكريه يزعمون أنها هي التشخيص الدقيق لادواء المجتمع . وهي العلاج الناجع لتلكم الادواء والتوازل. ومما لا شك فيه أن الحديث عن الفكر في سياق السياسة قد تعاظم في العقود الأخيرة . وتداخلت الفلسفه مع الخطاب السياسي العمومي . وحدث ذلك بأكثر مما كان مألوفا في الماضي . بيد أن الفكر والفلسفه دخلا علي السياسة لا وسيله للتحليل والتشخيص ولا ذريعه لاجتراح الحلول العملية الناجزة ، بل أداة من أدوات تزيين الخطاب فصار لا يعدو كونه استمالة عاطفية لجذب استحسان الجمهور مثلما تجذب الحسناء الأنظار بتبرجها ومجوهراتها. نقول ذلك وندرك الحاجة لاستثناء حالات قليله أضطلع  فيها الفكر بدوره في توجبه السياسه الى سبيلها الرشيد القويم. ويمكن أن ندرك ضآلة أثر التفكير  في هداية السياسة أذا أحطنا علماً بالدور الكبير الذي أطلع به الفكر الأداري والتنظيمي في ترشيد وترقية القدرات المؤسسية والفردية على الصعيد الأداري . ومما يثير العجب أن عدداً غير قليل من أهل السياسة قد أكتسب قدرات مقدرة في المجالات التنظيميه والادارية من خلال العمل في المؤسسات المختلفه ولكن عندما ينتقل اولئكم الى معاقد القيادة السياسية فإن ثقافة التطفيف الفكري تكون هي الأمر المعتاد المعتمد لديهم. ولرب سائل يسأل عن سبب ذلك ولعل الاجابه سهلة ويسيرة . وهي أن الشأن الغالب في السياسة في عالمنا الراهن هو مخادعة جمهور الناس ومداهنتهم لاستدامة المسايرة منهم واجتناب المغايرة والممانعة والمقاومة. ولذلك صار الأفكار المزجاة السهلة هي بضاعة أهل السياسة . وصار الخطاب السياسي مثل كعكة الزبيب كما يقول دي بونو.  تلك الكعكة التي يكون الخبز فيها هو اللحمة التي تصل بين حبات الزبيب حلوة الطعم والمذاق. فالأمر المطلوب ليس هو الوصول الى استحسان الجمهور لما يطرح عليه بل هو فهم ما يطرح عليه والانفعال به والتفاعل به لتغيير ما بالحال نحو أوضاع أحسن وأفضل.


نواصـــــــــــــــــــــــــــــــــل،،،