الأربعاء، 30 مايو 2012

الحركة الإسلامية .. سؤالات وإجابات (9)


                د. أمين حسن عمر
aminhassanomer.blogspot.com

        تُوصف الحركة الإسلامية بأنها حركة أصولية تجديدية فماذا يقصد بذلك؟ وهل أصوليتها هي ذات الأصولية التي تصف بها الدوائر الغربية الحركات الإسلامية؟ وماذا يعني كونها تجديدية وما علاقة ذلك بصفة الأصولية؟ كثًر إستخدام مصطلح "أصولية" في وسائل الاعلام العربية نقلاً معرباً عن مصطلح Fundamentalism   الذي تصف به الدوائر الاعلامية الغربية الحركات الإسلامية في مشرق أوروبا وأمريكا. بيد أن الأصولية التي تُوصف بها الحركات الإسلامية ويُوصف بها الإسلام أحياناً في الغرب لا علاقة لها بالأصولية التي نؤمىء إليها. فالغرب يسقط معطيات ذاكرته عن الأصولية المسيحية على الإسلام والحركات الإسلامية. وما أبعد الشُقة بين الإسلام وبين تلك الأصولية . فهي مذهب بروتستانتي ظهر في القرن التاسع عشر بالولايات المتحدة الأمريكية (1880 – 1890) . وهو يقول بحرفية نصوص الكتاب المقدس . وأنها غير قابلة للتأويل وأن أحكامه غير قابلة للتأمل أو المساءلة الفكرية. وهو مذهب يرفض التسامح مع المغايرة والاختلاف والفكري. كما يفسر التاريخ تفسيراً يجعل تكرار أنساقه حتمياً . ولذلك فقد أصبحت تلك الحركة الأصولية من أقوى حلفاء الصهيونية . لأنها ترى حسب رؤيتها للتاريخ أن عودة المسيح مرتهنة باقامة دولة إسرائيل وإعادة تشييد الهيكل .  والغرب وأمريكا ينسبان كل حركة تدعو إلى إعادة بعث الدين في الحياة المعاصرة إلى الحركة الإصولية لإيمان غالب المواطنين في تلك البلدان بالعلمانية وفصل الدين عن الحياة العامة بل والتباعد عن التدين في الحياة الخاصة.
            أما أصولية الإسلام فهي بخلاف ذلك . لأن مرجعها إلى الاستمساك بالأصول المعرفية المتمثلة في الكتاب وفي السنة. ولا يؤمن إلا عدد قليل للغاية بأن نصوص الكتاب والسنة حرفية وغير قابلة للتأويل . وهي قلة ذات حظ قليل من العلم. ذلك أن غالب العلوم الشرعية الإسلامية أنما نشأت على تفسير النصوص وتأويلها .  لأن الأمتثال للقطعى من أحكام الكتاب والسنة لم يكن في يومٍ من الأيام موضع خلاف بين المسلمين. وقد نشأ الخلاف بين المذاهب العقدية والشرعية الإسلامية حول مدى التأويل الذي قد يُذهب إليه في تأويل النصوص لتفهم فهماً مطابقاً للمراد الألهي في استقامة أحوال المسلمين وأوضاعهم على ما يصلحهم في الدنيا والآخرة. وخلافاً  للإتهام الذي يُساق للحركات الإسلامية المعاصرة فجميعها كانت حركات ذات بعد تجديدي. ذلك أن المسلمين خاصتهم وعامتهم يؤمنون بأهمية التجديد لإصلاح الحياة واستقامتها على نهج الإسلام. فهم يؤمنون بالحديث النبوي بأن الله يبعث في الأمة في كل مائة عام من يجدد لها أمر دينها. وقد أعتبر البعض أن كلمة (من) هذه تعني فرداً قائداً . وأعتبر آخرون أن كلمة (من) قد تعني الجماعة . وسواء كان المقصود بقيادة تجديد أمر الدين فرداً واحداً أو جماعة يقودها فرد أو أفراد ملهمون فأن المطلوب المقصود تجديد أمر الدين فهماً وأحاطة بضرورات الحياة المتغيرة المتبدلة. وقد نشأت كل الحركات المهدوية على فكرة تجديد أمر الدين . وكذلك كل الحركات السلفية إنما جاءت لإحياء المعاني الأصيلة في الدين وفهمه فهماً صحيحاً كما كان يفهمه الرواد الأولون من السلف الصالح. وكذلك جميع الحركات الإسلامية المعاصرة جاءت لا لبعث الدين كما آل في مفهوم العامة من الناس . وأنما تجديد فهم الدين فهماً صحيحاً يتسم بالمرونة والقدرة على استيعاب متغيرات الحياة المتسارعة. وقد اختلفت الحركات الإسلامية في فهمها للتجديد وفي المدى الذي يمكن الذهاب إليه في استيعاب مفاهيم ورؤى جديدة لاستيعاب المراد الألهي في نصوص الكتاب والسنة المطهرة. بل أن الخلاف حول ذلك قد يمتد إلى داخل الحركة الواحدة بين متوسع في التأويل وآخر يضيق التأويل إلى أدنى المسافة.
            وقد يخلط بعض ناقصي العلم بين مفهوم التجديد ومفهوم التحديث. فمفهوم التجديد أصولي في ذاته ذلك أن التجديد يعني إعادة الشيء إلى أصله الذي كان عليه حتى يغدو وكأنه جديد كيوم ظهوره الأول . فأنت تقول جددت أثاث الغرفة أي أصلحته وزينته كى أرجعه لعهده الأول فكأنه هو يوم جيء به لأول مرة . فالتجديد هو ارجاع أمر الدين إلى أصله الصحيح. وأصل الدين اليسر والرفق والمرونة والسعة والتخفيف على المكلفين .  فلا نحتاج أن نأتي بهذه المعاني من جديد ليكون أمر الإلتزام بالدين عقيدة وشريعة أمر تترقى به أحوال الناس ولا تتردى . وأما الحداثة فهي المجيء بشيء لا أصل له فهى ليست أصولية . أي أنها أمر مبتدع بالكامل لا أصل له ينسب إليه.  ولذلك جاء في الأثر أن "كل محدثة ضلالة" لأن كل فكرة أو عمل لا يستندان إلى الهدى الألهي فهما ضلالة. وبهذا المعنى فان التجديد مفهوم يشتمل على إحياء المعاني الأصيلة وتوليد معاني جديدة مما يتطلبه تطور الحياة و التزاماً بقواعد وضوابط أنشأئها تلك الأصول التي هي المرجعية . فهى ترسم نقطة الإنطلاق وتحدد مقصد المسعى. ولذلك فان أي حركة تجديدية لا تُعنى بفهم الأصول في الكتاب والسنة والاجماع وقواعد الاستنباط الفقهى . فالأرجح أن تنزلق إلى فكرة الحداثة لا فكرة التجديد. وكذلك فأن أية حركة تجديدية لا تفهم مقاصد الدين ومرادات الاحكام الشرعية ومغازي المفاهيم العقدية فأنها سوف تعجز عن المضى على نهج الإسلام الصحيح القويم. فمعرفة الأصول والمقاصد هو الذي يُميز الحركة الأصولية التجديدية عن سواها سواء كان ذلك السوي حركة جامدة لم تدرك ما في الأصول من مرونة وسعة وشمول أو كانت حركة حداثة منفلتة من عقال الدين ولو تمسكت بعنوانينه ورسومه. وثمرة التجديد لأمر الدين مثل ثمرة التجديد لكل أمر في الحياة . وتتمثل في زيادة فاعليته وقدرته على التأثير وفي تحقيق مقاصده التي أتخذ من أجلها . وهي صلاح أمر الناس في العاجلة والآجلة. وتجديد أمر الدين يعني أكثر من أثاره المباشرة على الواقع  بل أن أثره الرئيس هو على النفس الانسانية . لأن تجديد أمر الدين يعني بيان السنة فلا تختلط بالبدع والجهالات . وتوضيح معاني القرآن وأحكامه وتعاليمه فلا تختلط بأغراض المغرضين أو جهالة المتأولين . فيصبح القرآن وكأنه يتنزل على الأنفس من جديد . وتصبح السنة وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم ماثلٌ بين أيدينا يعلمنا أمر ديننا . وكما ينجاب الضباب عن وجه السحاب ينزاح الوقر عن الآذان والغشاوة عن العيون والران عن القلوب فكأنما يصعد المؤمن خفيفاً إلى السماء.
نواصل ،،،،

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق