السبت، 17 ديسمبر 2011

الحكومة الفضلى ( 1-3)



يدور حوار الساعة عن الحكومة الجديدة ولا جديد فيما يقال، المعارضة تقول أنها ولدت ميتة (وما الذي يزعج المعارضة من الأموات) آخرون يقولون تكررت الوجوه ولا جديد، والمؤتمر الوطني يقول نريد التجديد لكننا نحتاج للخبرة والحنكة، وأما موضع تركيز هذه المقالات فليست الوجوه ولا توسيع المشاركة أو تضييقها وإنما مناسبة الأطر والعلاقات التنظيمية . وتناسب المكلفين بالمهام مع ما يكلفون به . وبقدر ما تكتسب الحكومة من نقاط باعتبار هذه المقاييس تقترب من مقام الحكومة الفضلى التي يرمقها الجميع بمزيد من الإعزاز والتقدير.
الحكومة  ما هيّ ؟
تعودت الأذهان الناعسة على تقبل المصطلحات والمفردات دون فحص دقيق وذلكم حالٌ يشبه حال قصير الباصرة الذى تتداخل المشاهد أمام عينيه . فهنا تتداخل المعاني في فهمه وإدراكه، يجيء هذا القول مقدمة لتصحيح المعنى المراد في هذا المقام من مفردة الحكومة. فمرادنا أوسع من مجلس الوزراء (The Cabinet) وهو يشمل الإطار التنفيذي للحكم ما يعني رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء والخدمة العامة بجناحيها المدني والعسكري.  وإذا زعم محسوب على الموالاة أن كل شيء "تمام" وأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان علمت الكافة أنه يقول ما لا يقصد أو لا يقصد ما يقول. ولو زعم محسوب على المعارضة المناوئة أن الحكومة على شفا جرف هار، ونظامها منهار علم الناس أنه لا يصف ما يتملى بل يصف ما يتمنى.  وبين الراضي والساخط موضع للناقد. والنقد لا يعني بالضرورة الذم والتبخيس . كما لا يعني المدح والتغريظ، وإنما هو مثل تمييز الأحسن والحسن والذي ليس له إلى الحسن سبيل. ولكي نصف الحكومة الفضلى يجدر بنا أن نعرفها أولاً . اما الحكومة فهى فعولة من الحكم ، أي أنها اسم مفعول للفعل حكم . وهو من الأفعال الشريفة لأن أرومته في الكلام شريفة . فمفردة حكم وأحكم وحكّم أصولها في الاحكام الذي هو وضع الشيء موضعه . ومن الحكمة التي هي كذلك . ولذلك فكأن من اختار هذا المصطلح يريد أن يقول أن الحكومة مفعول للاحكام أو الحكمة . وكان الأولى أن تكون اسم فاعل وليس اسـم مفعول ، ولكن المفردة شأن كثير من المفردات المعربة حديثاً تفتقر إلى فصاحة العرب الإقحاح وأكثر من الحكومة مناسبة مفردة المحكمة (مفعلة) التي هي اسم أداة . فالمحكمة وسيلة لإعطاء كل ذي حق حقه ورد الأمور إلى نصابها. والمفردة الانجليزية أكثر فصاحة government لأنها تعني وسيلة الحكم. والمعنى المراد من الحكومة الهيئة التي تتسم بالحكمة والتي تسوس الأمور وتدير الشؤون على الوجه الأفضل.  وهي تتكون من فرعين فرع متخصص بالسياسة وفرع متخصص بالإدارة.
الفرع المتخصص بالسياسةThe cabinet أي مجلس الوزراء سواء كان في حكومة برلمانية أو رئاسية . والفرع المتخصص بالإدارة والتنفيذ هو الخدمة العامة. ولن ينصلح حال آلة الحكم ما لم تخضع باستمرار للصيانة المستمرة من الأعطال المتكررة .  وأن تخضع أحياناً لإصلاح شامل (عمرة كاملة) . وإذا تركنا الحديث عن أحد جناحي الخدمة العامة الذي هو الخدمة العسكرية لحساسية الحديث عن إصلاح الخدمة العسكرية في الصحف السيارة، فإنه لابد من الحديث عن الجناح الآخر للخدمة العامة الذي هو الخدمة المدنية. والمقصود بالخدمة المدنية هو الكادر المهني الدائم . وهو الجسم الأكبر من الحكومة يتألف من عشرات أو ربما مئات الآلاف من أهل المهن المسخرون لتقديم الخدمة العامة. والأسم المشهور للخدمة المدنية هو البيروقراطية Bureaucracy أي سلطان المكاتب . وهو يحمل إشارة ناقدة مضادة لمعنى الخدمة كأنها تقول أتينا بهم خداماً فصاروا أسياداً.  وأما الفرع الآخر من الحكومة فهو مجلس الوزراء المختص بتوجيه السياسات. وكلمة وزير  تعني مساعد فبالضرورة أنه محسوب على قائد . وأن القائد هو الأصل والآخرون (وزراء) مساعدون، فالوزير هو من يُعين ومن يؤازر في إنفاذ مهمة .  فهو بطبيعة التكليف مفوض لا مخول. وهذا إن صح في النظام البرلماني الذي يقوم على اختيار البرلمان لرئيس الحكومة ثم قيام رئيس الحكومة باختيار وزرائه (مساعديه) فإنه أكثر صحة في شأن الرئيس الذي ينتخبه الشعب ثم هو من بعد يختار مساعديه . وهو حر في إطلاق الألقاب التي يشاء عليهم، ما لم يقيده الدستور.  فهو ينشئ مجلساً للمساعدين "الوزراء" أو السكرتيرين(الأمناء) . وله أن يختار ثلة لأغراض الاستشارة"مستشارون" وثلة أخرى لأعمال تنفيذية لا تدخل ضمن أعباء الوزارات "مساعدون" . كما له أن يختار من يساعده في اتصالاته الخارجية "مبعوثون" وأما سفراؤه الذين تنظم نشاطهم وزارة الخارجية فيتبعون لأمرته مباشرة . والوزير وكيل لا يحجب الرئيس عن سفرائه. وللرئيس أن يتخذ كبيراً للوزراء أو وزيراً أولاً ، وله أن يترأس حكومته مباشرة . فيكون رئيسها على الدوام ما لم تضطره الظروف إلى الاستخلاف.
هذا هو وصف الحكومة وتوصيف مهامها ، ولقد أدركت الشعوب منذ زمان قديم أنه لا يمكن أن يؤمن استبداد فرد أو جماعة بالحكم فيحكم بغير رشد بانطباعات وبالتشهي وبالتشفي، ولذلك اتُخذت البرلمانات ومجالس الشورى ومجالس الحكم وسيلة لضبط تفلتات الحكومة . وإحكام الرقابة على أدائها وإعانتها بالتشريعات على تثبيت السياسات وإلزام الجمهور بها. وبهذا المعنى فإن وجود البرلمان وفاعلية أدائه أمر جوهري لضمان جودة الأداء الحكومي،  ما يعني أنه لا يمكننا الحديث عن الحكومة الفضلى ما لم يشمل الحديث دور البرلمان وفاعلية أدائه.
الناس والحكومة:
شأن الناس مع حكوماتهم شأن المثل العامي ( لا بريدك لا بحمل بلاك) فالحكومات جميعاً عبء على شعوبها . ولكنه عبء تقبل الشعوب به لأن غياب الحكومة أمر يعُسر على الشعوب احتماله. ولذلك أن تطمع حكومة من الحكومات أن تنال تمام الرضا أو أن تحظى بكثير الرضا مع طول البقاء فإنها لا تعدو تحدث نفسها حديث الأماني الكذاب. فمثل الحكومات مثل زوجة حسناء لا تكتفي بحسنها بل تبذل غاية الوسع في التجمل والتزين ، ولكن مع مضي الوقت سوف يقال لها (لا يصلح العطار ما أفسد الدهر) . ولذلك فإن التجديد المستمر في الهياكل والأطر والاستراتيجيات والسياسات والوجوه والقيادات أمر محتوم لأية حكومة تريد أن تمتد أيامها في الحكم وتستطيل . ذلك أن العامة من الناس الذين لا يريدون أية حكومة إنما يجهدون أنفسهم لاحتمال الحكومات على علاتها . وهم أدنى إلى مزاج ناقم ساخط منه إلى مزاج ناقد راض.  ولذلك ما لم تكن الحكومة في حالة سباق مستمر لتسجيل أرقام قياسية فترة بعد أخرى، فإن الناس سوف يقلبون أبصارهم للبحث عن بديل غير عال الكلفة للحكومة القائمة. لذلك كان التراضي على أسلوب للانتقال السلمي السلس للسلطة أمر جوهري في استدامة الاستقرار .  فمن وضعه الدولاب الدائر في أعلى السلطة لابد له من تهيئة النفس لوقت تدور فيه الدائرة ،لأنها ما تنفك تدور. ولكن سرعة دوران الدولاب يمكن للحكومة الراشدة أن تتحكم فيها فيكون له بدل الدورة دورتان وبدل الدورتان أربع . وكم من حكومة جاءت إلى الحكم مرة من بعد مرة ، كما جرى الأمر في الهند وفي بريطانيا وإسرائيل وغيرها، لأن الناس لا يجدون أفضل منها على علاتها . ولأنها اكتسبت من الخبرة والحنكة ما يجعل الناس يؤجلون التخلص منها من دورة انتخابية إلى دورة أخرى.
نواصـــــــــــــــــــــــــــل،،،

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق