يشهد الشهر المقبل انعقاد مؤتمر التعليم . وهو حدث ينبغي الا يشغل التربويين ورجالات ونساء التعليم فحسب بل يتوجب ان يكون حدثاً هاماً يلتفت اليه اهل السياسة والاقتصاد . وقيادات المجتمع ومراكز التفكير والتخطيط . فالتعليم هو المتغير الذي تتبعه سائر المتغيرات الأخري لأن التعليم والتعلم هما ما يرتقي بالحياة . ويحيل الفرد الي شخص راشد واثق قادر علي تنمية وسائل الحياة ومعانيها . والتعليم والتعلم ليس لهما حد يبتدئان منه ولا قصد ينتهيان اليه. وقد ورد في الأثر أطلبوا العلم من المعهد الي اللحد . وورد ايضاً اطلبوا العلم ولو في الصين . والصين ههنا رمز لأبعد المسافة والمراد لا زمان للتعلم . فكل زمان فسحة للتعلم ولا مكان بعيد علي طلب العلم فكل المسافة والمساحة ساحة لطلب العلم. والتعليم والتعلم نسق واحد.ولذلك فانه بامكاننا ان نتحدث عن تعليم نظامي ولكن التعليم لا يقف عند الأطر المدرسية والأعلامية والأليكترونية ليشمل كل جهد لايصال معلومة نافعة لعقل متنبه.
التعليم والتعلم
والتعليم هو عملية توصيل العلم . اما التعلم فهي قدرة الفرد علي اكتساب معلومات ومعارف جديدة والمواءمة بينها لتشكل رؤيته لذاته وللآخرين وللكون وللحياة. واكبر أهداف التعليم هو تعزيز القدرة علي التعلم والقدرة علي التفكير الناضج الراشد. ولكن التعليم يتجاوز ذلك الي تحقيق مقاصد تربوية . تهدف الي تعزيز تفاعلية وفاعلية الفرد داخل المجتمع الذي يعيش فيه والثقافة التي يتأطر ذلك المجتمع في مثالاتها وامتثالاتها. والتعليم بخلاف التعلم اجتماعي الطابع . فهو علاقة بين معلم ومتعلم . وهو معياري مثالي لأن المعلم يختار ما يراه حسناً او نافعاً او صالحاً ليعلمه للمتعلم . وما هو حسن ونافع وصالح له قيم تتأثر الي مديٍ بعيد بالثقافة وةالقيم الاجتماعية والحضارية في المجتمع المخصوص. أما التعلم فملكه فردية الطابع بالمتعلم Learner الذى يدرك ويستوعب معلومات ومعارف لا ترتبط بالضرورة بما هو قيمي او اجتماعي . وهدف التعليم هو امداد المتعلم بالموسوعية Well Roundedness أي سعة الادارك واتساع الأفق . بما ينهض أساساً على المهارات التعبيرية والقدرة الرياضية والمعارف العلمية "الاحيائية والطبيعية ومعرفة علم العناصر" والثقافة والفنون والسياسة والشؤون العامة . وأهم من ذلك كله القدرة علي التحليل والتركيب والتخليق الذهني والعملي. وعندما يقال هذا رجل او أمراة متعلمة فإن الصورة الذهنية التي تتفتق في تصور المخاطب هي لشخص يحوز طائفة من المعارف , دمث وحسن التهذيب . قادر علي التعبير والافصاح شفاهة وكتابة . متابع للشئؤون العامة في المجتمع والسياسة . وقادر علي حل الاشكالات الذهنية والمشكلات العملية، متذوق وربما مبدع للفنون والموسيقي والشعر , وربما يتحدث بأكثر لغة . فمطلوب التعليم هو تعزيز الشخصية الواثقة الفاعلة المقتدرة . ولاشك أن الوصل الوثيق بين التعليم والتعلم وانتشار هذا المفهوم في فلسفة التعليم المعاصرة سببه التعويل أكثر علي الجهد الذاتي في التعلم . واستحثاث الرغبة في الاستزادة من العلم بوصفها أفضل وسيلة لتحقيق أفضل النتائج في توسيع وتعميق دائرة معارف الأفراد. فلم يعد النظر للتعليم وكأنه تلقين للمعارف للناشئة . وربما اجبارهم لهم علي استظهارها . باعتبارها ضرورة من ضرورات الاستعداد للحياة الناضجة بل اصبح التعليم ينظر اليه بوصفة تعزيزاً لرغبة وقدرة الناشئة علي التعلم. والتطور الذاتي المستظهر باسناد الآخرين ومساعداتهم. ولذلك فقد اختلفت اللغة التي يشار بها للتعليم ولمؤسساته حتى كادت لفظة التعليم تتواري خلف المصطلحات والمفاهيم الجديدة. ففي بريطانيا علي سبيل المثال فان الوزارتين الموكلتين بالتعليم العام والعالي لا ترد في اسميهما مفرده تعليم . فوزارة التعليم العام اصبح اسمها وزارة الاطفال والمدارس والعائلات Department Of Children Schools & Families . وأما الوزارة الأخري فأسمها وزارة التجديد والجامعات والمهارات Department Of Innovation Universities Skills . ولا شك ان العنوان يشير الي مفهومات وفلسفة مناهج التعليم واولوياته في ذلك البلد. أما في اسكتلندا فان وزارة التعليم لا تزال تحمل المفرده باضافة التعلم المستمر فأسمها (وزارة التعليم والتعلم المستمر) Department of Education & lifelong Learning . وقصدنا من هذه الالتفاته الي الاشارة للتركيز المعاصر علي مفهوم التعلم Learning . وتعزيز الرغبة والقدرة علي التعلم باعتبار ذلك وسيلة لاستحاشة القدرات الذهنية والمهارات الكامنة في كل فرد من افراد المجتمع.
التعليم الجيد هو الرافعة:
والتعليم الجيد هو الرافعة التي ترفع الأمة الي مراقى النهضة وسبل التقدم، فلئن كان الناس يشتكون من التأخر الحضاري والتخلف العلمي والتقني مما يورث الامة عجزاً اقتصادياً . ويعرض سيادتها لاستئساد الأمم القوية فأنه لا سبيل لاكتساب القوة والمنعة الا بالتعليم الجيد. وفي مؤتمر التعليم المقبل ربما يحتاج الناس للحديث عن توسيع التعليم . واستكمال الاستيعاب ليغطي كل التلاميذ في عمر الدراسة النظامية . وربما يتحدثون عن الاجلاس والبيئة المدرسية وغير ذلك . وكل هذا مهم ولا يمكن اغفاله ولكن مركز السجال والتداول ينبغي ان يكون عن جودة التعليم . وجودة التعليم ليست متصلة اتصالاً وثيقاً بالضرورة ببيئة المدرسة أو الأجلاس ولاشك ان ذلك يؤثر فيها . ولكن ما يؤثر تاثيراً بالغاً فى جودة التعليم هو ثلاثية (المعلمون -المتعلمون - المنهج) . هذه الثلاثية يتوجب ان تكون موضع التركيز والتفكير العميق . وان تحظى بالمقاربات الذكية والحلول المبدعة العملية. ونقصد بالمعلمين الشركاء في عملية التعليم . وأول هؤلاء من حيث الاهمية هما الأبوان Parents . ثم المعلمون بالمدرسة ثم المعلمون عبر الوسائط التعليمية التي تعزز جهد الاسرة والمدرسة معاً. ونعني بالمتعلمين التلاميذ بالتعليم العام والطلاب بالجامعات والمتلقين للعلم عبر المسافة من هؤلاء وممن سواهم من غير مرتادي المدارس او الجامعات . ونعني بالمنهج محتواه وطرائقه ووسائطه وبالمحتوى نعني مادته اللغوية او الرياضية او العلمية او النشاط المتصل بذلك كله . وبطرائقه نعني أسلوبه في توصيل المعلومات والمعارف وتشكيل المفهومات وتعزيز الخبرات والقدرات. ولا شك ان ذلك كله يتوجب أن يتدرج في فلسفة هادية ورؤية موحدة واستراتيجية معتمدة للتعليم العام والعالي. ولاشك ان معارف الآخرين وخبراتهم ستكون عظيمة الفائدة لدي التداول حول تطوير جودة التعليم . بيد أن ما نريده نحن يأتي اولاً . ونعني بما نريده نحن ما يلائم معتقداتنا وثقافتنا واحوالنا النفسية والمزاجية والاجتماعية . واوضاعنا الراهنة فليس هنا تطبيق جاهز للاستخدام في تطوير جودة التعليم . وان وجد فسيكون مثل زرع الأعضاء في جسم انسان قبل ملائمتها له ابتداءً. فليس ما أجدي في بلد ما بقادر علي تحقيق ذات النتائج في بلد آخر . ولعل أهم التطورات في نظريات التعليم المحدثة هي ملاحظتها للفروق والاستعدادات وتعويلها علي استجاشة العبقرية الخاصة لكل فرد من الأفراد بله أمة من الأمم.
نواصـــــــــــــــــــــــــــــــل،،،
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق