الأحد، 3 أبريل 2011

الطريق الي الجمهورية الثانية 1-2




     يشهد السودان بزوغ مرحلة جديدة من تاريخه السياسي. يأمل السودانيون ان تكون مدخلهم لفترة طويلة من الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي المضطرد. ولكي يتحقق ذلك فلابد ميثاق اجتماعى جديد يؤسس عليه نظام دستوري وسياسي جديد يفتح الطريق الي الجمهورية الثانية.
العهد الاجتماعي الجديد:
          لا تؤسس السياسة الا علي تفاهمات واعراف راسخة فى المجتمع تنبثق من التجربة الاجتماعية للشعب او من معتقداته الدينية وامتثالاته العرفيه . وقد شهد السودان فى العقود الاخيرة تهتكاً في النسيج الاجتماعي ونزاعات قبلية وتمردات عسكرية وسياسية .واصبحت كثير من الوشائج التي شكلت اللحمة بين الجماعات السياسية جزءاً من الماضي. اذ ضعفت الطائفية الدينية التي شكلت في الماضي الرابط الاساسي للاجتماع السياسي . وتفككت الايدولوجيا بوصفها الآصرة بين الجماعات السياسة المتعلمة. واضطربت الحالة الفكرية في البلاد بسبب المراجعات العميقة للفكر السياسي السائد . فإنتشار التعليم والهجرة ووسائل الاعلام الحديثة لم يجعل الجمع بين الفكرة الطائفية و اللبرالية السياسية ممكنا . فتقسمت الطائفةالي مجموعات متفرقة داخل الحزب الواحد او خارجه بفعل غزو الافكار الجديدة للحزب . وبفعل سعي البعض لتوظيف الراوابط القبلية والجهوية لتعزيز مكانتهم الحزبية . وبسبب النزاعات العشائرية داخل البيت الطائفي المتوسع بفعل النمو الديموغرافي. أما الاحزاب التي نشأت بالغزو الفكري الايدولوجي فتأثرت هي الاخري بأفول الابدولوجيا . بعد أن حلت محلها ما يسمي بالريل بولتيك اي براجماتية اليوم باليوم . وخضعت الافكار السائدة لمراجعات من قبل بعض النخب سواء كانت قومية او اشتراكية او اسلامية . بيد انه رغم تلك المراجعات المهمة فقد غاب الحوار الجدي بين الفرقاء . والذي كان يمكن له ان يؤسس لقواعد فكرية مشتركة للمجتمع السياسي. ومع بروز اثار التفتح والسيولة الاجتماعية بفعل التعليم والهجرة والاعلام وانفجار ثورة التطلعات نحو اوضاع افضل، ظهرت حالة من تفكك المجتمع السياسي الي احزاب متعصبة او جماعات متمردة او تكتلات قبلية ذات اطماع سياسية، وظهرت اثار ذلك في سيادة شعور بالتأزم السياسي بالبلاد. لذلك يتوجب أن يؤسس لقيام نظام دستوري جديد بمراجعات جديده للتعاهد الاجتماعي.  الامر الذي بات البعض يسميه (رتق النسيج الاجتماعي) ونحن هنا لا ندعو لرتق النسيج الاجتماعي فلا فائدة من استخدام هذه المقاربة التشبيهية في هذا المقام.  فالمجتمع ليس ثوباً عتيقا ً، ولكنه كيان عضوي . وكل كيان عضوي قادر علي التخلص من الخلايا القديمة الميته واحياء خلايا جديدة تمنحه القدرة علي البقاء والنمو. ولكن في الشأن الاجتماعي الانساني لا يحدث ذلك بصورة تلقائية كأية واقعة فيسيولوجية. ولكنه يتطلب عزماً وارادة فردية وجماعية  في آنٍ واحد.  واول المتطلبات لعهد اجتماعي جديد هو القدرة علي قراءة الواقع الماثل بقدر متنامِ من التجرد والموضوعية. بحيث يتمكن الجميع من البلوغ إلي تشخيص متوافق عليه للحالة الاجتماعية، مكامن قوتها وعناصر ضعفها. ولاشك ان ذلك يستلزم الحوار الصادق والموضوعي بين كل الفاعلين في المجتمع . وبخاصة النخبة الناشطة في الشأن العام والسياسيين علي وجه أخص. لذلك فأن الطريق للتحولات الدستورية والسياسية يجب ان يمر اولاً علي منتديات الحوار حول اوضاع البلاد الاجتماعية والثقافية ، ولابد للحوار أن يبدأ من مربع المسكوت عنه ليبلغ بنا الي الاقرار بما يثير التوجس والشكوك بين الجماعات الاهلية والسياسية والحزبية بحيث يقع التوافق علي ما يلزم لازالة اسباب المباعدة والمجانبة . فلا يمكن للحياة السياسية فى مجتمع سياسي مالك لأمره ان تقوم دون تأليف العقول والقلوب علي مرادات ومقاصد يراها كل الفرقاء مكسباً يستحق جهد المسعي اليه.
          ولذلك فقضايا كثيرة لا بد ان تكون حاضرة للمداولة وعلي راسها قضايا الجهوية والقبلية والعنصرية وقضايا التمييز علي اساس الجنس وهرم  وشيخوخة النظام السياسي وضعف دور الاجيال الجديدة في اغنائه بالطاقات والافكار الجديدة . وقضايا التعليم ودوره في التنشئة     الوطنية والنهضة الاقتصادية . وقضايا التقاسم العادل للموارد لا عبر الفدرالية الاقتصادية فحسب بل وعلي اساس رأسى اجتماعى يحول دون التغير السريع للمجتمع السوداني الي مجتمع رأس مالي.
الميثاق السياسي الجديد
          وبناء علي معطيات ذلك الحوار الكثيف والعميق يمكن التوصل للصيغ الدستورية الاكثر مناسبة للوقت وللمحل. ويمثل القسم الاول من الحوار التوطئة للخلاصات التي سوف تبني عليها الخيارات الدستورية والأطر السياسية الملائمة لوضع البلاد علي عتبة تطور جديد سريع ومتنام او ببعض لغة الاستراتيجية القومية متوحد متطور ومتقدم. وللوصول الي ذلك المقام لابد من الكثير من التجرد وانكار التحيزات والاطماع الذاتية.وقديستعسر البعض ذلك بيد اني اراه بالامكان . ويمكن للمؤتمر الوطني ان يقود تلك المبادرة بقليل من مفارقة الحذر وبكثير من التحلي بالثقة بالذات. والمؤتمر الوطني خرج من الانتخابات برصيد مقدر. وينبغي أن ندرك ان جزءاً مقدراً من ذلك الرصيد المقدر كان مسبباً بحالة الالتباس والارتباك التي اصابت الاحزاب والقوي السياسية . التي كان لديها بعض الفرص لمنافسة المؤتمر الوطني.و لا ننكر ان جزءاً مقدراً منه كان نتاجاً لكسب المؤتمر الوطني السياسي وبعض انجازاته علي مستوي الاداء التنفيذي. وفي اعتقادي ان المؤتمر الوطني يمكن ان يقود الحوار في النظم الدستورية من خلال طرح جملة من الافكار علي صعيد الفكر الاجتماعي. فلابد من الاعتراف انه ورغم انفصال الجنوب فان الصفة الملازمة للمجتمع السوداني هي تنوعه العرقي وتباعده الجهوي واختلاف اعرافه الاجتماعية والثقافية وضعف الانتماء فيه لهوية وطنية واضحة المعالم. ومثلما يصح ذلك  فان حضور الفكرة الاسلامية في المجتمع السوداني حضور قوي ومتميز مقارناً ببلدان اخري كثيرة حولنا . وهنالك تسليم شعبي واسع بأهمية تأسيس المجتمع السياسي علي امتثال للشريعة الاسلامية. بيد ان طرح الامتثال للشريعة الاسلامية ينبغي ان يرتبط بالتزام محدد وصريح وقوي بالالتزام بمجتمع سياسي مدني . لا تؤسس فيه الحقوق والواجبات علي الانتماء الديني والمذهبي او العرقي او الجنسي او الجهوي وانما تؤسس علي المواطنة . وعلي القاعدة النبوية الرائعة الساطعة "لهم ما لنا وعليهم ما علينا" . فالناس في الحقوق والواجبات سواسية كأسنان المشط. ولا يجب ان يؤسس الدستور لأي شكل من اشكال التمييز علي اساس الدين او المذهب او اللون او الجنس او العرق او الجهة الجغرافية. وهنا يتوجب ان يفهم من اخطأه الفهم ان هنالك فرقاً هائلاً بين العلمانية التي هي ايدولوجيا تقوم علي فكرة التمييز ضد الدين واقصاء الدين ومنعه من ان يكون مؤثراً في الشأن العام وبين الدولة المدنية. فالكيان السياسي يمكن ان يكون مدنياً واسلامياً في آن واحد. لأن مدنية الدولة تقوم علي ارادة المواطنين الجماعية . وعلي احترام  المبدأ الذي يقضي في الامور برأي الأغلبية ولكن دون إفتيئات علي حقوق الاقلية . فالدولة المدنية هي دولة المواطنين لا دولة العشائر ولا المذاهب. والمؤتمر الوطني مدعو لان يدعو لذلك بصورة واضحة لا لبس فيها. كذلك يتوجب علي المؤتمر الوطني ان يدرك الفروق بين تطور المجتمع الذكوري ومجتمع النساء في السودان فلا تزال تلك المفارقة الظالمة قائمة . ولا يزال المجتمع محتقناً بكثير من صور التمييز ضد النساء. ولابد للموتمر الوطني ان يكون رأئداً في طرح قضايا تمكين المرأة. وكذلك قضايا تمكين الشباب فلايزال المجتمع لا يفسح فرصاً واسعة في القيادة للشباب ويتفاقم ذلك في الأطر السياسية بصورة أحالت المشهد السياسي في السودان الي صورة المشهد السياسي السوفياتى.
إقتصاد السوق لا الرأسمالية:
          من ناحية اخري وبسبب تبني الدولة لفكرة اقتصاد السوق وهي فكرة اثبتت نجاعتها وملاءمتها لاصول الفكر الاقتصادي الاسلامي إلا ان طرح الفكرة جاء بصورة جزئية لا تضع التحوطات دون انزلاق المجتمع الي ان يكون المال دولة بين الاغنياء في دولة رأسمالية قاسية. ولذلك لابد من مراجعات دقيقة وعميقة للافكار الاقتصادية المقارنة لفكرة اقتصاد السوق بحيث لاتغفل الدولة عن دورها التخطيطي للاقتصاد الكلي بحيث يتحرك في إطار استراتيجية تسعي لتوسيع دائرة التشغيل في الاقتصاد. كما تتدخل بالمشروعات وبالسياسات لتمكين الطبقات الاضعف من العيش الكريم. أن الاندفاع في سياسة التحرير الاقتصادي دون الاحتفاظ بادوات فاعلة في يد الدولة للتدخل لصالح الفئات الاضعف أمر يحتاج الي مراجعة. كذلك فلا يجب السماح بموت القطاع الاهلي التعاوني دون بذل المساعي لتفعيله وتوسيع أطره ودفعه باعمال التمييز الايجابي لصالحه. كذلك يتوجب علي الدوله ان تعمل من خلال السياسات  ذات الوجوه العملية الي تشجيع الاعمال التي تأخذ صورة الشركات العامة التي يساهم فيها الجمع الغفير من المستثمرين الوطنيين . دون أن يكون ذلك علي حساب جذب روؤس الاموال من الاستثمار الاجنبي . فليس هنالك موضع تناقض بين هذا وذاك. فشركات المساهمة العامة تدخل قطاعا واسعاً من الطبقة المتوسطة الى دائرة الاعمال المربحة. وتؤدي بذلك الي توسيع الطبقة المتوسطة والحوؤل دون تكدس المال في اعلي الهرم الاقتصادي.

نواصل،،،

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق