الأحد، 3 أبريل 2011

الطريق الي الجمهورية الثانية 2


الطريق الي الجمهورية الثانية 1-2
دأمين حسن عمر
     يشهد السودان بزوغ مرحلة جديدة من تاريخه السياسي. يأمل السودانيون ان تكون مدخلهم لفترة طويلة من الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي المضطرد. ولكي يتحقق ذلك فلابد ميثاق اجتماعى جديد يؤسس عليه نظام دستوري وسياسي جديد يفتح الطريق الي الجمهورية الثانية.
العهد الاجتماعي الجديد:
          لا تؤسس السياسة الا علي تفاهمات واعراف راسخة فى المجتمع تنبثق من التجربة الاجتماعية للشعب او من معتقداته الدينية وامتثالاته العرفيه . وقد شهد السودان فى العقود الاخيرة تهتكاً في النسيج الاجتماعي ونزاعات قبلية وتمردات عسكرية وسياسية .واصبحت كثير من الوشائج التي شكلت اللحمة بين الجماعات السياسية جزءاً من الماضي. اذ ضعفت الطائفية الدينية التي شكلت في الماضي الرابط الاساسي للاجتماع السياسي . وتفككت الايدولوجيا بوصفها الآصرة بين الجماعات السياسة المتعلمة. واضطربت الحالة الفكرية في البلاد بسبب المراجعات العميقة للفكر السياسي السائد . فإنتشار التعليم والهجرة ووسائل الاعلام الحديثة لم يجعل الجمع بين الفكرة الطائفية و اللبرالية السياسية ممكنا . فتقسمت الطائفةالي مجموعات متفرقة داخل الحزب الواحد او خارجه بفعل غزو الافكار الجديدة للحزب . وبفعل سعي البعض لتوظيف الراوابط القبلية والجهوية لتعزيز مكانتهم الحزبية . وبسبب النزاعات العشائرية داخل البيت الطائفي المتوسع بفعل النمو الديموغرافي. أما الاحزاب التي نشأت بالغزو الفكري الايدولوجي فتأثرت هي الاخري بأفول الابدولوجيا . بعد أن حلت محلها ما يسمي بالريل بولتيك اي براجماتية اليوم باليوم . وخضعت الافكار السائدة لمراجعات من قبل بعض النخب سواء كانت قومية او اشتراكية او اسلامية . بيد انه رغم تلك المراجعات المهمة فقد غاب الحوار الجدي بين الفرقاء . والذي كان يمكن له ان يؤسس لقواعد فكرية مشتركة للمجتمع السياسي. ومع بروز اثار التفتح والسيولة الاجتماعية بفعل التعليم والهجرة والاعلام وانفجار ثورة التطلعات نحو اوضاع افضل، ظهرت حالة من تفكك المجتمع السياسي الي احزاب متعصبة او جماعات متمردة او تكتلات قبلية ذات اطماع سياسية، وظهرت اثار ذلك في سيادة شعور بالتأزم السياسي بالبلاد. لذلك يتوجب أن يؤسس لقيام نظام دستوري جديد بمراجعات جديده للتعاهد الاجتماعي.  الامر الذي بات البعض يسميه (رتق النسيج الاجتماعي) ونحن هنا لا ندعو لرتق النسيج الاجتماعي فلا فائدة من استخدام هذه المقاربة التشبيهية في هذا المقام.  فالمجتمع ليس ثوباً عتيقا ً، ولكنه كيان عضوي . وكل كيان عضوي قادر علي التخلص من الخلايا القديمة الميته واحياء خلايا جديدة تمنحه القدرة علي البقاء والنمو. ولكن في الشأن الاجتماعي الانساني لا يحدث ذلك بصورة تلقائية كأية واقعة فيسيولوجية. ولكنه يتطلب عزماً وارادة فردية وجماعية  في آنٍ واحد.  واول المتطلبات لعهد اجتماعي جديد هو القدرة علي قراءة الواقع الماثل بقدر متنامِ من التجرد والموضوعية. بحيث يتمكن الجميع من البلوغ إلي تشخيص متوافق عليه للحالة الاجتماعية، مكامن قوتها وعناصر ضعفها. ولاشك ان ذلك يستلزم الحوار الصادق والموضوعي بين كل الفاعلين في المجتمع . وبخاصة النخبة الناشطة في الشأن العام والسياسيين علي وجه أخص. لذلك فأن الطريق للتحولات الدستورية والسياسية يجب ان يمر اولاً علي منتديات الحوار حول اوضاع البلاد الاجتماعية والثقافية ، ولابد للحوار أن يبدأ من مربع المسكوت عنه ليبلغ بنا الي الاقرار بما يثير التوجس والشكوك بين الجماعات الاهلية والسياسية والحزبية بحيث يقع التوافق علي ما يلزم لازالة اسباب المباعدة والمجانبة . فلا يمكن للحياة السياسية فى مجتمع سياسي مالك لأمره ان تقوم دون تأليف العقول والقلوب علي مرادات ومقاصد يراها كل الفرقاء مكسباً يستحق جهد المسعي اليه.
          ولذلك فقضايا كثيرة لا بد ان تكون حاضرة للمداولة وعلي راسها قضايا الجهوية والقبلية والعنصرية وقضايا التمييز علي اساس الجنس وهرم  وشيخوخة النظام السياسي وضعف دور الاجيال الجديدة في اغنائه بالطاقات والافكار الجديدة . وقضايا التعليم ودوره في التنشئة     الوطنية والنهضة الاقتصادية . وقضايا التقاسم العادل للموارد لا عبر الفدرالية الاقتصادية فحسب بل وعلي اساس رأسى اجتماعى يحول دون التغير السريع للمجتمع السوداني الي مجتمع رأس مالي.
الميثاق السياسي الجديد
          وبناء علي معطيات ذلك الحوار الكثيف والعميق يمكن التوصل للصيغ الدستورية الاكثر مناسبة للوقت وللمحل. ويمثل القسم الاول من الحوار التوطئة للخلاصات التي سوف تبني عليها الخيارات الدستورية والأطر السياسية الملائمة لوضع البلاد علي عتبة تطور جديد سريع ومتنام او ببعض لغة الاستراتيجية القومية متوحد متطور ومتقدم. وللوصول الي ذلك المقام لابد من الكثير من التجرد وانكار التحيزات والاطماع الذاتية.وقديستعسر البعض ذلك بيد اني اراه بالامكان . ويمكن للمؤتمر الوطني ان يقود تلك المبادرة بقليل من مفارقة الحذر وبكثير من التحلي بالثقة بالذات. والمؤتمر الوطني خرج من الانتخابات برصيد مقدر. وينبغي أن ندرك ان جزءاً مقدراً من ذلك الرصيد المقدر كان مسبباً بحالة الالتباس والارتباك التي اصابت الاحزاب والقوي السياسية . التي كان لديها بعض الفرص لمنافسة المؤتمر الوطني.و لا ننكر ان جزءاً مقدراً منه كان نتاجاً لكسب المؤتمر الوطني السياسي وبعض انجازاته علي مستوي الاداء التنفيذي. وفي اعتقادي ان المؤتمر الوطني يمكن ان يقود الحوار في النظم الدستورية من خلال طرح جملة من الافكار علي صعيد الفكر الاجتماعي. فلابد من الاعتراف انه ورغم انفصال الجنوب فان الصفة الملازمة للمجتمع السوداني هي تنوعه العرقي وتباعده الجهوي واختلاف اعرافه الاجتماعية والثقافية وضعف الانتماء فيه لهوية وطنية واضحة المعالم. ومثلما يصح ذلك  فان حضور الفكرة الاسلامية في المجتمع السوداني حضور قوي ومتميز مقارناً ببلدان اخري كثيرة حولنا . وهنالك تسليم شعبي واسع بأهمية تأسيس المجتمع السياسي علي امتثال للشريعة الاسلامية. بيد ان طرح الامتثال للشريعة الاسلامية ينبغي ان يرتبط بالتزام محدد وصريح وقوي بالالتزام بمجتمع سياسي مدني . لا تؤسس فيه الحقوق والواجبات علي الانتماء الديني والمذهبي او العرقي او الجنسي او الجهوي وانما تؤسس علي المواطنة . وعلي القاعدة النبوية الرائعة الساطعة "لهم ما لنا وعليهم ما علينا" . فالناس في الحقوق والواجبات سواسية كأسنان المشط. ولا يجب ان يؤسس الدستور لأي شكل من اشكال التمييز علي اساس الدين او المذهب او اللون او الجنس او العرق او الجهة الجغرافية. وهنا يتوجب ان يفهم من اخطأه الفهم ان هنالك فرقاً هائلاً بين العلمانية التي هي ايدولوجيا تقوم علي فكرة التمييز ضد الدين واقصاء الدين ومنعه من ان يكون مؤثراً في الشأن العام وبين الدولة المدنية. فالكيان السياسي يمكن ان يكون مدنياً واسلامياً في آن واحد. لأن مدنية الدولة تقوم علي ارادة المواطنين الجماعية . وعلي احترام  المبدأ الذي يقضي في الامور برأي الأغلبية ولكن دون إفتيئات علي حقوق الاقلية . فالدولة المدنية هي دولة المواطنين لا دولة العشائر ولا المذاهب. والمؤتمر الوطني مدعو لان يدعو لذلك بصورة واضحة لا لبس فيها. كذلك يتوجب علي المؤتمر الوطني ان يدرك الفروق بين تطور المجتمع الذكوري ومجتمع النساء في السودان فلا تزال تلك المفارقة الظالمة قائمة . ولا يزال المجتمع محتقناً بكثير من صور التمييز ضد النساء. ولابد للموتمر الوطني ان يكون رأئداً في طرح قضايا تمكين المرأة. وكذلك قضايا تمكين الشباب فلايزال المجتمع لا يفسح فرصاً واسعة في القيادة للشباب ويتفاقم ذلك في الأطر السياسية بصورة أحالت المشهد السياسي في السودان الي صورة المشهد السياسي السوفياتى.
إقتصاد السوق لا الرأسمالية:
          من ناحية اخري وبسبب تبني الدولة لفكرة اقتصاد السوق وهي فكرة اثبتت نجاعتها وملاءمتها لاصول الفكر الاقتصادي الاسلامي إلا ان طرح الفكرة جاء بصورة جزئية لا تضع التحوطات دون انزلاق المجتمع الي ان يكون المال دولة بين الاغنياء في دولة رأسمالية قاسية. ولذلك لابد من مراجعات دقيقة وعميقة للافكار الاقتصادية المقارنة لفكرة اقتصاد السوق بحيث لاتغفل الدولة عن دورها التخطيطي للاقتصاد الكلي بحيث يتحرك في إطار استراتيجية تسعي لتوسيع دائرة التشغيل في الاقتصاد. كما تتدخل بالمشروعات وبالسياسات لتمكين الطبقات الاضعف من العيش الكريم. أن الاندفاع في سياسة التحرير الاقتصادي دون الاحتفاظ بادوات فاعلة في يد الدولة للتدخل لصالح الفئات الاضعف أمر يحتاج الي مراجعة. كذلك فلا يجب السماح بموت القطاع الاهلي التعاوني دون بذل المساعي لتفعيله وتوسيع أطره ودفعه باعمال التمييز الايجابي لصالحه. كذلك يتوجب علي الدوله ان تعمل من خلال السياسات  ذات الوجوه العملية الي تشجيع الاعمال التي تأخذ صورة الشركات العامة التي يساهم فيها الجمع الغفير من المستثمرين الوطنيين . دون أن يكون ذلك علي حساب جذب روؤس الاموال من الاستثمار الاجنبي . فليس هنالك موضع تناقض بين هذا وذاك. فشركات المساهمة العامة تدخل قطاعا واسعاً من الطبقة المتوسطة الى دائرة الاعمال المربحة. وتؤدي بذلك الي توسيع الطبقة المتوسطة والحوؤل دون تكدس المال في اعلي الهرم الاقتصادي.

نواصل،،،

الطريق للجمهورية الثانية 2-2


      تحدثنا في المقال السابق عن الحوار الاجتماعي والثقافي ودوره في تهيئة المناخ لحوار سياسي يجئ سابقا للترتيبات الدستورية التي سوف تنظم المرحلة السياسية المقبلة للخروج من حالة الشعور بالتأزم السياسي التي تعتري الساحة السياسية السودانية والناجمة عن ازدحام التحولات الفكرية والشعورية التي تعتري ابناء الوطن وعجز الهياكل السياسية والفكر السياسي السائد عن فتح المسارات الملائمة للافكار الجديدة والاتجاهات الجديدة لتقود الوطن نحو تدبير سياسي جديد للاوضاع السياسية.
الاحتباس السياسي...لماذا؟
حالة الاحتباس الراهنة مرجعها الي انقسام في النخبة السياسية الي فرقتين الاولي والاكبر يعتمل في اوساطها حراك كبير وتمور بالافكار والمبادرات، ولكنها لا تجد لتلك منفذاً الي الفاعليات التي تقضي الأمور بواسطتها وعبر مواردها وآلياتها. ومجموعة أخري اصغر حجماً تمثل الناشطين في الاحزاب السياسية القديمة والجديدة. وهي التي تنسب اليها الافعال والتصرفات في الساحة السياسية. وباياديها يصاغ المشهد السياسي في تجلياته السياسية والتنفيذية. ولكن هذه المجموعة الاخري نفسها تعاني حالة الانقسام المتتالي فما ان يخفت الحديث عن انقسام في هذه الجماعة السياسية الا ويتعالي الحديث مره اخري عن انقسام جديد في ذات الجماعة او في جماعة سياسية اخري. وهذه الانقسامات لا تتولد عن افكار جديدةأو تولد مواقف جديدة، بل هي اقرب الي الالغام القديمة المنسية التي تنفجر في وجوه الناس علي حين غرة. وكأنها القدر المحتوم الذي ما منه فرار. وأهم اسباب هذه الحالة هي شيخوخة الوضع السياسي وضعف مناعته الناجمة عن الهرم والوهن. فالاحزاب السياسية التقليدية لا تزال تتغذي بالفكر الذي ظلت تستهلكه منذ الخمسينيات الا من بعض العبارات المصنوعة او الصياغات الطريفه. ولكنه يبقي كما هو لان دهافنته مصابون برهاب التغيير. ولأن زعماؤه هم ذات الزعماء ، من كان رئيساً للوزراء قبل ما يداني نصف قرن من الزمان يريد ان يعيد عجلة التاريخ كما كانت. ليمتطى سدة القيادة من جديد. ومن كان الآمر والناهي للوزراء وللوجهاء يريد أن يستديم مقعد الامرة والنفوذ. وليس شأن الاحزاب التي تسمي جديده بافضل من شأن تلك التي الموسومة تقليدية. فلا يزال قادتها والناطقون بفكرها وبأسمها هم ذات الاسماء وذات الاشخاص. وأخر مطالعاتهم في مراجع الفكر وقواميس اللغة السياسية هي مراجع ستينيات القرن الماضي. وكيف يمكن ان تتولد الافكار الجديدة والقيادات الجديدة من وضع عجوز عقيم. ولئن قيل قديماً آفة الاخبار رواتها فآفة السياسة في بلادنا زعماؤها. ولكنهم لا يشعرون. فهم الذين يكتمون انفاس الساحة السياسية. وهم الذين يعيدون انتاج الأزمة مرة بعد الاخري. ولذلك فلئن كانت الساحات والطرقات قد أمتلأت بالشباب اليافع ينادي الرؤساء الشيوخ أن أرحلوا، فلابد لمجامع الاحزاب ودورها ان تشهد تلك الصحوة الشبابية ليقول شباب الاحزاب والقوي السياسية لشيوخها ان ارحلوا مشكورين غير مأزورين.
التجديد السياسي مطلوب الساعة :
أن الاوضاع السياسية لن تتغير نحو الافضل إلا بتجديد الافكار وتوليد القيادات. ولن يحدث ذلك الا بالطريقة العضوية التي تتجدد بها الخلايا وتنمو بها الاجسام. إلا وهي ازاحة الواهي والواهن واستبدالة بالفتي العتي. وهذا الدرس وعته احزاب كثيرة في ارجاء مختلفة من العالم. فدولة الصين العظمي بمساحتها وسكانها ومواردها فهمت الدرس السوفياتي. ولذلك وضعت نظاماً راتباً لتنحي الكبار للصغار عبر متوالية للقيادة، تدور حتي تبلغ منتهاها ليترجل الزعيم لمن يأتي من بعده، فلا يشيخ النظام بشيخوخه الزعماء، واثيوبيا التي تضع كتفها الأيمن علي كتف السودان الأيسر فعلت مثل ذلك، فتنحي جيل الثورة لجيل أحسن الثوار اعداده لادارة الدولة لئلا لا تشيخ الثورة ولا يتعطل دولاب الدولة المتسارعة حركته الي الامام. بيد ان تجديد الاشخاص وحده لايكفي. فلابد من تجديد الافكار. ولن يصبح تجديد الافكار بالمتناول ما لم تهيئ الظروف للتداول الحر للاراء والتبادل الثر للافكار. والاجابة لمن يشتكي من ضعف الحركة الفكرية في ساحاتنا السياسية عليه ان يعلم أن العلة وراء ذلك هو حالة المقاومة السلبية للاراء المغايرة والافكار المخالفة، وحالة الممانعة للنقد والمراجعة. فاذا تغيرت تلك الحالة ونشطت المساجلات والمناظرات نشطت حركة المطالعة والمثاقفه، ثم ما تلبث ان تتمظهر في رؤي جديدة ترفد السياسات والتشريعات والقرارات بالنجاعة والفاعلية، والدفع التقدمي الذي يأبي الركون الي المسلمات او يخشى مواجهة التحديات.
دستور جديد لمرحلة جديدة :
أول سمات الدستور الجديد هو فتح الابواب والنوافذ. وتسهيل الولوج والدخول الي النظام السياسي. بحيث يتزايد عدد الناشطين في التشكيلات السياسية والاجهزة التنفيذية الممارسة للسلطة. وقد يقتضي ذلك مراجعة النظام الفيدرالي. ليس لاستحداث مستوي جديد، يطالب به دعاة تركيز السلطة من افراد النخبة الطامعه، الذين يدعون لانشاء اقاليم من فوق الولايات. بل المطلوب هو توسيع قاعدة هرم السلطة. وذلك من خلال اعتماد المستوي المحلي باعتباره مستوي دستوري من مستويات السلطة. بحيث تقسم السلطات الممنوحه للولايات بينها والمحليات التابعة لها، مع تحديد عدد المحليات، كما ان عدد الولايات محدد بالدستور وليس هذا الترتيب بدعة في الدساتير. فالدستور السويسري  يعطي السلطات الممنوحة للكميون أكبر من السلطات الممنوحة "للكانتون" الولاية. وتزيد السلطات الممنوحة للولاية علي تلك الممنوحة للمستوي المركزي حتي تقتصر سلطات الاخير علي التخطيط والتنسيق والدفاع والعلاقات الخارجية والسلطات المتداخلة بين الولايات (interstate powers). وهذا الترتيب هو التحقيق الامثل للديمقراطية القاعدية. بحيث يتسع الي مدي بعيد عدد المشاركين في العملية السياسية علي المستوي القاعدي. وكذلك يتسع عدد الممسكين بسلطة القرار علي المستوي المحلي. ولا تكون سلطتهم شكلية بل سلطة حقيقية محمية بالدستور. ومدعومة من خلال ترتيب لقسمة الموارد بين المستوي الولائي والمستوي المحلي، وهذا الترتيب يجبر الاحزاب السياسية للاهتمام بالمستوي القاعدي من نشاطها، ذلك ان الاحزاب تنجذب الي حيث تكون السلطة كما ينجذب بعض آكلات اللحوم الي عظمتها. وهذا يعني ان كل قرار يكون موضع انفاذه هو المحلية يتوجب ان يكون مكان اصداره هو المحلية نفسها. وبذلك تمتلك القواعد قرارها وتتحمل مسئولياتها. مما يتيح تنافساً علي النهضة والنمو المتسارع بين المحليات. اما الولايات فيتوجب ان تعطي اهتماماً اكبر لقضايا التنمية الاقتصادية والبشرية. وبخاصة التعليم والتدريب والتشغيل والتوسع في التنمية الزراعية والصناعية. وفتح افاق الاعمال والتجارة الداخلية بين الولايات، والتجارة الخارجية للتصدير بينما تولي الحكومة المركزية اهتمامها للتخطيط الكلي للاقتصاد ولترسيخ البنيات التحتية ولادارة الاقتصاد القومي وللتخطيط للتعليم واعداد الكوادر البشرية. ولاعمار علاقات السودان الخارجية والاضطلاع باعمال السيادة كاملة غير منقوصة.
النظام الرئاسي الجديد :
من ناحية اخري فلابد من مراجعة تركيبة السلطة علي المستوي القومي. بحيث يتحقق الانفتاح وتتسع دائرة المشاركين في اتخاذ القرار. ويصار الي ترتيب جديد يوسع من فرص الرقابة علي القرار. والوضوح والشفافية قبل اعتماد السياسات وبعد اصدارها. وتعزيز قدرة المؤسسات الرقابية علي المساءلة وبناء منظومة كاملة لتعزيز النزاهة علي المستوي القومي. ولاشك ان في العالم تجارب يمكن الاستفادة منها في هذا الشان. فالنظام الرئاسي المعتمد في السودان الآن رغم ايجابياته في حماية الدولة من التقلبات كثيرة الحدوث في النظام البرلماني، والتي تحول دون استقرار الحكومات لاعداد سياساتها بله عن انفاذ تلك السياسات. فان من اكبر عيوبه هو تركيز السلطة في ايادي قليلة. وهي ايادي الرئيس وبعض الخاصة من مساعديه ومستشاريه. كذلك فان النقص الاكبر في هذا النظام الي جانب ما ذكر آنفاً هو تأخير مساءلة السلطة الي الموسم الانتخابي. فقدرة البرلمان علي مساءلة الحكومة تظل منقوصه الي مدي بعيد طالما لا يمكن للرئيس ان يمثل امام البرلمان. ولذلك ربما ان افضل الخيارات هو الأنموذج المتوسط بين النظامين الرئاسي والبرلماني (برلماسي) وذلك علي الطريقة الديجولية في الجمهورية الفرنسية الخامسة. التي قسمت السلطة بين رئيس ينتخبه الشعب ويكون مساءلاً امام الشعب، وبين رئيس وزراء او وزير اول يختاره الحزب صاحب الاغلبية او الاكثرية في البرلمان، ويكون مساءلاً في البرلمان. وتكون قسمة السلطة بحيث تصير الامورالتخطيطية والتنفيذية وادارة الاقتصاد من شان مجلس الوزراء بينما تكون ادارة العلاقات الخارجية وأمور الدفاع وأعمال السيادة من شأن رئيس الجمهورية. وبذلك تتسع فرص المساءلة فيما يلي شوؤن الناس عبر خضوع الحكومة للبرلمان. كما يتسع عدد المشاركين في اتخاذ القرار بتنشيط دور الاحزاب وجعل السلطة شركة بين الرئيس ومجلس الوزراء. بيد ان التوسيع لاتخاذ القرار لا يكفي. فلابد من المزيد وذلك من خلال بنود في الدستور تحدد صلاحيات الخدمة المدنية، بحيث توفر لها الحماية من التدخلات الحزبية التي لا تحقق المصلحة العامة بقدر تحقيقها لمصالح حزبية. فلابد من التمييز ولا اقول الفصل بين سلطات اشراف الوزير علي عمل الخدمة المدنية لانفاذ سياسته وبين سلطة الوكيل ومن دونه ممن هم في الخدمة المدنية التي مرجعها الي المكنة العلمية والخبرة الفنية. والحديث الكثير عن اصلاح الخدمة المدنية لابد له ان يتبع بالعمل لحماية الخدمة المدينة من تسخيرها للاغراض الحزبية او اتخاذها وسيلة في التنافس الحزبي.
النظام الانتخابي الجديد :
ولئن كانت الفكرة الرئيسة في هذا المقال هى تحقيق الانفتاح السياسي، فان مراجعة النظام الانتخابي هي واحدة من وسائل تحقيق ذلك. ويتحقق انفتاح النظام الانتخابي من خلال السماح للقوي السياسية الجديدة وللاجيال الجديدة بالولوج الي الساحة السياسية. با زالة الموانع التي لا تسمح بالمنافسة الحرة للنساء والشباب علي المستويات كافه، ولعل المزج بيم نظام القوائم ونظام الدائرة الانتخابية الجغرافية فكرة جيدة، ولكن يجب ادخال المزيد من الاصلاحات بحيث تكون نسبة 50% للقوائم ونسبة 50% للدوائر الجغرافية. وكذلك تخصيص 50% من القائمة للنساء وتخصيص 50% من القائمة العامة والنسوية للشباب دون الاربعين عاماً. وتقليل  النسبة المطلوبة لاعتماد القائمة الي 3% بدلاً من 5% وجعل التنافس علي القوائم في دائرة قومية واحده. والسماح بمشاركة المغتربين في الترشيح والاقتراع للقائمة. وبذلك يتحقق توسع كبير في المشاركة السياسية والحزبية. وتوسيع قاعدة المرشحين والمقترعين وفتح فرص جديدة اكثر اتساعاً للمراة والشباب بصورة أخص. اما علي مستوي الولايات فتكون القوائم علي مستوي دائرة ولائية واحدة. بينما لا ضرورة لاعمال نظام القوائم علي المستوي المحلي، فعلي ذلك المستوي من المهم تقليل دور الاحزاب وأثرها والتركيز علي دور الكوادر والقدرات لأن هذا المستوي خدمي يستحسن توفير الحماية له من التنافس الحزبي وتشجيع القوي السياسية علي التعاون علي خدمة الشعب عبر صيغ توافقية لا تنافسية.

أنتهي،،،

الطريق الي الجمهورية الثانية 1-2




     يشهد السودان بزوغ مرحلة جديدة من تاريخه السياسي. يأمل السودانيون ان تكون مدخلهم لفترة طويلة من الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي المضطرد. ولكي يتحقق ذلك فلابد ميثاق اجتماعى جديد يؤسس عليه نظام دستوري وسياسي جديد يفتح الطريق الي الجمهورية الثانية.
العهد الاجتماعي الجديد:
          لا تؤسس السياسة الا علي تفاهمات واعراف راسخة فى المجتمع تنبثق من التجربة الاجتماعية للشعب او من معتقداته الدينية وامتثالاته العرفيه . وقد شهد السودان فى العقود الاخيرة تهتكاً في النسيج الاجتماعي ونزاعات قبلية وتمردات عسكرية وسياسية .واصبحت كثير من الوشائج التي شكلت اللحمة بين الجماعات السياسية جزءاً من الماضي. اذ ضعفت الطائفية الدينية التي شكلت في الماضي الرابط الاساسي للاجتماع السياسي . وتفككت الايدولوجيا بوصفها الآصرة بين الجماعات السياسة المتعلمة. واضطربت الحالة الفكرية في البلاد بسبب المراجعات العميقة للفكر السياسي السائد . فإنتشار التعليم والهجرة ووسائل الاعلام الحديثة لم يجعل الجمع بين الفكرة الطائفية و اللبرالية السياسية ممكنا . فتقسمت الطائفةالي مجموعات متفرقة داخل الحزب الواحد او خارجه بفعل غزو الافكار الجديدة للحزب . وبفعل سعي البعض لتوظيف الراوابط القبلية والجهوية لتعزيز مكانتهم الحزبية . وبسبب النزاعات العشائرية داخل البيت الطائفي المتوسع بفعل النمو الديموغرافي. أما الاحزاب التي نشأت بالغزو الفكري الايدولوجي فتأثرت هي الاخري بأفول الابدولوجيا . بعد أن حلت محلها ما يسمي بالريل بولتيك اي براجماتية اليوم باليوم . وخضعت الافكار السائدة لمراجعات من قبل بعض النخب سواء كانت قومية او اشتراكية او اسلامية . بيد انه رغم تلك المراجعات المهمة فقد غاب الحوار الجدي بين الفرقاء . والذي كان يمكن له ان يؤسس لقواعد فكرية مشتركة للمجتمع السياسي. ومع بروز اثار التفتح والسيولة الاجتماعية بفعل التعليم والهجرة والاعلام وانفجار ثورة التطلعات نحو اوضاع افضل، ظهرت حالة من تفكك المجتمع السياسي الي احزاب متعصبة او جماعات متمردة او تكتلات قبلية ذات اطماع سياسية، وظهرت اثار ذلك في سيادة شعور بالتأزم السياسي بالبلاد. لذلك يتوجب أن يؤسس لقيام نظام دستوري جديد بمراجعات جديده للتعاهد الاجتماعي.  الامر الذي بات البعض يسميه (رتق النسيج الاجتماعي) ونحن هنا لا ندعو لرتق النسيج الاجتماعي فلا فائدة من استخدام هذه المقاربة التشبيهية في هذا المقام.  فالمجتمع ليس ثوباً عتيقا ً، ولكنه كيان عضوي . وكل كيان عضوي قادر علي التخلص من الخلايا القديمة الميته واحياء خلايا جديدة تمنحه القدرة علي البقاء والنمو. ولكن في الشأن الاجتماعي الانساني لا يحدث ذلك بصورة تلقائية كأية واقعة فيسيولوجية. ولكنه يتطلب عزماً وارادة فردية وجماعية  في آنٍ واحد.  واول المتطلبات لعهد اجتماعي جديد هو القدرة علي قراءة الواقع الماثل بقدر متنامِ من التجرد والموضوعية. بحيث يتمكن الجميع من البلوغ إلي تشخيص متوافق عليه للحالة الاجتماعية، مكامن قوتها وعناصر ضعفها. ولاشك ان ذلك يستلزم الحوار الصادق والموضوعي بين كل الفاعلين في المجتمع . وبخاصة النخبة الناشطة في الشأن العام والسياسيين علي وجه أخص. لذلك فأن الطريق للتحولات الدستورية والسياسية يجب ان يمر اولاً علي منتديات الحوار حول اوضاع البلاد الاجتماعية والثقافية ، ولابد للحوار أن يبدأ من مربع المسكوت عنه ليبلغ بنا الي الاقرار بما يثير التوجس والشكوك بين الجماعات الاهلية والسياسية والحزبية بحيث يقع التوافق علي ما يلزم لازالة اسباب المباعدة والمجانبة . فلا يمكن للحياة السياسية فى مجتمع سياسي مالك لأمره ان تقوم دون تأليف العقول والقلوب علي مرادات ومقاصد يراها كل الفرقاء مكسباً يستحق جهد المسعي اليه.
          ولذلك فقضايا كثيرة لا بد ان تكون حاضرة للمداولة وعلي راسها قضايا الجهوية والقبلية والعنصرية وقضايا التمييز علي اساس الجنس وهرم  وشيخوخة النظام السياسي وضعف دور الاجيال الجديدة في اغنائه بالطاقات والافكار الجديدة . وقضايا التعليم ودوره في التنشئة     الوطنية والنهضة الاقتصادية . وقضايا التقاسم العادل للموارد لا عبر الفدرالية الاقتصادية فحسب بل وعلي اساس رأسى اجتماعى يحول دون التغير السريع للمجتمع السوداني الي مجتمع رأس مالي.
الميثاق السياسي الجديد
          وبناء علي معطيات ذلك الحوار الكثيف والعميق يمكن التوصل للصيغ الدستورية الاكثر مناسبة للوقت وللمحل. ويمثل القسم الاول من الحوار التوطئة للخلاصات التي سوف تبني عليها الخيارات الدستورية والأطر السياسية الملائمة لوضع البلاد علي عتبة تطور جديد سريع ومتنام او ببعض لغة الاستراتيجية القومية متوحد متطور ومتقدم. وللوصول الي ذلك المقام لابد من الكثير من التجرد وانكار التحيزات والاطماع الذاتية.وقديستعسر البعض ذلك بيد اني اراه بالامكان . ويمكن للمؤتمر الوطني ان يقود تلك المبادرة بقليل من مفارقة الحذر وبكثير من التحلي بالثقة بالذات. والمؤتمر الوطني خرج من الانتخابات برصيد مقدر. وينبغي أن ندرك ان جزءاً مقدراً من ذلك الرصيد المقدر كان مسبباً بحالة الالتباس والارتباك التي اصابت الاحزاب والقوي السياسية . التي كان لديها بعض الفرص لمنافسة المؤتمر الوطني.و لا ننكر ان جزءاً مقدراً منه كان نتاجاً لكسب المؤتمر الوطني السياسي وبعض انجازاته علي مستوي الاداء التنفيذي. وفي اعتقادي ان المؤتمر الوطني يمكن ان يقود الحوار في النظم الدستورية من خلال طرح جملة من الافكار علي صعيد الفكر الاجتماعي. فلابد من الاعتراف انه ورغم انفصال الجنوب فان الصفة الملازمة للمجتمع السوداني هي تنوعه العرقي وتباعده الجهوي واختلاف اعرافه الاجتماعية والثقافية وضعف الانتماء فيه لهوية وطنية واضحة المعالم. ومثلما يصح ذلك  فان حضور الفكرة الاسلامية في المجتمع السوداني حضور قوي ومتميز مقارناً ببلدان اخري كثيرة حولنا . وهنالك تسليم شعبي واسع بأهمية تأسيس المجتمع السياسي علي امتثال للشريعة الاسلامية. بيد ان طرح الامتثال للشريعة الاسلامية ينبغي ان يرتبط بالتزام محدد وصريح وقوي بالالتزام بمجتمع سياسي مدني . لا تؤسس فيه الحقوق والواجبات علي الانتماء الديني والمذهبي او العرقي او الجنسي او الجهوي وانما تؤسس علي المواطنة . وعلي القاعدة النبوية الرائعة الساطعة "لهم ما لنا وعليهم ما علينا" . فالناس في الحقوق والواجبات سواسية كأسنان المشط. ولا يجب ان يؤسس الدستور لأي شكل من اشكال التمييز علي اساس الدين او المذهب او اللون او الجنس او العرق او الجهة الجغرافية. وهنا يتوجب ان يفهم من اخطأه الفهم ان هنالك فرقاً هائلاً بين العلمانية التي هي ايدولوجيا تقوم علي فكرة التمييز ضد الدين واقصاء الدين ومنعه من ان يكون مؤثراً في الشأن العام وبين الدولة المدنية. فالكيان السياسي يمكن ان يكون مدنياً واسلامياً في آن واحد. لأن مدنية الدولة تقوم علي ارادة المواطنين الجماعية . وعلي احترام  المبدأ الذي يقضي في الامور برأي الأغلبية ولكن دون إفتيئات علي حقوق الاقلية . فالدولة المدنية هي دولة المواطنين لا دولة العشائر ولا المذاهب. والمؤتمر الوطني مدعو لان يدعو لذلك بصورة واضحة لا لبس فيها. كذلك يتوجب علي المؤتمر الوطني ان يدرك الفروق بين تطور المجتمع الذكوري ومجتمع النساء في السودان فلا تزال تلك المفارقة الظالمة قائمة . ولا يزال المجتمع محتقناً بكثير من صور التمييز ضد النساء. ولابد للموتمر الوطني ان يكون رأئداً في طرح قضايا تمكين المرأة. وكذلك قضايا تمكين الشباب فلايزال المجتمع لا يفسح فرصاً واسعة في القيادة للشباب ويتفاقم ذلك في الأطر السياسية بصورة أحالت المشهد السياسي في السودان الي صورة المشهد السياسي السوفياتى.
إقتصاد السوق لا الرأسمالية:
          من ناحية اخري وبسبب تبني الدولة لفكرة اقتصاد السوق وهي فكرة اثبتت نجاعتها وملاءمتها لاصول الفكر الاقتصادي الاسلامي إلا ان طرح الفكرة جاء بصورة جزئية لا تضع التحوطات دون انزلاق المجتمع الي ان يكون المال دولة بين الاغنياء في دولة رأسمالية قاسية. ولذلك لابد من مراجعات دقيقة وعميقة للافكار الاقتصادية المقارنة لفكرة اقتصاد السوق بحيث لاتغفل الدولة عن دورها التخطيطي للاقتصاد الكلي بحيث يتحرك في إطار استراتيجية تسعي لتوسيع دائرة التشغيل في الاقتصاد. كما تتدخل بالمشروعات وبالسياسات لتمكين الطبقات الاضعف من العيش الكريم. أن الاندفاع في سياسة التحرير الاقتصادي دون الاحتفاظ بادوات فاعلة في يد الدولة للتدخل لصالح الفئات الاضعف أمر يحتاج الي مراجعة. كذلك فلا يجب السماح بموت القطاع الاهلي التعاوني دون بذل المساعي لتفعيله وتوسيع أطره ودفعه باعمال التمييز الايجابي لصالحه. كذلك يتوجب علي الدوله ان تعمل من خلال السياسات  ذات الوجوه العملية الي تشجيع الاعمال التي تأخذ صورة الشركات العامة التي يساهم فيها الجمع الغفير من المستثمرين الوطنيين . دون أن يكون ذلك علي حساب جذب روؤس الاموال من الاستثمار الاجنبي . فليس هنالك موضع تناقض بين هذا وذاك. فشركات المساهمة العامة تدخل قطاعا واسعاً من الطبقة المتوسطة الى دائرة الاعمال المربحة. وتؤدي بذلك الي توسيع الطبقة المتوسطة والحوؤل دون تكدس المال في اعلي الهرم الاقتصادي.

نواصل،،،

ثورة المصريين ... الدروس المستفادة 2-2


المعادلة الخالدة:
      أشرنا في مقال سابق الي بعض الدروس التي يمكن ان يفاد بها اهل الحكم في السودان من يوميات ووقائع ثورة المصريين التي لا تزال معقباتها تتالي امام الناظرين.  وتحدثنا في ذلك السياق ان الإرادة الشعبية هي التي تقرر مصائر الدول مهما تطاول الزمن حتي يحسب بعض الناس انها لا تفعل. وأن النفوذ الخارجي وما يحدثه من أثار علي الوضع الداخلي بتدخلاته يتناسب أثرة عكسياً مع فاعلية الارادة الشعبية. لذلك كله تحدثنا عن أهمية توثيق الاواصر بالناس العاديين وتحقيق الاتتصال المباشر معهم ولكي لا نعيد ما خطه القلم من قبل نلخص الي ان العلاقة بين الحاكم والمحكوم محكومة هي الاخري بالمعادلة الخالدة (الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون) (سورة الانعام 82) فالظلم مثلما يذهب حالة الأمن من المظلوم يذهب حالة الأمن من الظالم ولو توهم غير ذلك. لذلك فأن أفضل بوليصة تأمين لكل حاكم هي تجنب الظلم الظاهر والظلم الباطن. وللظلم ظاهر وباطن مثلما للاثم ظاهر وباطن.فالاثم والظلم مترادفتان " وذروا ظاهر الأثم وباطنة أن الذين يكسبون الأثم سيجزون بما كانوا يقترفون"(سورة الانعام 120) فالذين يقترفون الظلم ظاهره وباطنه سيجزون بما كانوا يكسبون. فاما الظلم الظاهر فمعلوم والحاكم الصالح لا يخشي عليه من الظلم الظاهر . وإن كان ليس لإحد ان يامن لنفسه ابدا. ولكن ما يخشي علي الحاكم الصالح هو الظلم الباطن . وهو الظلم الخفي واحدى انواعه النظر دائماً بعين الرضا الى من يوالي والنظر بعين السخط دائماً لمن يناؤي وقديماً قيل
فعين الرضا عن كل عيب كليلة             ولكن عين السخط تبدي المساويا
فويل للحاكم ان كان لا يراجع نفسه مراراً وتكراراً في الشأن يعلم اتصاله بمن يرضي عنهم من افراد او جماعات او أهل او حاشية قبل أن يقضي فيه . ليعلم انه لا يقضي بذلك القضاء إلا طلباً للمصلحة واحتساباً للأجر. وكذلك الأمر في الشأن الذي يتصل بمصلحة من يناؤي لكي يعلم انما يقضي في الأمر لتحقيق المصلحة لا للتشفي والنكاية. فغض البصر عن ما يحترج الاولياء باب للظلم يتسلل منه شر كبير . وكذلك فان تتبع الخصوم للنيل منهم بخطأ او شبهة خطأ باب من ابواب الظلم الباطن كبير. وينجم عن ذلك تنزيه المقربين وتجريم المخاصمين . ولا يفتح ابواب الفساد مشرعة مثل تنزيه المقربين. لانهم من يستظلون بظل الحاكم ويحتمون بحماه. ولاشك أن المقربين مثل سائر الناس فيهم التزيه وفيهم المجروح الذمة، وكذلك الشأن في الخصوم. لذلك توجب أن تبني منظومة تعزيز النزاهة بحيث لا تفرق بين القريب الداني أو البعيد الشأنئ.  فيتوجب أن تكون مكفوفة البصر لا تري إلا الجرم المشهود من القريب أو البعيد سواء بسواء.
أستبداد الاعوان:
          ولئن كنا ننظر في حال رؤسائنا فيسرنا انه يصعب علي غير المكابر أن يعدهم من أهل الاستبداد . فأن القول بنفي الاستبداد جملة واحدة عن الفئة الحاكمة يعتبرُ مجازفة بلا مستند. . لأنه يصعب تصور حكومة بغير طبقات من الحاكمين والمحكومين . وكل صاحب سلطان في الدولة انما يحكم بتفويض من صاحب التفويض الشعبي، فسلطتة فرع من اصل، ويتوجب علي صاحب السلطة الأول البراءة من الظلم والاستبداد في نفسه خاصة والبراءة من ظلم اعوانه ووكلائه. ولاتكاد توجد حكومة تبرأ من الظلم والاستبداد كما يبرأ الثوب الابيض من الدنس. وأنما تكون البراءة بالمتابعة للاعوان والمحاسبة الصارمة لهم. وتيسير سبل الشكوي من افعالهم وتصرفاتهم. فاذا غفل الحاكم عن عماله علي شعبه وسد طرق التشكي منهم فقد أتي باباً من ابوبا الظلم الباطن عظيم و ان كان ورعاً تقياً. وفي مجريات الاحداث في مصر رأينا كيف أن كلاب السلطان بعلم منه او بغير علم، يأكل بعضهم اموال الناس بالباطل، ويضرب بعضهم ابشار الناس بالباطل ويأخذ بعضهم ارواح الناس بغير الحق قل ذلك ام كثر . ولذلك فان المستبرئ لدينه هو من يحتاط لذلك باكثر من سبيل. فيأخذ علي ايدي الظالمين والمستبدين إن علم ويبرأ الي الله مما لم يعلم. او علم ولم يستطع له تبديلا مثلما قال الرسول صلي الله عليه وسلم "اللهم أني أبرأ إليك مما فعل خالد".
ويدخل في ذلك الباب إطلاق ايدي اعوان الشرطة والأمن ليتجاوزوا حدود حفظ الأمن والنظام الي التشفي والانتقام. وقد رأينا كيف ادي ذلك الي مجانبة كبري بين الناس العاديين في مصر وبين رجال الأمن والشرطة. نجم ذلك ليس لوحشية قارة في نفوس الاخرين ولكن لسؤ الدربة والتعبئة وفساد العقيدة المهنية. ونحن في السودان يتوجب علينا مراجعة العقيدة المهنية لرجال الأمن والشرطة لنطمئن أنها تقوم علي معاني الاخوة الوطنية للموالي والمناوئ علي حد سواء. وان واجب هذه الاجهزة هو صيانة املاك وارواح المواطنيين لا الاجهاز عليها. وليس ذلك الامر بالامر الهين فرجال الأمن والشرطة يواجهون اوقاتاً صعبة في ظروف توتر عظيم، لذلك ما لم يوالوا بالتدريب المستمر والتذكير الدائم المنتهض علي عقيدة مهنية اساسها تقديس الحياة وتحريم التجاوز والعدوان، فأن العاقبة لن تكون محمودة لأي طرف من الاطراف.
العدل الظاهر والعدل الخفي:
          ومثلما للظلم ظاهر وباطن فان للعدل ظاهر وباطن فما يظهر للناس من إعطاء كل ذي حق حقه . والتسوية بين الناس في العطاء والمنع بحسب قواعد مرعية من الشرع او العرف . فهنالك عدل يختبئ وراء سياسات عامه مرامها ان تدفع عن الناس ظلماً او تدرأ مفسدة او تصنع خيراً او تجلب منفعة. وقد لا يدرك كثير من الناس الخير الذي يجلب بتبني سياسات و الامتناع عن سياسةاخري. واشتراع السياسات أو القوانيين انما ينبني علي جلب المنفعة العامة من خلال الاستفادة من الفرص السانحة او الموارد المادية او البشرية . وكذلك علي دفع الضرر المتوقع من مهددات او جوائح ماثلة او متوقعة. والحكومة الرشيدة هي التي تحسن قراءة الوقائع وتستقرئ المآلات والعواقب. وتحسن وضع الاولويات والاسبقيات.  ثم تكون من بعد ذلك قادرة علي التكيف السريع مع المتغيرات والمستجدات. ولا يجب تكون رعاية المصالح وتنمية الموارد والقدرات تبعاً لأفكار أيدولوجية بقطع النظر عن ما يعاني منه الناس او ما يتوقون لتحصيله، بل يتوجب ان تتكيف الافكار وتتحور لتلائم آمال الناس وآلآمهم. والدولة التي يعاني شبابها مثلما يعاني شباب مصر من البطالة والعطالة لا يجب ان تكون اولويتها غير المشروعات التي تستوعب القدر الاكبر من طاقات أولئك الشباب.  لان تلك الطاقات ان لم تستعمل في الاعمال النافعة فانها سوف تستعمل فيما يهدم المقدرات الوطنية مادية كانت ام بشرية. وفي السودان اليوم حراك نشط في مجال التنمية بهدف تعزيز البنيات التحتية وبناء القدرات البشرية . ولكن هذا الاندفاع نحو التنمية وبناء القدرات البشرية ينبغي أن يهتدي باولويات في توظيف الموارد لرفع العناء عن الناس . وتوفير وسائل كسب العيش بانماطها المتعددة من خلال خطة للتنمية تدور حول "مفهوم استغلال الطاقات لمكافحة الفقر" وللأمم غير السودان تجارب ناجحة في هذا المجال، يمكننا ان نهتدي بها. وللامم تجارب فاشلة يتوجب علينا ان نعتبر بها. ولكن اول ما يجب ان نهتدي إليه أن ترسيخ الأمن والاستقرار هو التوطئة التي لا تمهيد سواها لطريق النماء والتقدم . ولن يتحقق ذلك إلا بالتنائي عن التطرف في الخصومة والتشدد في الطلب. ولن يتحقق ذلك إلا بسماحة النفس واريحية الكف وحسن الظن بالناس فذلكم السبيل، ذالكم السبيل!!
انتهى

ثورة الشعب المصري .. الدروس المستفادة 1-2


      لا شك أن الثورة العظيمة للشعب المصري هي أكبر حجر أُلقيّ في بحيرة الركود والإحباط السياسي في العالم العربي.  ومما لا شك فيه أيضاً أن أمواجها المنداحة سوف تطال الكثير من المؤسسات والأشخاص . والكثير من الأمور المعتادة على جبهات عديدة داخل مصر،  وسوف تمتد تلك الآثار بصورة مختلفة ومستويات متعددة للجوار الإقليمي العربي. بيد أنه من الكسل الفكري المسارعة إلى التوصل إلى استنتاجات في الوقت  الراهن حول مجريات هذا التغيير واتجاهاته داخل مصر أو في جوارها العربي.  فالمحللون  في الفضائيات أو على صفحات الصحف أو من السياسيين المعارضين الذين يسارعون إلى افتراضات متسرعة لا يستحقون وسام الرصانة العلمية. وبخاصة أولئك الذين يرشحون هذا البلد أو البلد الآخر لكي تنتقل له عدوى الثورة ،  وكأن الثورة فيروس سارس أو أنفلونزا الخنازير.  فالثورة فعل سياسي يحدث ضمن مشروطيات وقد تتغير صورها،  ولكن جوهرها لا يتغير.  ولذلك فإن دراسة وقائع الثورة المصرية لتحديد أوجه الشبه والمخالفة بين واقعها السياسي والاجتماعي والاقتصادي وواقع البلاد المرشحة لانتقال الانفعالات والأفعال الثورية إليها أمر واجب.  وفي كل الأحوال فلا شك أن هنالك أوجه تشابه كثير في الوقائع السياسية والاجتماعية والاقتصادية بين البلدان العربية وبين مصر على تفاوت قد يكون مؤثراً بدرجة تجعل محاولات القياس على الحالة المصرية ضرباً من المجازفة التحليلية أو ربما يضيق البون بحيث تتشابه الأوضاع والظروف الواقعية والنفسية التي تشكل محضناً مناسباً للثورة .  بيد أن تواتر تلك الشروط لوحده لا يكفي لإشعال الثورة . فلابد من حدث استثنائي يقدح زناد الغضب ولابد من تصرفات من السلطة الحاكمة أو قيادة الثورة الشعبية تهيئ فرصة مناسبة لشرارة الثورة أن تبلغ وقودها ليتسارع انتشارها حتى تخرج عن سيطرة الساعين لإخمادها من داخل البلد أو من خارجه .
الأحوال المتشابهة في العالم العربي:
      على الرغم مما سبق ذكره فإن المناخ العام في العالم العربي يبدو مهيأ لتحولات كبرى قد يصعب التنبؤ بمآلاتها إن كانت سوف تنتهي  إلى أنظمة ديمقراطية تعلو فيها الإرادة الشعبية أو أنها سوف تنزلق إلى فوضى عارمة يود الناس من بعدها لو عادوا سيرتهم الأولى على وبالها .  ولا شك أن استبعاد أحد الاحتمالين لن يعتمد إلا على توفر روح التفاؤل أو غلبة روح التشاؤم عند مستقرئ الأحوال ومحلل الأوضاع .  ولكن المرء لا يحتاج إلى جهد للتوصل إلى الاستنتاج ،  أن السيل قد بلغ الزُبى في غالب البلدان العربية، وأن التغيير آت إما بمبادرات الصفوة الحاكمة أو الصفوة السياسية ، أو الحركة الشعبية المنظمة أو العفوية ،  فالوضع السياسي في غالب الدول العربية الأعظم يعاني من حالة الاحتباس والالتباس.  وعدد قليل جداً من هذه الأقطار ما يمكن أن توصف الحالة السياسية فيها بأنها ذات صلة بشكل من أشكال الديمقراطية . بحيث يمكن وصف الحكومة بأنها جاءت نتاجاً لاقتراع شعبي . ربما باستثناء عدد قليل من الحالات تشمل (موريتانيا – العراق – السودان – لبنان) حيث بدأ التنافس السياسي للعيان على الرغم من تحفظات عديدة تحدثت بها أوساط محلية أو دولية نجمت عن سلوك الفئة الحاكمة أو الفئة المعارضة.  وهذه الأوضاع نجمت عن ضعف الثقافة السياسية الديمقراطية لدى القطاعات الأوسع من الشعب أو النخبة السياسية .  وقديماً قيل فاقد الشيء لا يعطيه فلئن كانت غالب المجموعات السياسية في العالم العربي تفتقد أو تفتقر إلى صفات القدرة على سماع الصوت الآخر أو الإفساح له داخل تنظيماتها وأحزابها السياسية فمن الصعب التصور أنها سوف تستمع له عندما تتسنم سدة الحكم . ولذلك فلابد لنا أن ندرك ان التغيير السياسي ما لم يرى أثره على مستوى السياسة الجزئية Micro Politics  فلن يرى أثره على مستوى السياسة الكلية Macro Politics .
          أما الأوضاع الاقتصادية فتتفاوت في العالم العربي وتتفاوت معها الأوضاع الاجتماعية سواء اتصلت بالمستوى المعيشي أو التنوع العرقي والثقافي والديني أو المذهبي  . وفي كل الأحوال فإن التفاوت الاقتصادي والتنوع الإجتماعي والثقافي ، لا يرى معاملاً داعماً للاستقرار في العالم العربي بقدر ما يرى مهدداً للوحدة الوطنية والاستقرار السياسي ومضيعاً لفرص النماء والتقدم الاقتصادي.
الأوضاع في السودان
السودان جزء من العالم العربي كما هو جزء من أفريقيا ،  ولكن تأثر السودان بمجريات المتغيرات في العالم العربي أكبر بكثير من تأثره بالتحولات في أفريقيا جنوب الصحراء.  والسودان على وجه الخصوص أكثر البلدان تأثراً بتغير الأحوال والأوضاع السياسية في مصر.  وقد ظلت التحولات الكبرى في مصر تلقي بآثارها على السودان على مدى القرون والعقود والسنوات .  والحديث عن علاقة ذات خصوصية بين مصر والسودان ليس حديث  مجاملات دبلوماسية بقدر ما يقرر واقعاً ملموساً للشعب في مصر وفي السودان .  وقد تأثرت أوضاعنا السياسية وثقافتنا السياسية وأحزابنا وصفوتنا السياسية إلى مدى بعيد بما جرى في مصر في العهود الماضية وليس من الحكمة الإفتراض الآن أن ما يجري في راهن مصر السياسي لن تكون له آثاره الملموسة في تحولات الواقع السياسي في السودان .
          لذلك يتوجب على المتأملين والمحللين للواقع السياسي في السودان أحواله ومآلاته أن يتفهموا الدروس المستفادة من وقائع ثورة الشعب المصري ومصائرها في الأشهر أو ربما السنوات القليلة القادمة.  وأول من تجب عليه الاستفادة من الخبرة والتدبر في العبرة هي الفئة الحاكمة . ولعل أول الدروس من وقائع الثورة المصرية هي أنه مهما ما بدا من تأثير النفوذ الأجنبي في الأوضاع الداخلية لبلد من البلدان فإن هذا الأثر الخارجي سواءً كان داعماً أو مناهضاً فإن تأثيره في ضمان الاستقرار السياسي للحكم أو خلخلة قواعده يظل محدوداً . بل قد يؤدي إلى أثر معاكس لاتجاه المطلوب.  وقد ظهر ذلك جلياً عندما استخدمت بعض الدول الغربية المحكمة الجنائية لإضعاف الموقف الانتخابي للرئيس البشير ،  فرأينا كيف أدى ذلك إلى مضاعفة حظوظ الرئيس في الفوز.  وقد رأينا كيف ارتبك الموقف الأمريكي وتفاوت من التأكيد على استقرار النظام في مصر إلى الطلب إلى انتقال سلس وفوري للسلطة ،  وكان واضحاً أن الإدارة الأمريكية صارت مقيدة بما يجري في شوارع مصر ولم تعد قائدة للتغيير السياسي بل أن النظام نفسه حاول استخدام التصريحات الأمريكية لاستجداء الروح الوطنية لدى الشعب المصري.  فالدرس المستفاد هنا أن التفاعل مع العالم وحتى تلك الدول المستكبرة المتنفذة ضرورة من ضرورات الواقع السياسي الدولي ولكن القوة المؤثرة الضامنة للاستقرار السياسي هي قوة الإرادة الشعبية .
الدرس الثاني المستفاد هو أن كسب أصوات الشعب سواء بانتخابات مزورة أو تعبئة سياسية أو تعاطف وقتي ليس كافياً لضمان الاستقرار السياسي . ولذلك يتوجب على الفئة الحاكمة أن تسعى دون كلل ولا ملل إلى كسب قلوب الناس لا أصواتهم . لأن أصوات الناس تأتى تبعاً لقلوبهم ولكن قلوبهم ليس بالضرورة تبعاً لأصواتهم . فقد يقترع المقترعون لمصلحة آنية أو مشاعر لحظية أو عقاباً للمعارضين ولذلك فإن الاستنتاج أن  كل من أعطى صوته للمؤتمر الوطني سيظل موالياً للمؤتمر الوطني على مدى الوقت لا بعدو أن يكون استنتاجاً متسرعاً في أحسن الأحوال. والإنقاذ لديها رصيد جيد يمكن أن تكسب به قلوب الموالين لها لمدى طويل . ولكن هذا الرصيد ما لم يُستثمر ويُوالى بالاهتمام سيتناقص ثم ينفد  كما ينقص كل رصيد وينفد كما ينفد كل ما عند الناس.  وليست التنمية والخدمات وحدها هي التي تكسب قلوب الناس ما لم تصاحبها توطئة الأكناف للناس بالاتصال المباشر بهم والاستماع الصبور للموضوعي وغير الموضوعي من شكاواهم وأفكارهم وتطلعاتهم.
          يتوجب على الإنقاذ أن تقرب مقعدها من مقاعد الشعب ومجلسها من مجالس الناس العاديين.  ولا يكفي أن الرئيس يخالط الناس ويحضر أتراحهم وأفراحهم بل يجب أن يُنظم برنامج الرئيس وكافة رجال الدولة والحزب ليتسع إلى لقاءات مباشرة للاستماع للناس.  ولا أعني اللقاءات والندوات السياسية ولا أقول أنها ليست بمهمة ولكني أقول أنها غير كافية . لأنها اتصال من طرف واحد والاتصال النافع هو الاتصال المباشر الصريح بين الطرفين . ولئن كان المؤتمر الوطني يجري اتصالات مستمرة مع القوى السياسية والأحزاب . فعليه أن يدرك أن غالب الفعل السياسي المؤثر يقع خارج دائرة القوى السياسية والأحزاب ، نقول ذلك  لا تقليلاً من شأن الاتصال والتباحث الصريح معها ولكن إدراكاً لوقائع الحياة السياسية في السودان.  ولذلك يتوجب أن يُعاد تعريف أمانات الحزب وقطاعاته لكي تكون قادرة لتحقيق هذا التماس المباشر الفاعل مع جمهور الناس العاديين . وقيادتهم الطبيعية في الأحياء وفي مجال الأشغال والأعمال.  وكسب قلوب الناس يأتي من خلال استشعارهم النوايا الحسنة واللهجة الصادقة عند المسئولين ،  ولن يحدث ذلك عبر اللقاءات الرسمية أو التعبوية بل من خلال المباشرة والمصارحة، ومن خلال اعتماد العلانية والشفافية والنقد الذاتي منهجاً للتعامل مع الناس . فينبغي أن لا نستنكف عن الاستماع لما يقول الناس ولو كان تجنيا، ولا أن نستكبر عن شرح مواقفنا وتوضيح تصرفاتنا والاعتذار عن الخاطئ منها . ولا أريد أن أسوق المثالات من تصرفات عمر وأبي بكر رضي الله عنهما فكل ذلك معلوم ،  ولكن ليس كل معلوم معمول به .
                                                                   يتبع......

التغيير... مطلوب الساعة (3)


الحزب القائد لا الحزب الغالب:
                    الحوار حول الأجندة الوطنية لبلورة رؤية للمستقبل هو ما يشغل الساحة الآن. وقد تحدثنا عن بعض عنوانين الحوار في مقالة سابقة وأنه يتوجب أن يشمل القوى السياسية والاجتماعية دون إقضاء. وان الحوار ينبغي أن يكون حوار نظراء تكون أدواته البينة والحجة والبرهان لا الغلبة والأغلبية والسلطان. وهذا النهج وحدة هو الذي يجعل من المؤتمر الوطني بعد الأغلبية الكاسحة التي نالها الحزب القائد للساحة السياسية وليس الحزب الغالب. والمؤتمر الوطني برؤيته وكوادره القيادية وتأييده الشعبي قادر علي طرح الأفكار والرؤى وابتدار السياسات واتخاذ المواقف التي تفتح السبيل للمراحل الجديدة والمسارات البديلة. ولكي لا يعٌول المؤتمر الوطني علي الغلبة السياسية لابد له من تطوير قدراته القيادية علي المستويين الفكري والسياسي . ومهارته علي بناء الاتصالات وإدارة الحوارات داخلياً بين مستوياته وشرائحه وقطاعاته المختلفة وبين القوي السياسية وقيادات المجتمع المدني والأهلي والنخبة الفكرية والثقافية في السودان. ولن يتحقق ذلك إلا بالاستجاشة للقدرات الكامنة لدي جميع كوادره وقطاعاته المختلفة. والتي يستشعر كثير منها انتقاصاً من دوره ووينتقد عجزه عن حشد الطاقات والقدرات وصبها في مسارات تؤدي إلي تعظيم فاعليه الحزب وقدرته علي إنشاء الأفكار واقتراح البدائل. والمراقب لنشأة الحزب وتطوره عبر السنوات يلحظ تطوراً ايجابياً في بعض النواحي من التنظيم والنشاط الحزبي . ولكنه يلحظ أيضا تراجعاً في بعض نواحي القوة الحزبية مما يقتضي إجراء مراجعة لتطور الحزب وإدارته عبر السنوات من لدن تأسيسه إلي هذه المرحلة الراهنة.                   الشورى القاعدية: وأول ملامح التراجع السلبي تمثلت في ضعف الشورى القاعدية بالمؤتمر الوطني والذى نشأ علي فكرة الديمقراطية القاعدية التي ترفد المستويات القيادية بالملاحظات الجماهيرية والأفكار الأساسية والقيادات الصاعدة . ولم تكن اجتماعات الحزب علي مستوي القواعد تنتظم لاختيار وتصعيد القيادات فحسب كما غدت الآن بل كانت تنتظم لمناقشة موضوعات الساعة . ورفع ملاحظاتها وأفكارها للمستوي الاعلي . وربما يقلل البعض من قيمة الحصيلة الفكرية لمثل هذه الاجتماعات جنوحاً للمقاييس النخبوية لتقويم الأفكار.  ولكن ما من فكرة ذات قيمة إلا وانتهضت علي ملاحظة بسيطة. والاجتماعات القاعدية تتميز بصراحة أوفر من الصراحة التي تتوفر في المستويات العليا . فههنا يقل الطامحون إلي نظرات الرضا من الملأ القابض علي أزمة الأمور. وههنا يتعرف الناس العاديون علي القيادة الحزبية التي تكون علي مساس مباشر بالناس.  لان القيادات الاعلي لا يتعرف الناس عليها إلا عبر المواقف العامة أو الانطباعات العابرة أو الملتقيات التعبوية.
إن صورة المؤتمر الوطني ومظهر قياداته سوف يتجلي علي المستوي القاعدي. فإذا غلبت الشكلية علي اجتماعاته علي مستوي القواعد وسمح للمتسلقين أن يزوروا أراء القواعد .  وان يأتمروا بليل علي الإرادة الشعبية فإن جذور شجرة الحزب ستزوي ثم لا تلبث فروعه العليا أن تتهاوي ولو بعد حين. لقد تحول المؤتمر الوطني إلي حزب جماهيري . ويتوجب عليه رعاية مبدأ الفاعلية لدي القواعد ليظل بناؤه راسخاً وإلا تحول إلي حزب للحكومة ومنصه للمتنفذين ثم لا يلبث أن يتحول إلي عئب    علي الدولة لا     قاعدة  لها.
شوري القطاعات:
          والمؤتمر الوطني حزب غني بالكوادر ألى درجة التخمة . ولقد شهدت منذ سنوات عندما كانت القطاعات الفئوية والمهنية ناشطة وفاعلة كيف كان  يجتمع الآلاف من القطاع الهندسي أو القطاع الصحي أو القطاع الثقافي لمراجعة سياسات الحكومةأو انتقادها أو رفدها بالأفكار الجديدة . وكيف كانت تلك الاجتماعات هي المجلي الذى تظهر فيها القيادات الجديدة والأفكار الجديدة مهما احتدت الآراء واحتدمت فيها في كثير من الأحيان. ومنذ أن ضعفت اجتماعات تلك القطاعات وضعف حضورها ودورها برزت الخلافات بين المجموعات والانديه. ومدارها علي صراعات الأشخاص وخلافاتهم لا علي أفكارهم ورؤاهم وتقديراتهم. إن المؤتمر الوطني يحوز رصيداً هائلاًيمكن له ان يشكل مفاعلا للطاقات  المتجددة. لكنه  يبدد ثروة هائلة إن اكتنز كل تلك القيادات والكوادر القطاعية ثم لم يترتب لها الترتيبات لتكون منابراً لتوليد الأفكار والقيادات . ولإعطاء القدوة علي القدرة علي إحياء مبدأ شوري أهل الذكر الذين يتوجب أن تكون آراءهم المتنهضة علي العلم والخبرة أساسا ركيناً لوضع السياسات التي تحقق مصالح الناس.  وتتعالي علي ضغوط جماعات الضغط والمصالح الفئوية. يتوجب أن تتغير حال القطاعات من كونها اجتماعات تعبوية للفوز بهذا الاتحاد أو تلك النقابة إلي قيادة فكرية متخصصة . ترفد الحزب بافكارها وتمده بالمبادرات التي تعزز قيادته الفعلية للشأن العام . فشتان ما بين القيادة الطبيعة التي تستقوي بالعلم والخبرة والشجاعة الأدبية وبين القيادة الوظيفية التي تستقوي بالسلطة فحسب ولا شئ سواها.
الشورى القيادية:
          والقيادة الحقة هى التي تكون خياراً من خيار من خيار . ولن يتحقق ذلك إلا بإعلاء قيم الحوار وتنوع الآراء والتجانف والتباعد عن اصطفاء القيادات بناء علي الولاء للأشخاص . أو الاسترضاء لجماعات الضغط الجهوي والفئوي. ولابد للمؤتمر الوطني أن أراد أن يكون قيادة للحياة السياسية أن يستشعر حيوية التفاعل الفكري واحتدام الآراء داخل أجهزته التنظيمية القيادية. فاذا سادت روح الحساسية من الرأي المخالف . أو تجنب الأعضاء ما يثير تأفف الزعماء أو انتشرت في قيادة الحزب روح دفاعية بدلاً عن الروح النقدية . فعندئذ سوف تنضب الطاقة الحركية لدي القيادة . لان القانون الطبيعي جعل الطاقة والحركية نتاجا  للتفاعل بين الأقطاب وجعل السكون والركود نتاجا  للتماثل والتشابه. ولا شك أن شوري القيادة لدي المؤتمر الوطني من حيث اجتماعاتها وانتظام فعاليتها وأهمية موضوعاتها أفضل بما لا يقاس من الأحزاب الاخري . ولكن ليس في هذا عزاء فالأمر ليس هو تحديد من يأتي أولا بل يتعلق الشأن بالقدرة علي توفير الفكر الثاقب والرأي الصائب لمجابهة التحديات الحقيقية التى تواجه الوطن.
الثورة الناعمة:
          أن قدرة الحزب علي استجاشة قدراته واستنهاض أفراده وتفعيل قواعده وتأهيل قياداته هو وحده الذي يضمن قدرته علي مواكبة المتغيرات بالتكيف السريع مع متطلباتها.  ثم من بعد ذلك فان قدرة الحزب علي وضع نفسه قائداً للمسيرة السياسية لا بامساكه علي مفاصل السلطان بل لقدرته علي الاتصال والتأثير والقيادة . فهذا وحدة الذي يجعل معول الحزب لا علي مفهوم  السلطة بل على مفهوم النفوذ. والنفوذ هو  القدرة علي التأثير علي الآخرين بالحضور والعمل الفاعل و هو (القوة الناعمة) التي صارت اليوم أهم مفهومات ممارسة السلطة داخلياً وخارجياً . فالاضطرار إلي ممارسة السلطة المباشرة صار يحسب فشلاً. لأن استخدام السلطة دون استناد إلي قوة الرأي الموالي أو التسليم بالتفوق لصاحب السلطان أمر قد ترتفع تكلفته علي صاحب السلطة والمتسلط عليهم علي وجه سواء. ومثل مفهوم (القوة الناعمة) يأتي مفهوم (الثورة الناعمة) . وهي قدرة الزعامة علي قراءة الواقع و قراءة الاحتياجات الشعبية والمشاعر الشعبية والتكيف معها بصورة مستمرة .ويكون نتاج ذلك التغيرات المتسارعة المتوافقة مع المرادات الشعبية . وخلاف ذلك هو عجز السلطان عن قراءة الواقع وعجزه علي قراءة ثيرمومتر التجاوب الشعبي . أو التفاؤل باستدامة حالة الرضا الذاتى عن النفس.  وإنكار المتغيرات التي لا تناسب مطلوبات النرجسية السياسية التي هي أسوأ أدواء السلطان السياسي بحيث لا يري المتنفذون في صفحة الماء إلا الوجه الوسيم الذي تنكسف بازائه   كل الحقائق والوقائع.
التغيير من الداخل اولاً:
          لئن كان التغيير مطلوب الساعة بل مطلوب كل ساعة فإن أولي الإطراف بالمراجعة والمحاسبة والتغيير هو المرء نفسه . إتباعاً لقول الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزن عليكم) ولا يتوجب أن نفهم المحاسبة وكأنها أمر أخروي فحسب بل المحاسبة عند العقلاء هي شأن كل برهة ولحظة وساعة من الزمان. فالمحاسبة هي الضمير الإنساني الذي لا يسع العاقل أن يمنحه عطلة أو إجازة للتغيب عن العمل. وهي محاسبة أمام النفس أولا ثم أمام الناس ثانياً وأمام الله الحسيب علي كل شئ أولاً واخراً.   
                                                انتهى

التغيير... مطلوب الساعة 2-3


الأجندة الوطنية:
لئن كان الحوار أول مقدمات التغيير فإن أول مطلوباته هو التوافق علي أجندة القضايا الوطنية التي تشكل تحديات المرحلة الراهنة، بيد أن المتأمل في خطاب الفئة المعارضة لا يستشعر تجرداً موضوعياً للحوار . ذلك أن ما تسميه المعارضة بالأجندة الوطنية لا تتطابق مع التحديات الكبرى التي تواجه السودان بقدر تطابقها مع قراءة المعارضة للواقع السياسي بعين الساخط والطامع في آن واحد. فالحديث عن الحريات واعتبار أن هنالك أزمة حريات تعتبرلديهم  واحدة من أهم القضايا لا يعدو كونه ورقة للتزيد علي مجال الحريات الواسع الذي لا يضيق إلا عندما تزاحمه مهددات حقيقية لمصالح الوطن والمواطنين. والمعارضة لم تكلف نفسها بإجراء أية مقارنات بين واقع الحريات الحالى ومجال الحريات الذي كان متاحاً عندما كانت أحزابها تحكم البلاد في فترة التعددية الحزبية المنصرمة. وهي إذ تتحدث حديث المزايدة والتشبية بين أوضاع الحريات في السودان وفي البلاد التي حدثت الانتفاضات الشعبية فيها مؤخراً تدرك قبل غيرها انه لا مجال للتشبيه بين أوضاع الحريات في السودان في جميع العهود"حتى ما يسمي منها شموليا"وبين الأوضاع السائدة في تلك البلدان. والمعارضة تعلم أنها تتحدث الحديث الزور وتتوقع لشعب لماح مدرك لحقائق السياسة أن يصدقها. بيد أن الحكومة لم تغلق باب الحوار حول المعادلة بين الحرية والأمن . والتي لابد لكفتها أن ترجح لصالح الحريات في غالب الأحوال إلا عندما يصبح فقدان الأمن نفسه مهدداً لممارسة الحرية نفسها . بيد إن الحديث عن الحرية يجب إن لا يكون شعاراً فالحكم ليس رفع الشعار بل  اتخاذ التدابير الحكيمة لتحقيق الاستقرار وتوسيع فضاءات الحرية. ويكفي هؤلاء أن يتأملوا بين حالة الطوارئ التي امتدت في بعض البلدان إلي عشرات السنين وحالة الطوارئ التي لا تفرض في بلد مثل السودان يواجه تحديات عظمي تهدد استقراره وسلامة أراضيه ولكن تكتفي الدولة بفرضها جزئيا علي المناطق التي تواجه تهديداً ماثلاً . ثم لا تطبقها وفق لائحة شاملة مقيدة للحريات. وإما حديث الفئة المعارضة عن المعتقلين فتعلم المعارضة أن الاعتقال لا ينال إلا من أشهر سلاحه في وجه الدولة أو ظاهر علناً من شهر  ذلك السلاح في وجه الدولة . فمثل هؤلاء فان العالم جميعاً يطلق عليهم صفة الإرهاب ليطالعوا أن شاؤا القوانين المناهضة للإرهاب في أمريكا وارويا . ليعلموا إن الدائرة قد ضاقت في السودان في تفسير الظاهرة إلي ألمدي الذي تجرأ فيه المتجرأون علي التحريض المباشر علي الخروج علي الدولة بالسلاح. ولا شك أننا لا ندخل في زمرة المظاهرين من عبر عن الرأي بوجه سلمى ولو كان معارضاً ومناوئا للحكم القائم . ولذلك فإن أي سجين للرأي يتوجب أن يطلق سراحه فوراً إلا أن يكون مشاركاً في الخروج والبغي أو محرضاً عليه . فحينئذ يتوجب إحالته باعجل ما يمكن بعد الاستجواب إلي الإجراءات العادية ليحاكم إمامه قاضيه الطبيعي.
أزمة دارفور:
إما حديث الفئة المعارضة عن ضرورة حل أزمة دارفور فيشبه النصيحة للجريح بأن يضمد جراحه . ولئن كان جرح دارفور جرحاً لكل الوطن فإن المبتلي الأول به بعد المتأثرين المباشرين هي الحكومة. ولقد أظهرت الحكومة اهتماماً لحل الأزمة لا بنكرة إلا مناؤي مكابر وقدمت من التنازلات ما لم تقدمه أى   حكومة تواجه نفس الأوضاع. ولكن قضية دارفور صارت بضاعة مزجاة يسعي بها التجار والسماسرة داخل البلاد وخارجها. وقد فتحت الحكومة بابها وقلبها وأذنها لتشجع كل فكرة وكل نصح حول كيفية مقاربة الأزمة من خلال مبادرة أهل دارفور . ومن خلال فتح وفد التفاوض لمشاركة الأحزاب ومن خلال توسيع الفرص لسماع صوت المجتمع المدني والأهلي في دارفور وفي غير دارفور.  ولا تزال الحكومة تسعي بكل وسيلة للتواصل مع الفرقاء . ومحاولة تهيئة مناخ مواتي لحوار موضوعي متجرد لإيجاد الحلول للمشكلة. ولكن الفئة المعارضة آثرت دائماً أن تتبني منهج الملائمة السياسية. فما كان يلاءم مصالحها الحزبية فهو الحل وان كان هو بالذات ما يفتح أبواب مشرعة للنزاع والصراع في دارفور. والمواقف الانتهازية للمعارضة هي واحدة من أسباب تعسير الوصول إلي حل في دارفور. ويكفي النظر للمواقف المتضاربة من منبر الدوحة الذي يوصف بأقذع الألفاظ في الخرطوم فإذا صار الزعماء إلي الدوحة فإن الدوحة وحدها هي سبيل الوصول إلي الحل. أن موقف الحكومة من قضية دارفور موقف واضح يشمل تقويمها لجهات التفاوض ومنابره وإطرافه. وموقف الحكومة أنها ملتزمة بالتفاوض للوصول إلي حل شامل مع من يحمل السلاح لكي يضع السلاح كما انها تعمل علي الأرض مع المتأثرين المباشرين بالأزمة في دارفور عبر إستراتيجية واضحة المعالم كان غاية جهد الفئة المعارضة إن تدير إليها خد المعرض المكابر . وعلي الرغم من ان الإستراتيجية قد أوصلت مباشرة إلي أيادي جميع الفاعلين في الفئة المعارضة كما أوصلت لأيادي الشركاء المحليين والدوليين . فقد تسلمت أمانة ملف دارفور ردوداً موضوعية من جميع الشركاء المحليين والدوليين سواء كانوا منظمات إنسانية أو مبادرات مجتمع مدني أو منظمات دولية ولكنها الفئة المعارضة لم تحر جواباً سوى الهجاء السياسي. وعلي الرغم من ذلك كله فنحن نؤمن أن المقاربة القومية لحل مشكلة دارفور هي المقاربة الصحيحة . ولذلك فان التوافق علي حل شامل ونهائي لمشكلة دارفور واحدة من أجندة الحوار الوطني بيد انه يتوجب علي المعارضين في هذه المرة ان يأتوا للحوار بقلب سليم.

تحدي العلاقة مع الجنوب:
تحدي تجنب الحرب مع الجنوب وبناء علاقة موجبة تصب لصالح الطرفين أمر ظل يشغل اللجان الثنائية بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية . أما الآن فيتوجب إن يتوسع الجانبان ليشملا كافة الإطباف السياسية والمدنية الفاعلة شمالاً وجنوباً. ولا شك أن كل ذي عقل سليم ورأي سديد يدرك إن إحالة الانفصال إلي حالة انفصال سياسي فحسب هو أفضل الخيارات للشمال والجنوب.  ولذلك فالتوصل إلي عقد اتفاقيات تنظم التواصل الاجتماعي والاقتصادي والثقافي أمر مهم وعاجل في آن واحد. ويمكن لأحزاب الفئة المعارضة أن تساهم بأفكار واقتراحات وأراء . ويمكن الأخذ بتلك الأفكار والاقتراحات والآراء فلم ندع يوماً من الأيام أن الصواب قد انحاز إلي المؤتمر الوطني . وان الخطأ قد ضرب إطنابه في معسكر الفئة المعارضة. ولا يزال نصف الرأي عند أخيك ولا يزال بعض الرأي عند خصمك وعدوك.
تحديات الاقتصاد:
ولئن كان ما تسميه الفئة المعارضة أجندة وطنية لم يخرج عن القضايا السياسية وفاقاً لنهج (الملائمة السياسية) فأن تحديات الوطن الكبرى بعضها اقتصادي وبعضها ثقافي. ومن القضايا الاقتصادية الكبرى هو تهيئة الاقتصاد الوطني لفترة صعبة يمر بها العالم الثالث في مناخ الأزمة الاقتصادية وارتفاع أسعار الغذاء . فلن يجدي المعارضة أن تتحدث عن غلاء الأسعار وتتخذ ذلك مفردة للهجاء السياسي للفئة الحاكمة . فغلاء الأسعار له أسباب موضوعية وهو مشكلة مرشحه للتفاقم مما لم تتخذ الإجراءات والسياسات المناسبة منذ وقت مبكر. وأسبابها بعضها داخلي يتعلق بضعف الإنتاج والإنتاجية الزراعية والصناعية في السودان . ولأسباب بعضها يتعلق بأسباب موضوعية وبعضها يتعلق بضعف الأداء للعاملين وللمديرين ولمخططي السياسات. والسودان مؤهل لتحويل محنة غلاء أسعار الغذاء إلي محنة. ذلك انه مؤهل للتوسع الكبير في الإنتاج والإنتاجية للمنتجات الغذائية وفي الصناعات التحويلية المتصلة بها. ويكفي السودان أن يحقق الاستقرار وان يوفر الموارد عبر الموارد الذاتية . وعبر اجتذاب المستثمرين لشراكات ذكية مع رجال الإعمال السودانيين أو مع شركات المساهمة الوطنية أو مع الدولة. وأزمة غلاء الأسعار مثلما تتصل بغلاء الأسعار العالمية وضعف الإنتاج المحلي تتصل ايضا بضعف شبكة الخدمات التجارية وضعف التنظيم في هذا المجال.  وغياب الوسائط المساندة للتقنين غير الإداري للأسعار من خلال توسيع شبكة التعاونيات . والخروج تماماً من الدعم الشامل إلي سياسة الدعم المتقاطع التي تستهدف دعم الوسائط التعاونية حتى تصبح آلية لتقنين الأسعار.
قضية أخري من قضايا الاقتصاد ألكبري هي قضية التشغيل وهي و إن كانت مرتبطة من جهة بقضية الإنتاج الزراعي والصناعي والاستثمار فهي مرتبطة من جهة ثانية بقضية نوعية التعليم وجودته وملاءمته  للاحتياجات الاقتصادية . فالتوسع في التعليم هدف لا يزال تحديا رئيساً أمام الشعب السوداني ولكن لابد أن ينظر إلية دائماً مع قضية جودة التعليم من حيث المحتوي ومن حيث الاستجابة لمتطلبات النهضة الاقتصادية للبلاد. وقضية التشغيل لابد فيها من توافق وطني علي حلول أو معالجات اسعافية قصيرة المدى ثم حلول متوسطة المدى ثم إحداث التناسق التام بين حركية الاقتصاد وتشغيل العمالة وتقليل البطالة.
تحدي الهوية:
أما التحديات الكبرى في المجال الثقافي فأهمها بناء الوطنية السودانية علي حد ادني من التوافق علي الأسس التي تشكل سودانية السوداني أيا كان لونه أو جنسه أو دينه. ولا تعني هذه ان الإجابة هى  تلك التي يسارع بها تلاميذ مدرسة الانصياع الحضاري للغرب . واعتماد العلمانية الغربية أسلوبا لتعريف أنفسنا ووصف حياتنا وتحديد مقاصدنا . ولكنه لا يعني أيضا التفسير الايدولوجي الضيق لمعني الامتثال للشريعة الإسلامية . والذي يفرض الرؤية الإسلامية علي من آمن بها ومن لم يؤمن بها والأنموذج الأمثل في هذا الشأن هو الاقتداء بدولة الرسول صلي الله عليه وسلم في المدينة التي عاش فيها الفر قاء من مؤمنين وغير مؤمنين تحت الشعار النبوي الكريم (لهم ما لنا وعليهم ما علينا) فان شاء البعض أن يطلق علي ذلك دولة المواطنة فلا بأس ومن أراد تسميتها بالدولة المدنية فلا بأس ولكنها لن تكون في يوم من الأيام دولة تتنازل فيها الأغلبية عن امتثالاتها . ولا دولة تقهر فيها الأقلية علي خلاف حقها الطبيعي في أن تؤمن كما تشاء أو تكفر كما تشاء
يتبع،،،،

التغيير... مطلوب الساعة 1- 2


التغيير سنة الحياة:
          التغيير هو سنة الحياة فما من شئ جامد إلا وتتغير ذراتة  ولو رأيته فحسبته جامداً (نري الجبال تحسبها جامدة  وهي تمر مر السحاب)"صدق الله العظيم" وما من مخلوق عضوي إلا وتتغير وتتطور خلاياه في كل برهة وكل ثانية .والذي لا يدرك سنن الحياة كمن ينشر أشرعته علي غير اتجاه الريح.. والتغيير هو التعبير الصحيح عن علو الإرادة الإنسانية . والجمود هو استكانة للتغيير الذي تفرضه السنن من خارج الإرادة الإنسانية . فيصبح الإنسان مُسيراً لا مخيراً. وحق لمن يريد أن يعلم أن يتعلم من القرآن الذي يخبرنا أن السنن الكونية التي تسيرها المشيئة الإلهية تابعة لإرادة الإنسان فيما يلي شأنه إن أراد أن يكون سيداً علي شأنه (لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) وقد شاء بعض المفسرين أن يجعلوا كلمة التغيير مرادفه لمعني الفساد أي الانحطاط عن مستوي الفطرة الإنسانية ولكن الأدلة تتضافر علي خلاف ما ذهبوا إليه .لأن غير في اللغة تعني خلاف و(غير عاقل) تعني يتصرف بخلاف مقتضى العقل . والتغيير يعني الانتقال من وضع إلي وضع مخالف له سواء كان أفضل في الرتبة أو أدني في الرتبة.  فهو يعني التحول إي الانتقال من حال إلي حال . وقديماً قيل دوام الحال من المحال . فمن لم يشأ أن يتحول من حاله إلي حالٍ أفضل فأنه لا محالة سيتردي إلي حالٍ أسوأ. والحياة كلها مكابدة للترقي في الأحوال . وسنه الله في الأكوان هي الترقي المستمر . ولكن تدخل الإنسان بإرادته في الكون والحياة وفي البر وفي البحر قد يضع العصي في دواليب الحياة . فيوقف سيرورتها الماضية للإمام وقد ينتكس بها إلي التخلف . والذي يعني استمرار الحركة ولكن في الاتجاه المخالف لسنة الله في التطور والتقدم. والتطلع إلي الترقي والتقدم فطره إنسانية فليس هنالك إنسان يرغب أن تسؤ حاله في الصحة أو العلم أو المعاش فإذا التقت همم جميع القوم علي النهضة واتسقت خطاهم علي دربها نهضت الأمة وتقدمت فالأمة لا تنهض ولا تتقدم بأمانيها ولكنها تنهض وتتقدم بمساعيها.
التغيير شعار الساعة:
وهذه الأيام ربما ومنذ أن احدث فوز الرئيس الأمريكي الأسود اوباما زلزالاً صارالتغيير هو شعار الساعة وقد كان أوباما رفع التغيير شعاراً لحملته الانتخابية . .ولكن التغيير الحقيقي كان متمثلاً في فوزه بالرئاسة.  فلو لم يتغير الشعب الأمريكي وتتغير مفاهيمه ومقاييسه لما استطاع  اوباما الفوز بالمقعد الرئيس في الدولة الرئيسة في العالم. ولقد كان لهذا الفوز الكبير أصداؤه المجلجلة في كل العالم. فلئن كانت أمريكا التي طبقت الفرز العنصري في ستينيات القرن العشرين قادرة علي تغيير ما بأنفسها فانه يجوز لكل اليائسين والمحبطين أن يكفروا بالاستسلام ويؤمنوا بإمكانية التغيير . وفجأة صار التغيير والفكر الجديد والعهد الجديد شعاراً لكل قابض علي الحياة السياسية وكل ناشط فيها. ولكن التغيير ليس شعاراً وان كان الشعار قد يكون تذكره بالمقاصد والغايات . التغيير هو القدرة علي الاستجابة لإرادة الإنسانية وإعلاء سلطتها علي الأهواء والغرائز والشهوات. والطلاب في المدارس يتعلمون أن الحركة إلي اعلي تستلزم جهداً و طاقة وإما الثبات والانزلاق فلا يحتاج إلي جهد. ولذلك فالدرس الأول هو أن من أراد التغيير فلابد له من دفع الثمن.
تريدين إدراك المعالي رخيصة
                   ولابد دون الشهد من ابر النحل
فمن اراد اجداث التغيير دون ان يبذل فيه جهدا ولا طاقة فسرعان ما سيصحو على جال بئيس.
وفي العالم العربي وفي هذه الأيام يعلو شعار التغيير ولا شك إن هذه علامة صحوة لو صدق القول العمل. وواحدة من علامات الصحوة هي تلك الانتفاضات ضد الركود السياسي وضد تجميد حركة الحياة السياسية .أو النكوص بها إلي الوراء إلي ثقافة تأبيد السلطة وتوريثها . ولا شك إن هذه الانتفاضات دلالة علي حياة الجسم السياسي في تلك البلدان بعد إن حسب كثيرون إن كثيراً من الشعوب قد دخلت مرحلة الموت ألسريري. ولكن الانتفاضة نفسها ليست علامة صحة فالجسد لا ينتفض إلا بالألم أو ألحمي .الانتفاضة علامة حياة ولكنها ليست علامة عافية . وهي دلالة علي أن أمر الأمة قد آل جمود وركود ولذلك فالدرس المستفاد الذي يجب أن تتعلمه الشعوب قبل الحكام هو ضرورة استحياء الإرادة الشعبية لكي تستعصى علي كل من يريد أن يقود الشعب إلي مراد نفسه لا إلي مراد الشعب ومقصده. والشعوب هي وحدها من تصنع طواغيتها كما تصنع أصنامها ثم ما يلبث السحرة والكهنة من المتزلفين والمتسلقين  أن يحيطوا بالطاغوت فيجعلوا مقامهم من مقامه ومعاشهم من معاشه . ويعظمون من شأنه لا لعظمة  مآثره وانجازاته بل الاستخفاف بشعبه . حتى تصبح الأمة مثل امة النحل تدور جميعاً في فلك ملكتها فتفنى إراداتها في إرادة رجل واحد استخف قومه فأطاعوه حتى يظن انه أن دخل بهم ححر ضب خرب لدخلوا معه لا يسألونه عن أمرهم شيئاً. وإما الأمة ألفضلي (فأمرهم شوري بينهم)   وهم سواسية في ذلك الشأن يسعي بذمتهم أدناهم.
          لذلك فإن التغيير المنشود ليس هو التغيير في القيادة السياسية فحسب بل هو تغيير في الثقافة السياسية التي تدرك أن السلطان السياسي شان عام لا يحوزه  فرد من الناس أو ثلة من دون سائر الناس. ولئن كان الاحتكار في السلع الدائرة بين الناس مذموم فأن احتكار السلطان أو تأبيده أو توريثه أكثر استحقاقاً للذم. والأمة الراشدة لا تسلم أمرها كله لفرد واحد أو طائفة مخصوصة دون مساءلة أو مراجعة. والسلطان السياسي مثل الماء لا شئ يصلحه مثل الجريان فلو ركد لفسد وافسد ما حوله. ولذلك فلابد من ترتيب الأمور السياسية علي نسق يمنع احتكارها أو تجميدها أو تأبيدها في يد فرد أو جماعة دون سائر الأمة.
السودان والتغيير:
والشأن السوداني ليس نسيج وحده ولا هو بالاستثناء من القاعدة العامة. والسودان الساعي نحو النهضة والرفعة والتقدم لابد له من ضمان السيولة السياسية . ولابد له من استدامة حركة الحياة السياسية.  والمبادرة الآن بيد المؤتمر الوطني وربما كان ذلك من حسن الطالع . لأن المؤتمر الوطني في سابقة تعاطيه مع السياسة كان مقداماً وقادراً علي اجتراح المسارات الجديدة . وقادراً علي ابتدار الأفكار والسياسات والمراحل الجديدة . فمبادرات المؤتمر الوطني او مبادرات قياداته في الإنقاذ هي التي وضعت الاقتصاد في مسار جديد . متجاوزا للفكر القديم والأساليب القديمة التي تفتقر إلي الاتساق النجاعة ومبادرات المؤتمر الوطني هي التي وضعت السياسة في مسار جديد بصنعها  للسلام الذي لم يغير طبيعة العلاقة بين الشمال والجنوب فحسب . بل أعاد هيكلة الدولة والسياسة علي رؤى جديدة هي ادعي لترسيخ الاستقرار والتراضي الوطني . فوضع اتفاقية أعادت تقسيم السلطة أفقيا  بين المركز والولايات وقسمت الموارد علي ذات النسق وأعاد تقسيم السلطة راسياً بين السلطات بما احدث حراكاً سياسياً وأعاد رسم الخارطة السياسية علي أسس جديدة . ولئن كان السودانيين لا يزالون يحجمون عن التراضي السياسي فأن الانتخابات قد حسمت جزءاً مقدراً من سؤال التراضي السياسي . ولكن إدراك المتغيرات والتعايش معها قد استعصى علي بعض القوي السياسية التي ارتبكت في الموسم الانتخابي خطاباً وسلوكاً وأربكت الساحة السياسية كثيراً بسلوكيات تفتقر إلي النضج علي الرغم من قيادتها التاريخية وصفا ومعنى و التي ظلت علي رأسها ما يربو علي نصف القرن من الزمان.
بيد أن الانتخابات والاقتراع الجماهيري وحدة ليس كافياً لتحقيق الوئام السياسي.فالمجتمع السياسي السوداني يتوجب عليه أن يسلك كما تسلك الأسرة الواحدة . وبخاصة في أوقات الشدائد ولا يستطيع احد من الناس أن يدعى أن السودان الآن ينعم بأفضل أوقاته. فالبلاد تواجه تحديات كبري علي أصعدة  السياسة والاقتصاد والتفاعل مع محيطها الإقليمي والدولي. ولذلك يجدر بكبير العائلة أن يلم الشمل علي الرغم من معاندة المعاندين وغلو الغاليين . وذلك بطرح مبادرة تتجاوز لغة المزايدة السائدة الآن. والأحزاب التي خسرت الموسم الانتخابي وتريد إن تستدرك حظوظها الآن من خلال إثارة قضايا دستورية وقانونية لا تنهض علي أساس سوي المكابرة والمغالطة وتظن أنها قد تنال حظوظها بالابتزاز.  عليها أن  تدرك إن المسعى لن يبلغ بها إلي غاية .وأن الابتزاز ليس هو الأسلوب الأنجع للتعامل مع الإنقاذ . فالإنقاذ ليست قاعدة شعبية واسعة فحسب بل هى كيان تنظيمي له انضباط كبير وقدرة حركية فاعلة وإمساك حريص علي مقاليد الأمور . وكل ذلك أثمر لها تفويضا  غير متوقع في الموسم الانتخابي. ولذلك فالمطلوب من الأحزاب إن تجنح إلي حوار لم يستنكف المؤتمر الوطني عن الدعوة إلية مراراً وتكراراً علي الرغم من تجاوز المتجاوزين وتطاول المتطاولين.
من الناحية الأخرى فان المؤتمر الوطني يتوجب عليه أن يخرج من الإبهام فيما يعرض إلي الوضوح والتحديد . فعالم السياسة مثل  عالم الأعمال والتجارة لا تصلح فيه صفقه ما لم تتضح معالمها وأركانها والتزاماتها واستحقاقاتها. يتوجب علي المؤتمر الوطني أن يبدي إنفتاحا نحو التغيير ليس السياسي ولا التنفيذي فحسب بل والدستوري أيضا. ولذلك فلئن كان البناء الدستوري هو أهم استحقاقات المرحلة القادمة لإعادة تأسيس الدولة علي قواعد راسخة ودائمة . فلابد للمؤتمر  الوطني من إبداء الاستعداد لإدارة حوار متكافئ مع القوي السياسية في كافة الترتيبات الدستورية . ولا يجب أن يحنج بنا القلق علي خيارات دستورية أو مبادئ فكرية لتحويل الحوار حول الدستور إلي ندوة شكلية لإقرار ما هو مقرر سلفاً. لابد من حوار نظراء يسعي بالحجة والإقناع والبرهان إلي تأسيس قواعد للتراضي الوطني من خلال الدستور. وهذا يعني تمثيلاً واسعاً للقوي السياسية والقوي المدنية والاجتماعية في المفوضية الدستورية . لا علي أساس الغلبة السياسية التي يجوزها المؤتمر الوطني ولكن علي أساس التكافؤ السياسي بحيث تمثل جميع الأحزاب تمثيلا متساوٍيا وتمثل الاتحاد والمنظمات القومية ومنظمات المجتمع المدني وفقاً لقواعد ومعايير تسعي نحو التمثيل الكامل لقوي المجتمع المدني الفاعلة . ثم لا يجب  إن يكون الاتجاه هو ترقيع الدستور القائم وإن كانت له شرعيته وتفويضه إلي حين اعتماد دستور جديد بل يتوجب أن تخضع المبادئ الدستورية والنظم الدستورية لنظر ناقد يقوُم تجاربنا الماضية وأوضاعنا الراهنة وتحديات  بلادنا الماثلة. فيضع لها من التراتيب الدستورية ما يوائم أحوالنا ويؤهلنا لمقابلة تحديات المرحل الراهنة والقادمة.
يتبع،،،