الأربعاء، 18 يناير 2012

حديث المذكرات بين الأمس واليوم


د. أمين حسن عمر
Aminhassanomer.blogspoit.com
          إتصل بي ثلة من الرفقاء والأصدقاء من أهل مهنتنا الصحفية يسألون عن مذكرة أعدتها وقدمتها طائفة من الإسلاميين عددهم ألفاً كما يقولون . وأن المذكرة تطالب بالإصلاح وتدعو إلى محاربة الفساد وإلى إعمال المؤسسية . وكانت إجابتي أنني لم أسمع بهذه المذكرة . وأن كنت سمعت قبلها بمذكرة أعدتها الهيئة البرلمانية للمؤتمر الوطني وحظيت بتداول مستفيض في أوساط المؤتمر الوطني وعلى مستواه القيادي .  كما سمعت بمذكرات اجتماعات قدمت لدكتور نافع وللرئيس .  وكلها تدعو للإصلاح حسب ما يراه من تواضعوا على صياغتها بالوجه الذي قدمت به . ولكنني لم أسمع بهذه المذكرة الألفية التي شغلت الصحف والصحفيين هذه الأيام .  وأني لا عجب من تصوير الأمر ولكأنه أزمة داخل المؤتمر الوطني، فمتى كان التذاكر والتفاكر والتناصح والتشاور أزمة تشغل المناوئين والموالين على حدٍ سواء.  أن اسم المؤتمر الوطني نفسه اسم يتركز على معنى التذاكر والتفاكر والتشاور والائتمار ففيم إذاً العجب أو الاستغراب.
مذكرة ثلة من الشباب:
وكنت بادئ الرأي قد نفيت لمن استفسرني عن المذكرة علمي بها . فهي لم تعرض علي الأمانة العامة للحركة الإسلامية ولم تعرض على الأمانة السياسية أو المكتب القيادي في المؤتمر الوطني . ولذلك قلت لمن سألني أنت أعلم منى بما تسأل عنه.  بيد أننى لن استغرب أن تتقدم طائفة من الشباب بمذكرة سواء للأمين العام للحركة الإسلامية أو نائب رئيس المؤتمر الوطني .  فمن حقهم أن يفعلوا ذلك سواء عن طريق مؤسستهم الشبابية أو الطلابية أو خارج تلك المؤسسة . فالرأي حر يجب أن لا تقيده الأطر طالما أنه يخضع في خاتمة الأمر لحكم المؤسسات التي ارتضاها الجميع.  ومما ورد من مطالب ذكرتها الصحف التي أشارت لتلك المذكرة فإنها أشبه بالاحتجاج منها بالمذكرة.  ذلك أن كثيراً مما ذكرته وذكرت به  إما قواعد مستقرة في الدستور أو قواعد مستقرة في النظام العام للمؤتمر الوطني .  ولكن هؤلاء الشباب ربما قصدوا الإشارة للتقصير في إنفاذ تلك القواعد أو تنزيل تلك المعاني . وهذا مما يدخل في باب المناصحة التي لا يستغنى عنها صاحب سلطة أو مسئولية.  ولكن ما يُعاب على هؤلاء الشباب هو دعوتهم للشفافية وعدم التزامهم بها في إعداد تلك المذكرة . فقد كان من الممكن أن تُعد علناً وفي مكاتب الحركة الإسلامية أو المؤتمر الوطني .  وكان يمكن أيضاً أن يُدعي الناس إلى مناقشتها في هيئة الأعمال الفكرية أو غيرها من مؤسسات التفاكر والمثاقفة في الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني.  بيد أن تجربة مذكرة العشرة قد جعلت شعور كثير من الناس يميل نحو اعتبار المذكرات نوعاً من الخروج على المؤسسة وهذا الأمر كان أبعد ما يكون على الوقائع الحقيقية لمذكرة العشرة.
مذكرة العشرة والمؤسسية:
لم تكن مذكرة العشرة خروجاً على المؤسسية بل كانت دعوة لتكريسها وترسيخها. فمذكرة العشرة بدأت بنقاشات مع الأمين العام في أكثر من إجتماع في منزل الشيخ يس عمر الإمام (شفاه الله وأبقاه) ثم في منزل الأخ العزيز على أحمد كرتي وفي الاجتماع الأخير طلب منا الأمين العام بأن نخرج إلى العلن ونقول ما نريد قوله على الملأ ولا داعي للاختباء في أفنية المنازل. 
ثم كانت مسودة مذكرة العشرة الأولى عبر اجتماع عقد في هيئة الأعمال الفكرية شارك فيها أربعة ممن حضروا تلك الاجتماعات . واختلف الرأي بينهم حول إلى من ترفع هذه المذكرة  إلى الأمين العام وكنت ممن يقول بذلك، أم إلى مجلس الشورى الذي يترأسه الرئيس آنذاك . وكان الأخوان سيد الخطيب وعلى كرتي ممن يقول بذلك.  ولكن سواءً رًفعت المذكرة للأمين العام أو لمجلس الشورى فهي تتحرك في مسارات المؤسسة التنظيمية ولا تخرج عنها. لم تكن مذكرة العشرة مؤامرة على أحد ولكنها كانت تدعو للإصلاح التنظيمي ولإعادة رسم العلاقات التنظيمية . ولترتيب العلاقة بين رئاسة الدولة ورئاسة المؤتمر الوطني. وقد يكون كثير من الناس قد نسوا أن هذه المذكرة قد أجيزت بالإجماع في مجلس الشورى بعد تعديلات أدخلت عليها بإقتراح من الأخ ابراهيم السنوسي . ولكن الظنون والشكوك هي التي حولت المذكرة من وسيلة لتعزيز وحدة المؤتمر الوطني وتنسيق علاقته مع الدولة إلى وسيلة لهدم الوحدة وتوسيع الفجوة بين رئاسة الحزب ورئاسة الدولة. ولم يخل الأمر من أطماع الطامعين ومخاوف المتشبسين بحظوظ الأنفس . وجرى الأمر على النحو الذي جرى عليه  ثم أمسينا اليوم نرى أخوتنا ناشطين في معسكر الأعداء وشعارهم علىّ وعلى أخواني وأن لم تبق باقية. وغامت الرؤية أمام بعض الأعين حتى ما عادت تدرك الفارق بين الغضب للنفس والغضب للحق . وضاع أثناء ذلك كثير من المسلمات الوطنية والدينية. وهكذا انتهت الأمور إلى ما لم يتصور أحد ولم يتقصده أحد من الثلة الصغيرة التي تفاكرت وتذاكرت حول تلك المذكرة ولم يكونوا آنذاك من أصحاب المناصب ولا من ذوي المراتب في الدولة ولا الحزب.
حديث الإصلاح – أمس اليوم
كتبنا في هذا المكان مراراً أن الإصلاح ودعوته ليس أمرا عارضاً . وإنما الدعوة للإصلاح هي احتساب لا ينتهي إلى أمد . وهو دأب الأمة الصالحة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتدعو إلى الخير . ولذلك لا يتوجب أن يُلام داعية للإصلاح سواء كان ما يقوله حقاً أم متخيلاً  . فلا خير فيهم أن  لم يقولوها  ولا خير فيمن قيلت له أن لم يسمعها ويأبه لأمرها. ولاشك عندي أن دوافع الشباب الذين تفاكروا حول هذه المذكرة دوافع صادقة . فهم تطلعوا إلى تغيير واسع في الحكومة لم يروه . وتطلعوا إلى مشاركة من الشباب أوسع فلم يجدوها .  وتأثروا كثيراً بحملات المناوئين والمعارضين، ولم يجدوا حملة مضادة من المؤتمر الوطني ترد دعايات المدعين وتصد افتراءاتهم . وتركوا في الفضاء الأسفيري ينافحون الخصوم دون ظهير من الحزب الكبير الذي يسمح لخصومه بالإدعاءات الكاذبة دون أن يخشوا عواقب الكذب والإدعاء والافتراء .  كما أن الشباب الذي يتطلعون إلى الصفاء والنقاء لا يرون جهداً استثنائياً كما يطمعون في مواجهة تجاوزات المتجاوزين وفساد المفسدين . ولذلك حُق لهم أن يطالبوا بإجراءات خاصة حازمة وحاسمة في وجه من يضاربون بأقوات الناس أو من يختلسون المال العام . ومن يتهربون من سداد استحقاقات المصارف وغير ذلك مما يتحدث عنه الناس بحق أو بباطل. بيد أن الشباب عليهم أن يُدركوا أن الإصلاح لا يمكن له أن يتحقق إلا بالتحلى بالوضوح والصراحة والشفافية . وفوق ذلك إحسان الظن بالقيادة التي تقود طالما لم يروا عليها طارئة انحراف أو شائبة فساد . فالتقصير جزء من طبيعة البشر والنقصان جزء من تكوينهم . وإنما يكون الإصلاح مثل شأن اليدين تغسل إحداهما الأخرى.


إنتهـــــــــــــــــــــــــــــــــي،،،

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق