الثلاثاء، 21 مايو 2013

التفكير العاطفي..آفة السياسة الكبرى(4)



تحدثنا في خواتيم المقال السابق عن السبيل الي النهضة الفكرية. وذكرنا أن أول ذلك هي استعادة ثقة كل انسان في ملكاته الفكرية ليكون عليها المعول، فيما يأتي وما يترك، ومن يتبع ومن يجتنب. ان سبب التخلف الأكبر في منطقة الحوض العربي الاسلامي وسائر العالم الثالث مرجعه الي تعطيل الملكات واهمال المواهب والمهارات. وكل ذلك شأن بادىء الرأي فيه وبادئ الفعل هو العمل الفكري. إن الأمة التي تعطل ملكات السواد الأعظم من عقول أبنائها وتجعل معولها علي ثلة قليلة من العلماء او الفقهاء أو من تسميهم المفكرين، أمة لن ينفك خطوها الي الامام أن يكون بطيئاً، وتأخرها النسبي عن من تقدم من الامم متزايداً ومتراجعاً . وأما الملأ الأعلى من أهل السياسة فليتحملوا القسط الأكبر من تاخر الأمة ومن تخلفها. ذلكم أن السياسة الرائجة في زمننا هذا ومنطقتنا هذه سياسة تقوم علي الاحتكار . وتضيق دوائر الراي والقرار لا توسيعه. ولئن كان السياسيون يتبادلون التهم فيما بينهم بالاقصاء والهيمنة والسيطرة، الا انهم جميعاً ينتهجون ذات النهج . ليس فحسب فيما بين النخب المحتكرة للشأن السياسي، بل من حيث الأساس بينهم وبين سائر اهل القدرات والملكات من سواد الجمهور العريض.
غياب العقل الجمعي.. سيادة النخب
والنخب الحاكمة لم تبذل جهداً في استجاشة العقول واستثارة الأفكار، بل آمنت ايماناً عقدياً أنها هي من تحتكر الحقيقة الساطعة والفكرة النيرة. وأن من عداها سادرٌ في غفلة او ضلال . ولم يكن ذلك النهج هو الأمر الرائج في تعاملات النخب فيما بينها بل وبين هذه النخب جميعاً و سواد الناس الغفير. ومما أعان علي ترسيخ العقل النخبوي والفكر الصفوي رواج سيادة عقلية قفل باب الاجتهاد فى التفكير في أوساط الجماهير . وهي فرية روجها بعض العلماء المتاخرون الذين افتقروا الى كثير من صحيح مناهج التفكير وادقعوا في معرفة آدابه. وعادوا الي شئ من ثقافة تقديس الأسلاف المذمومة في القرآن. فكأن العلم انتهي الى نهاية مسدودة هناك في لحظة تاريخية من الماضي. وكأن اجتهاد العقول وكدحها في التأويل والتفسير والتخريج قد تُوفي أجلهُ مع من ضمتهم الأجداث الأضرحه. وهكذا أعُطيت فكرة تقييد التفكير في الشأن العام بل والخاص بعداً دينياً. وسادت أفكار في الاتباع مثل فكرة "أن يكون المريد في يد شيخه مثل الجنازة في يد من يغسلها" ومثل فكرة أن كل فكرة ليس لها نسبة فيما قال السلف أو فعلوا فهي بدعة تفتح باباً للضلال عريض. وهكذا قتلوا العقل الجمعي للأمة. وأحتكروه لطوائف ما برحت  يكذب بعضها بعضا، ويضلل بعضها بعضاً وقد يكفر بعضها بعضا . ولا تهب لجمهور سواد الناس الا الابهام والتوقف الحائر بين هذا وذاك. هذا إن لم تتخذ هذه النخب الناس وقوداً للنزاعات والصراعات والحروب التي تسعر نارها وتنفخ أوارها.
إن السبيل الي النهضة الحضارية يبدأ بالنهضة الفكرية . والنهضة الفكرية تبدأ بالاعلاء من شأن العقل والفكر كل عقل وكل فكر. فالعقل مطلق العقل هو سر تكريم الانسان. والفكر هو ثمرة العقل التي بها تُستدام الحياة الانسان الكريمة. والعقول تنمو فتثمر بالتعلم والتعليم. والتعلم هو أن يُحفز كل انسان ليبذل غاية الوسع في ادراك الكون والحياة في نفسه وفي العوالم من حوله "وفي انفسكم افلا تبصرون" الذاريات21 "الذين يتفكرون في خلق السموات والارض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار"آل عمران 191 . فمن هؤلاء المتفكرون أهي الصفوات والنخب ؟ أم هم سائر أهل الايمان الذين أُنزل اليهم القرآن "ليتدبروا آياته" . والنهضة الفكرية الحقيقية تقتضي اعادة تنزيل القرآن ليس من السماء الي الأرض بل تنزيلة من فهم النخب الي فهم العامة . كما كان الشأن علي عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم والسلف الصالح. أولئكم  الذين ما تحرجوا عن أن يسألوا كي يفهموا وأن يدلي أحدُهم برأية وفكرته حتي رسول الله صلي الله عليه وسلم حاضراً ليصححه أو يخطئه. ولقد صار منهج الاجازة في تحمل العلم واحداً من أكبر مناهج التعليم والتعلم . وهو منهج يقوم علي ابتدار العلم بالسؤال من الطالب وبالاجابة من الطالب قبل ان يصححه العالم المعلم أو يخطئه . وهكذا تتسع دائرة التعلم باتساع عدد الطلاب . ولا تنحصر المبادرات في المعلم وحده. ومعنى ذلك أن الطلاب أحرار في التفكير وفي السؤال وفي الاجابة. لا نكير علي أحدهم ولا زجر ولا تخويف . واذا عرفنا أن مجالس العلم كانت مفتوحه لعامة الناس فكلهم طالب لعلم عرفنا كيف تتسع القاعدة ولا تضيق بضيق الفصول والمدارس. ولا يعني هذا اغلاق الصفوف والمدارس . ولكنه يعني اعادة الاعتبار لحلقات التعلم والتفكير في المساجد والزوايا ووسائط الاعلام وسائر منابر الاجتماع الحضرى. فذلك هو السبيل لتشحيذ أذهان الأمة واحياء وجدانها واعادتها لدورها الفاعل في الاحتساب علي نفسها وعلي الأمم من حولها.
الفكير العملي.... فقيد السياسة
                   ذكرنا أن مناط فعل السياسة هو العمل. لأن مرادها هو جلب المنافع ودرء المفاسد. وكل قول أو تحرك لا يترتب عليه عمل فهو رد . كما يقول الامام الشاطي أي انه مردود علي صاحبه لأنه هدر للوقت والجهد. وليس ثمة اعلاء التفكير العمل أكبر من هذا الاعلاء. فالوقت الاسلامي وقت للعمل لجلب المنافع "الأمر بالمعروف" ودرء المفاسد "النهى عن المنكر" والدعوة الى الخير. وهذا منطوق وتفسير السورة التي تعدل ثلث معاني القرآن "والعصر، إن الانسان لفي خسر، إلا اللذين امنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر" ان كل لحظة من حياة الانسان والأمة لا تجلب نفعاً ولا تدفع شرا فهى هدر يضيع في خسر ولا يُستعاد. ولكن معتاد الناس من أهل السياسة في زماننا هو القول الذي لا يترتب عليه عمل . فالواجب ان يرد علي اصحابه مصحوبا بالملامة. ولكن ذلك لا يحدث فغالب كلام أهل السياسة تزجية للاوقات  باستثارة العواطف لا استجاشة العقول. وغالب خطابهم استمالة للمشاعر بالأماني البعيدة المنال لا تحفيز الهمم لبلوغ المقاصد التي قد تنال. وآفة الخطاب السياسي هو التفكير العاطفي الذي لا يتحري مناسبة الفكرة لزمانها ولمكانها ولجمهورها بل يطلق القول علي عواهنه لأن المقصود هو تنقية العواطق لا تشحيذ الأذهان واثراء الوجدان . وحفز الهمة والارادة ليتحرك الانسان الى هدف معلوم يدرك تمام الادراك أنه بالمتناول ان لم يكن عبر شوط واحد فعبر أشواط . وإن استعصي الأمر علي جيل واحد فلن يستعصي علي أجيال . فلو تعلقت همة احد الناس بالثريا لنالها . فليس ثمة أمر يستعان فيه بالله" بقصى أو بعيد. ولقد اعتاد الناس علي التعامل مع خطباء السياسة وخطُابها أن لا يصدقوهم ولا يكذبوهم لأنهم مثل قصاص بنى اسرائيل إن صدقوا مرة فقد كذبوا مرات ومرات. ولأن غالب حديثهم لا يجرى عليه البرهان لأنه من عفو الكلام الذي يُنسي حيث يقال . فكيف يمُكن لمثل هذا الفكر ومثل هذا الخطاب أن يحشد جمهوراً بالأفكار النيرة والرغبة في تجاوز المصاعب ونيل المقاصد والتقدم والارتقاء. كيف لكلام غالبه مرتجلٌ من أملاء اللحظة الراهنة دون فكرة تُختمر او خطة تختبر أن يغُير حال الناس إلا ان يكون ذلك ضربة عشواء تصيب مرة لتخطئ المئين من المرات.

نواصـــــــــــــــــــــــــــــــــل،،،

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق