السبت، 17 ديسمبر 2011

الإسلاميون والدولة المدنية (2)



        أصبح شعار الدولة المدنية شعاراً يتدثر به العلمانيون في المنطقة العربية بعد أن أدركوا تهافت الخطاب العلماني وافلاسه وأنصراف الشعوب عنه ضربة لازب. ومثلما أُستخدم من قبل أسم العلمانية المشتق من العلم دثاراً للدولة اللادينية اللائكية يُراد استخدام التمدن دثاراً للعلمانية التي عرفت الجماهير سواءتها  وأنصرفت عن جهاتها. ولذلك فان الحملة تدار الآن لإقناع الشعوب أن إسلام الحركات الإسلامية هو ليس بالإسلام المعتدل الوسطى، بل هو السياسة المندثرة بالإسلام . ويراد إقناع الإسلاميين بعد أن ترجح وصولهم للحكم على أكتاف الجماهير أن يحكموا بالسياسة العلمانية التي تفصل الحكم عن القيم والمقاصد والقواعد الإسلامية، ويسمون ما يدعون إليه بالدولة المدنية . ويجعلون الدولة المدنية في محل التعارض لا التوافق مع الفكرة الإسلامية .  فالدولة لدى هؤلاء لا تكون دولة إلا إذا كانت على صورة الدولة الغربية العلمانية . والتحديث لا يكون حداثة ولا تجديداً إلا إذا سلك سبيل الغربيين حذو القذة بالقذة . ولقد أشرنا في مقالة سابقة إلى صرعة مدح التجربة التركية ووجوب أن تتخذها الحركات الإسلامية المقبلة على الحكم أنموذجاً ومثالاً ليس حباً فى حزب العدالة والتنمية ولكن للترويج لعلمانية يمكن تسويغها للذائقة الشعبية.
 آفة المصطلحات معربوها
المفردات ليست حروفاً متشابكة لا أصل لها ولا أشتقاق بل المفردات هي تناسل الكلمات عن المعاني . ولكن من يريد تزوير الأفكار يسعى إلى فصل المفردات عن جذورها وأصولها. والآفة الكبرى في تحديد معاني المفردات هي التعريب عن اللغات الأجنبية. فالمعربون الناقلون للمصطلحات من اللغات الأجنبية الغربية على وجه الخصوص لم يكونوا من أهل الأختصاص في اللغة ، بل كان جلهم سياسيون وإعلاميون ومستشرقون ومبشرون. ولذلك فقد عرّبوا المصطلحات الفكرية والسياسية كما شاء لهم الهوى أو الرغبة ، ولو شئنا ان نضرب لذلك أمثالاً لما وسعتنا المساحة أو المسافة. وأول تلك المصطلحات مفردة العلمانية نفسها التي لا علاقة لها بالإشتقاق من العلم في لغاتها الأصلية لاتينية أو أنجلوسكسونية . فهي في اللغة اللاتينية Laikos وفي اللغة الفرنسية المعاصرة Lacicite وهي تعني ما هو مستقل عن الهيئات الدينية الكنسية . بمعنى نفي الصفة الكنسية عن الشيء المراد وصفه باللائكي. وأما كلمة علمانية Secularism فهي بذات المعنى وقد استخدم المصطلح لوصف ما هو غير خاضع أو منتمي لسلطة الكنيسة . واستخدم لفظ سيكولار لأول مرة في دنيا السياسة مع ظهور الدولة القومية الحديثة في القرن السابع عشر والتي تعلن إنتماءها للدين المسيحي ولكنها ترفض الخضوع لسلطان الكنيسة، ثم جاء من يفسر العلمانية بمعنى الحياد بين المعتقدات.  ويدخل في هذا أبهام كثير فماذا يعني الحياد بين المعتقدات؟ هل يعني نفى القيم والمثل والمقاصد الدينية . فتصبح الدولة دولة مادية بلا قيم ولا مثل إلا الاستنفاع الآني . ولا مقاصد لدى هؤلاء وغايات عليا إلا الرفاه المادي. مما لاشك فيه أن دعاة العلمانية لم يتفقوا أبداً على هذا المعنى بل أن غالبية الممارسين للسياسة في الغرب أدخلوا القيم الدينية في رموز السياسة وفي أخلاقها وفي مقاصدها الثقافية والإجتماعية . ولم يتجرأ أحد على الدعوة الصريحة لاقصاء الدين عن السياسة جملة واحدة إلا العلمانيون الماديون. وهؤلاء وإن كان لهم حضور في الفكر والفلسفة ، فأنه لا ظهور لهم في السياسة . لأن السياسة تبغى مخاطبة الشعب بما يحب ويرضى . ولن ترضى الشعوب أبداً باقصاء القيم والقواعد والمقاصد الدينية عن الممارسة السياسية. ولكن أهل الإستشراق ممن مهد للاستعمار الفكري والسياسي وتلامذتهم من لاقطي فتات المغانم من تحت أرجلهم جعلوا العلمانية مرادفة للعلم ومناقضة للدين . مثلما عربوا كلمات كثيرة آخرى لتوافق المقاصد الاستعمارية الفكرية والسياسية. فمفردة مثل مفردة التعددية التي تُعظم وتُمجد هي تعريب سيء للغاية للمفردة الإنجليزية Pluralism . وهي تعني الجمعية أي حاصل جميع المتعددات والمفردة في جذورها الأصلية تحمل معنى الاجتماع ومعنى التعدد . فالجمع لا يكون الا لأعداد ولكن التعدد المراد ههنا هو التعدد المجتمع لا التعدد المبعثر المتفرق. وهذا معنى مهم ضائع في الثقافة السياسية المشرقية . لأن التعدد المجتمع هو ضمانة لحق الاختلاف ولتيسير الحوار والتكامل القائم على التنوع . ولكن التعدد المبعثر هو تكريس لحالة الفرقة والتباين والنزاع. والمعربون الاستعماريون أرادوا تكريس الفرقة والتباين والنزاع في الحالة السياسية المشرقية ، لأنها هي الضمان لاستقرار احتلالهم ونفوذهم وسلطانهم على السياسة الأهلية. ومصطلح آخر زوروه وزيفوه هو مصطلح Socialism  أي النزعة الاجتماعية ولكنهم عربوه إلى كلمة الاشتراكية وشتان ما بين الاجتماع والإشتراك.  فالنزعة الاجتماعية هي علوية الجماعة والمصلحة العامة والنفع العام . وأما الإشتراك فلا يعني ذلك بالضرورة . فالإشتراك يمكن ان يكون بين أيما أثنين أو يزيد ويمكن أن يكون موقوتاً أو مستمراً. والحديث عن الإشتراكية كان حديثاً لا يستنصر بالثقافة المجتمعية ولا بالعقائد التي توحد الناس في مجتمع متماسك بل هو حديث مادي يشترك الناس عنده في مصالح مادية فحسب. ولا أعتقد ان الذي تحاشى استخدام كلمة المجتمعية بديلاً عن الإشتراكية قد فعل ذلك سهواً . ولكن تقوية المجتمع واحياء معاني التكافل والتكامل العقدي والفكري والاخلاقي والمادي لم تكن من المراد الذي يتحراه هؤلاء . ولقد ظلت الحركات الإسلامية تدعو للعدالة الاجتماعية وان لا يصير المال دولة بين الأغنياء وأن لا تصبح الأموال حائلاً دون أخوة الأيمان وأخوة الأنسان . فالطبقية مذمومة في الفكر الإسلامي والمال الذي يكتنز لمصلحة الأفراد ولا يوظف للمصلحة العامة مال مذموم وهو وبال على أصحابه في الدنيا وفي الآخرة.
وأما المثال الأخير الذي نسوقه ههنا فهو تعريب الدولة المدنية وكأن مدنيتها تعني لا دينيتها . وهذا تزييف عظيم. فلو أنهم قالوا أنها الدولة التي لا يشترط ان يحكمها علماء الدين الشرعيون لوجدوا منا بعض الموافقة. ولو قالوا أنها الدولة التي يفصل فيها بين المؤسسات الدينية التعبدية وبين مؤسسات النفع العام لوجدوا منا بعض التصديق . ولو قالوا أنها الدولة التي لا تكون سلماً للعسكريين دون غيرهم لوجدوا منا بعض التأمين على ما يقولون. ولكن لا سبيل لهم للقول أنها دولة بلا مرجعية فكرية ولا دينية ولا معتقدية . لأن دولة مثل هذا لا توجد في الواقع المعاش وليست بمتصورة إلا في أذهان بعض الفلاسفة وأصحاب الأهواء ممن لا يريد أن يقيده شيء من الدين أو أن يحد من رغباته وشهواته معتقد أو فكرة أو قيمة أو مثال.
الدولة المدنية ما هي:-
        وإذا شئنا المضى للمعنى بغير تلكؤ فالدولة المدنية هي الدولة التي تقوم على الحق المتساوي للمواطنين في تطوير حياتهم وترقية معاشهم . وهي الدولة التي تحترم حرية المعتقد والفكر . وهي الدولة التي ترتكز على مفهوم سيادة القانون وهي باختصار الدولة التي هي سبيل من يحيا فيها إلى حياة متحضرة متطورة مادياً وإنسانياً. والدولة المدنية كما سبق لنا ان عرفناها هي تلك الدولة التي يصنع صورتها المواطنون باجماعهم أو سوادهم الأعظم أو غالبيتهم. وهي مدنية لأن معنى المدنية هو المعنى الذي يتصل بمعنى الحضارة حتى يكاد يتماهى معها. هي دولة المجتمع الحضري الذي يسعى نحو التقدم والإرتقاء. والكلمة الإنجليزية Civilization تعرب إلى حضارة وإلى مدنية ومفردة Civic تعرب إلى (مدني) و(Civil) كذلك ومن ذلك المجتمع المدني والحقوق المدنية. والمجتمع المدني هو المجتمع الذي ينتظم بارادة أفراده أنفسهم دون حاجة إلى قهر من سلطان الدولة. والحقوق المدنية لا تكون مدنية إلا إذا كانت الحقوق والواجبات تُحدد على أساس المواطنة المتساوية (سواسية كأسنان المشط) ولا يُفرق بين المواطنين على أساس الملة أو المال أو المذهب أو العرق أو اللون أو النوع. فالدولة التي تُنسب للمدنية هي دولة لأناس متحضرون يسعون للرقي والتقدم . ويحققون ذلك باتحادهم على رؤية مشتركة لمفهوم هذا الإرتقاء والتقدم مع ما هم عليه من تنوع في الأديان وفي المذاهب والجهات والطبقات والأعراف والثقافات. والعلامة المائزة للدولة المدنية هي تفرعها عن فكرة المساواة في الانتماء للوطن أي فكرة المواطنة. أما فكرة فصل الدين عن الدولة (ما يسمى بالعلمانية) فهي ليست بالعلامة المائزة للدولة المدنية . فالدولة قد تكون علمانية مثل دولة اسرائيل ولكنها ليست دولة مدنية بل هي دولة يهودية دينية تفرق بين المواطنين . وترى لليهود حقاً في البلد أكبر من حقوق الآخرين، بل هي تفرق بين مواطنيها على أساس عرقي . فهولاء  يهود غربيون وأولئك يهود شرقيون وغيرهم فلاشا . ولكل  طبقة حظ ليس مثل حظوط الآخرين. ولكم من دولة علمانية التوجه ولكنها دولة ليست بمدنية لأنها تفرق بين مواطنيها على أساس طائفي فهي دولة طائفية وليست بمدنية . ولعل الأنموذج الطائفي الذي يثور عليه الآن الشباب اللبناني يمثل صورة أخرى لدولة علمانية تتأسس فيها الحقوق والحظوظ والواجبات والأعباء على أساس الطائفة لا أساس المواطنة المتساوية.

نواصل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق