الثلاثاء، 9 أغسطس 2011

دارفور ... الطريق الي الامام 4-4



كان إعتماد وثيقة الدوحة من مؤتمر كل أصحاب المصلحة في دارفور ثم إعتمادها من الإتحاد الإفريقي والجامعة العربية والأمم المتحدة مؤذناً بالمضي إلى خطوة التوقيع عليها من أطراف التفاوض . بإعتبارها خارطة الطريق لمعالجة مختلف القضايا في دارفور.  سواء في مجال عودة النازحين واللاجئين أو قضايا تطوير الخدمات ومشروعات التنمية والإعمار أو قضايا المصالحات والعدالة . وقضايا قسمة الموارد والمشاركة في السلطة ثم الترتيبات الأمنية النهائية التي تضع حداً نهائياً للإنفلات الأمني في أنحاء متفرقة من دارفور . ولئن بدا أن حركة التحرير و العدالة راغبة في المضي إلى وضع اللمسات الأخيرة على تعاهد يحول الوثيقة إلى إتفاق ملزم للأطراف إلا أن حركة العدل والمساواة كانت ولا تزال تراوح بين موقف لا يرفض الوثيقة ولكنه لا يريد أن يمضي قدماً لإعتمادها بوابة للسلام في دارفور . 

وثيقة الدوحة . الفصول السبعة

تتكون وثيقة الدوحة من سبعة فصول . أولها فصل حقوق الإنسان والحريات الأساسية وهو يؤكد على الحريات الأساسية بما لم يخرج عن وثيقة الحقوق المضمنة بالدستور الإنتقالي أو كما وردت في الإتفاقيات الدولية التي صادق عليها السودان . ولم يكن هذا الفصل موضع خلاف إلا مع حركة التحرير والعدالة الا على استخدام بعض المصطلحات .  أما حركة العدل والمساواة فأرادت إقحام بنود من إتفاقيات دولية لم يصادق عليها السودان . ولم يكن من الممكن القبول بتجاوز السيادة التشريعية للهيئة التشريعية القومية التي هي الهيئة التي أناط بها الدستور المصادقة على الإتفاقيات الدولية .

أما الفصل الثاني فهو يتعلق بالمشاركة في السلطة والتي أكد فى ِشأنها ما إتفق عليه في أبوجا من قبل لتمثيل أهل دارفور في السلطة القومية بنسبة سكان ولايات دارفور  إلى سكان سائر أهل السودان . ثم كان موضوع نائب الرئيس وتخصيص المنصب لدارفور كما خُصص من قبل للجنوب . وكان موقف الحكومة أن تخصيص منصب لأهل منطقة من دون سائر المناطق يخالف مبدأ المساواة في حقوق  المواطنة . وأن وضع الجنوب كان وضعاً إنتقالياً فرضته ظروف منح الجنوب تقرير المصير. وكان المنصب بغير صلاحيات دستورية سوى حق الموافقة على بعض القرارات الرئاسية التي يًمكن لها أن تؤثر على تنفيذ بنود إتفاقية السلام الشامل. ولكننا أوضحنا أن هنالك تفهماً من رئيس الجمهورية وهو صاحب الإختصاص الوحيد في إختيار نوابه بأن تعيين نائب من دارفور وليس لها في هذه المرحلة قد يسهم في تهيئة ظروف تُعين على معالجة سريعة للأوضاع في دارفور . وإنتقلت الحركات من المطالبة بتعيين نائب من دارفور إلى تعيين نائب من حركات دارفور.  الأمر الذي لم نجد له مسوغاً سوى الطموح السياسي لبعض قادة تلك الحركات . وكان موقفنا هو أن الرئيس هو من يحدد نوابه وعلى الأرجح سيختارهم من حزبه أو من أهل الثقة من حلفاء حزبه . أما الحركات فإن مزيداً من الوقت تحتاجه الأطراف لبناء الثقة فيما بينها الى المدى الذي يسمح بأن يؤول مثل هذا المنصب لها . وكان الأمر الآخر الذي أثار الإختلاف هو الإستفتاء حول وضع دارفور الإداري الذي كانت حركة التحرير والعدالة تريد تأجيله إلى نهاية فترة السنوات الأربع .  وأما العدل والمساواة فكانت تطالب بإقامة الإقليم بمقتضى الإتفاقية ثم الإستفتاء عليه فيما بعد . وأنتهى الإتفاق في الوثيقة الى تأجيل الإستفتاء لعام بعد التوقيع على الوثيقة في الدوحة . وإتُفق أن تُعزز صلاحيات سلطة دارفور الإقليمية . وأن ينشأ مجلس رقابي على السلطة لمتابعة أداءها وإنيط بالسلطة الإنتقالية مهمة رئيسة وهي تنفيذ الإتفاقية بالتعاون مع الحكومة الإتحادية وبمساعدة من المجتمع الدولي .

أما الفصل الثالث فكان على قسمة الموارد .  وشمل إتفاقاً على تعزيز جهود التنمية بما ضاعف إلتزام الحكومة خمسة أضعاف ما كانت قد إلتزمت به في أبوجا.  ووضع برنامج سداسي للتنمية في دارفور.  والتزمت الحكومة فيه بمبلغ ملياري دولار كما إلتزمت بدعوة المجتمع الدولي للمشاركة في هذا البرنامج من خلال الدعوة لمؤتمر مانحين لدارفور.  وأهم أولويات البرنامج هو تأسيس البنيات التحتية وإحياء المشروعات الإقتصادية والتنموية المدرة للدخل.  والإهتمام بموضوع المياه وتحسين الأوضاع البيئية في دارفور.  وشمل هذا الفصل الأمور المتعلقة بالأراضي.  وترك تفصيلها لمؤتمر الحوار الدارفوري ـ الدارفوري . كما شمل إشارة إلى بنك دارفور للتنمية الذي تؤسسه دولة قطر بمشاركة حكومة السودان وآخرين . وإنشاء بنك خاص للتمويل الأصغر بدارفور بمبلغ وقدره مائة مليون دولار مع تركيز تمويله للفقراء من النازحين واللاجئين .
الفصل الرابع يتعلق بالعودة الطوعية وتعويضات جبر الضرر ومكافحة الفقر خاصة في أوساط اللاجئين والنازحين . وشمل مشروعات إعادة التوطين وبناء قرى العودة الطوعية . فيما شمل الفصل الخامس تفاصيل المصالحات والعدالة وأسس مفوضية المصالحة والحقيقة والعدالة . لتعمل من خلال لجان أهلية ومجالس أجاويد لتسريع المصالحة في دارفور . كما أنشا المحكمة الخاصة بجرائم دارفور ونيابة خاصة وصندوقاً لمساعدة الضحايا وحماية الشهود .  وقد شهد الفصل الخامس محاولات عديدة من جهات خارج التفاوض للتأثير على بنوده . بما يمكن أن يتيح مجالاً لتدخلات أجنبية في مسار العدالة في السودان . ولكن وفد الحكومة تصدى بحزم لمثل تلك المحاولات التي إستمرت حتى الساعات الأخيرة قبل توقيع الإتفاقية بدعوى تحسين الوثيقة .

الوثيقة بين الرفض والقبول

في الوقت الذي صادفت الوثيقة فيه قبولاً واسعاً في دارفور.  وترحيباً كبيراً من المنظمات الراعية وحتى الدول المراقبة للمفاوضات ،إلا أن حركة العدل والمساواة وبتشجيع من الموقف الإمريكي الذي يميل للإرجاء رفضت التوقيع .  وكان الموقف الأمريكي يعمل بشتى السبل لتأجيل توقيع الإتفاقية رغم أنه لم يقدم أي نقد موضوعي لمحتوياتها .  وكانت حجة المبعوثين هي إعطاء مزيد من الوقت لجلب الحركات الأخرى . ولكن هذه الحجة لم تكن كافية لإقناعنا بالموقف الإمريكي ، والذي في حساباتنا كان يميل إلى النظر إلى الحالة السودانية نظرة كلية . ولا يريد أن يدفع الأمور تجاه الحلول إلا إذا كان تقويمه للحالة السودانية في مجملها موافقاً لهوى واشنطون . ولذلك لم يكن هنالك أية فائدة من الإستجابة لرجاءات الإرجاء .  لأن المبعوثين أنفسهم يعلمون أن عبد الواحد قد حدد موقفه بعدم المشاركة . وبدأ بتشكيل (بتنسيق مع ليبيا ويوغندا ) بما يسمونه الجبهة العريضة لإسقاط النظام . أما حركة العدل والمساواة المشتجرة بين فصائلها فلا يمكن لها فى الظرف الراهن أن تمضي في مشروع الدوحة للسلام وأن رغبت طالما أن زعيمها محتجز في طرابلس .  بيد أن بقاء خليل في طرابلس ليس هو المانع الوحيد.  فهنالك طائفة من قيادة الحركة تعتقد أن فرصها لقيادة مايسمى بالجبهة العريضة أفضل من فرصها في سلام الدوحة .  ولذلك فهي تتلكأ على أقل تقديرلإعادة قراءة دفتر الحسابات مرة بعد آخرى . ومن هذه الحسابات خشية الحركة أن يؤدي غموض موقفها مع واقع  الضغوط على قواتها في الميدان إلى إنشقاق عدد كبير في صفوفها.  وخاصة بعد الصراعات والإتهامات المتبادلة بين قيادات الحركة .  إلا أن الموقف الإرجائي للولايات المتحدة الأمريكية هو أكبر الدوافع لتشجيع الحركة على عدم التوقيع . وقد يتساءل المرء عن دوافع التحركات الأمريكية لإرجاء أو إلغاء سلام الدوحة . وهذه التحركات نشطت في الآونة الأخيرة دبلوماسياً لإقناع الأطراف الدولية بالموقف الإمريكي المتحفظ . كما نشطت في الإتصال بالحركات لإستخدامها في إطار الرؤية الأمريكية . فالمبعوث دين سميث كان قبل أيام قليلة في كمبالا في إتصالات رسمية وإتصالات بالحركات المتجمعة هناك . ثم إنتقل إلى بريطانيا وإلتقى حركة العدل والمساواة وربما سعى للتأثير على الموقف البريطاني الذي بدا مشجعاً للسلام الآن.  وجاء قرار التجديد لليونميد في صفة تحمل التقويم الأمريكي للوضع في دارفور وأبيي. ثم جاء بيان وزيرة الخارجية الأمريكية فلم تعد الرؤية الأمريكية بخافية ولا غامضة . وإن ظلت الدوافع والمقاصد لا يتوصل إليها المحلل بالإفصاح الإمريكي عنها بل بقراءة أهداف السياسة الأمريكية تجاه السودان والتي تخضع لمراجعة نصف سنوية على أعلى مستوى . وسوف تتحول سياسة الإرجاء الراهنة إلى موقف أمريكي تمكن قراءته والتعامل معه بعد إنعقاد الإجتماع الدوري بشأن تقويم تلك السياسة .  وفي هذا الوقت تعاظمت جهود الناشطين في جماعات الضغط للتأثير على إتجاهات السياسة نحو تبني تشجيع إسقاط النظام عبر محاصرته إقتصادياً أوعبر ضغوط دبلوماسية مع دعم التحرك في جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور. ولكن هذه الحماسة التي يبديها الناشطون لهذا الخيار لن تدفع الإدارة الامريكية تلقائياً لتبنيه. فالوضع يبدو أكثر صعوبة من هذا التبسيط السياسي. فالتجربة الأمريكية مع حكومة السودان وشعبه أوضحت أن الضغط الأمريكي يؤدي لنتائج مخالفة تجلب تأييداً كاسحاً لحكومة الإنقاذ. وهذا ما حدث عقب إعلان إتهام الرئيس البشير. كذلك فإن تبني موقفاً عدائياً للحكومة بلا رصيد شعبي مساند للمعارضين سوف يضع أمريكا في صورة الأمريكي البشع الذي يحاول أوباما تغييرها على الأقل في العالم الإسلامي والشرق الأوسط على وجه التحديد.  كذلك فإن أية سياسة أمريكية تجاه السودان لا تجد مساندة دولية فمصيرها الفشل. وخاصة في إجواء مناخ أوربي مرحب بالسلام في السودان بعد فصل الجنوب.  أما مراهنة أمريكا على تباعد صيني عن السودان بعد إنفصال ثلثي البترول وذهابه للجنوب فقد ثبت خطله.  وظلت الصين تؤكد مراراً وتكراراً على تقوية علاقاتها بالسودان بعد الإنفصال.  كذلك فإن أمريكا تعلم أن دعم الحركات لن ينجح بغير دعم قوي من دول الجوار المباشر مع السودان. وأن فرص تحقيق ذلك باتت ضئيلة بسبب الوضع في ليبيا. والأخيرة هي الممول الرئيس لضيافة الحركات واعدادها للحرب في كمبالا. كما أن تسارع تحسن العلاقات السودانية التشادية والإفريقية الوسطى يسد البوابة الغربية فى وجه الحركات أما جنوب السودان الذي يعتمد كلياً على تصدير بتروله عبر الشمال ويعاني من إنشقاقات خطيرة في كل الإتجاهات، فإن المخاطرة ستكون كبيرة في التعويل على دعمه للحركات. لأن ذلك يؤذن بالحرب من جديد. كما أنه يعني قطع شريان الحياة الإقتصادية عن الجنوب. وتلك لا تتمثل في نقل البترول وتصديره فحسب بل وفي توفير الغذاء لغالب سكان الجنوب الذين يعتمدون في غذائهم على الوارد من شمال السودان . لكل هذه الأسباب فإن التسليم بأن السياسة الرسمية الأمريكية سوف تتجه لموقف عدائي صريح سيكون أمر متعجلاً. ويتوجب على الجميع الإنتظار لرؤية إتجاهات السياسة الأمريكية الجديدة في الأسابيع المقبلة. وهذه سوف تولد في مناخ إقتصادي خانق وضربات موجعة تلقتها الولايات المتحدة الأمريكية في إفغانستان. كما تولد في مناخ إنسحاب دون مكاسب في العراق وفي مناخ الثورات العربية المتشككة في نوايا أمريكا. والمحتشدة بالمواقف العدائية تجاه إسرائيل. ولا شك أن المساعي الأمريكية المتحفظة أو المعادية ستؤذي جهود السلام في السودان. ولكن ذلك لن يحدث أبداً بالقدر الذي تتوقعه أمريكا أو يحذر منه المتشائمون الموالون أو المعارضون الحالمون . فالقدرة الأمريكية على التأثير على الحالة السودانية قد إنكمشت إلى مدى بعيد. والأوضاع السياسية والميدانية لحلفائها بالداخل لا تصنع منهم أداة قد يمكن التعويل عليها . وفي كل ألأحوال فان دفتر حسابات حكومة الإنقاذ لم يضع المدخلات الأمريكية في الشأن السوداني إلا في خانة الخسائر. وفي جميع الأحوال كان مقصد الجهد الدبلوماسي هو التوصل إلى خسائر أقل في معادلة تلك العلاقة السودانية الأمريكية. قُلت لأحد الدبلوماسيين الأمريكيين في ختام محاورة طويلة أنه مهما يكن موقفكم من السلام أو السودان فإننا تعودنا الإبحار في أمواج متلاطمة وكنا نصل إلى مرفأ آمن دائماً. فلتكن سياستكم كيفما تكون فسوف نمضي إلى ذلك المرفأ الآمن بالشعب والوطن .

                               إنتهــــــــــــــــــــــي،،،

الثلاثاء، 2 أغسطس 2011

دارفور ... الطريق الي الامام 3-4

Searchقوبل توقيع اتفاق حسن النوايا بين حكومة السودان وحركة العدل والمساواة بترحيب كبير وتغطية إعلامية هائلة على الرغم من أنه لم يشتمل إلا على إعلان نوايا كان سلوك الحركة يكذبها منذ الوهلة الأولى،ولكن الجميع أرادوا لمشوار التفاوض أن لا ينفض عند محطة الانطلاق . وتآزرت دولة قطر مع الوسيط المشترك جبريل باسولي والمبعوث الأمريكي للسودان الجنرال سكوت غرايشن على محاولة جلب الحركات إلى الدوحة مع بذل الجهود المثابرة معها لتوحيدها في ثلاث كتل تفاوضية على الحد الأعلى.

وأسفرت تلك الجهود عن تجمع للفصائل المنشقة عن حركتي تحرير السودان جناح عبد الواحد وحركة العدل والمساواة ، وتكونت بذلك كتلة تفاوضية هي حركة التحرير والعدالة. بينما ظلت حركة العدل والمساواة لا تبدي أية نية حسنة تجاه التفاوض.

أنجمينا ... الدوحة... والاتفاق الإطاري:

بيد أن هذا الوضع تغير بصورة فاجأت الجميع . وذلك بتدخل فخامة الرئيس إدريس دبي شخصياً لجمع دكتور خليل ودكتور غازي في انجمينا في محاولة جادة للتوصل إلى توقيع اتفاق إطاري. يعقبه خلال أسبوعين توقيع اتفاق نهائي للسلام . وجرت بين الدوحة وانجمينا مشاورات لوصل ما يجري في انجمينا بالدوحة . وأخطرت بصورة رسمية الوسيط المشترك بأن د. غازي بأنجمينا استجابة لطلب فخامة الرئيس إدريس دبي والذي بيذل مساعيه الحميدة للتقريب بين الطرفين غير أنه لم أشجعه على التفاؤل بنتيجة تلك المساعي الحميدة. في انجمينا رابط الرئيس دبي شخصياً لتحقيق اتفاق إطاري . وكان يتصل أحيانا بالرئيس عمر البشير لإعلامه بالتطورات أو طلب مساعدته في حل أيما استعصاء. واستغرقت تلك الجهود ثلاثة أيام لتتوصل إلى ما سمي من بعد بتفاهم انجمينا والذي ترجم إلى اتفاق بعد ذلك بأيام في الدوحة . وجرى توقيع الاتفاق الإطاري في احتفال مهيب شهده أربعة رؤساء وقوبل بتغطية إعلامية غير مسبوقة . ذلك أن الجميع اعتقدوا وفق ما ورد في الاتفاق الإطاري أن حركة العدل والمساواة ق تهيأت للتوقيع على اتفاق نهائي في مدي أسبوعين . وحسب الجميع أن ذلك التوقيع هو الذي سوف يحدث تسلسل الدمينو . ويدفع الحركات الأخرى لأن تهرع للدوحة للمشاركة والتوقيع وكانت في هذا الوقت حركة التحرير والعدالة قد بدأت التفاوض مع الوفد الحكومي ولكن على شاكلة استراتيجية الحركات في التفاوض التي تبدأ من السماك الأعلى. فلا تدري متى تلامس أقدامهم الحافية الأرض. بيد أن توقيع الاتفاق الإطاري مع العدل والمساواة أحدث دينامية جديدة في التفاوض . وحاول الجميع الحاق التحرير والعدالة بموعد التوقيع لكن حالت دون ذلك عقبات. أهمها أنه كان من الصعب على حركة مكونة من فصائل عديدة الاتفاق على أمر ما في فترة قصيرة ، فعادة ما تستغرق الحركة وقتاً أطول في تباحثها الداخلي من الوقت الذي تمكثه في مائدة التفاوض . وكان العامل الثاني الذي منع إلحاق التحرير والعدالة بموعد التوقيع هو رفض حركة العدل والمساواة الاعتراف بوجود الحركة، وبالتالي رفض مشاركتها حفل التوقيع ولو بصفة الحضور لمراسم التوقيع . وخشي الوسطاء من أن تؤدي محاولة الحاق التحرير والعدالة بالتوقيع إلى رفض العدل والمساواة التوقيع على الاتفاق الإطاري وبعد التوقيع على الاتفاق الإطاري سلمت الوساطة الأطراف مقترحاً لوقف إطلاق النار ولكن حركة العدل والمساواة رفضت التوقيع عليه ، إلا إذا أعلنت الوساطه أنها لن تمضي في تنظيم تفاوض موازٍ لحركة التحرير والعدالة. ولكن الحكومة والوساطة لم يقبلا بهذا الشرط فجاءت الحركة وأضافت إليه شرطا آخر هو تأجيل الانتخابات عن موعدها المقرر في 10 أبريل. ثم دخلت الحركة بفعل ضغوط القوى السياسية المناوئة للحكومة عليها ، وبفعل تحركات الدوائر الأجنبية المعادية في حالة من التصلب جعلها تعلن أنها سوف توقف الانتخابات ولو بإستخدام القوة العسكرية ، ثم بعد فشلها في تحقيق ذلك مع انتشار قواتها إلى مناطق عديدة في دارفور أعلنت أن الحكومة اعتدت على قواتها ثم أصدرت بياناً اتهمت فيه الوسطاء بالتحيز. ودعت إلى إصلاح الوساطة واعادة هيكلتها وادخال مصر وليبيا إلى هيئة الوسطاء . ولم تكتف بذلك بل دعت إلى تعديل التفويض الممنوح للوساطة ليشمل موضوعات قومية تشمل كل السودان. وكذلك جعل كردفان صنواً لدارفور في كونها مشكلة مشابهة لما يجري في دارفور. و فيما كانت حركة العدل والمساواة تتباعد عن مائدة التفاوض كانت التحرير والعدالة تتحرك بإيجابية بإتجاه التفاوض . مما عنى توقيع اتفاق إطاري في 23 مارس 2010 مع أمل التوصل إلى اتفاق قبل العاشر من أبريل . ولكن هذا الهدف لم يتحقق ، وعاد الوفد في الثامن من أبريل للمشاركة في الانتخابات ورفعت تلك الجولة لتلتئم من بعد شهرين. كانت خلالها مواقف العدل والمساواة تزداد تصلباً ، وكانت محاولات الوسيط المشترك والمبعوث الأمريكي لا تكل في محاولة جلب حركة عبدالواحد للدوحة دونما أية بادرة على نجاح.

اما التحرير والعدالة فقد انخرطت في سجال تفاوضي تميز بالجدية . ولذلك فقد أحرزت المفاوضات تقدماً ملموساً خاصة بعد عقد عدة لقاءات غير رسمية بين الطرفين. واتفق الطرفان علي تشجيع الوساطة علي تعزيز دور المجتمع المدني والنازحين واللاجئين و تعزيز مشاركة هؤلاء في مدخلات التفاوض. واتفقا علي أخذ توصيات منابر المجتمع المدني ولقاءات النازحين واللاجئين بجدية وادراجها في مقترحات الحلول للقضايا المتفاوض عليها بين الطرفين . وذلك لقناعة راسخة ان الذي يعطي السلام صدقيته هو القبول الشعبي من اهل دارفور لنتائج العملية السلمية . واحساسهم القائم علي المشاركة و انهم كانوا جزءاً ممن صنع الحلول . ووضعهم في وضع المشارك بدلاً عن وضع المتفرج المنتظر. ولعلها تكون تلك السابقة الاولي في مثل هذه المفاوضات التي يشارك فيها المجتمع المدني والاهلي مشاركة فاعلة في اقتراح الحلول للقضايا التي تسبب النزاع . ولربما تكون مفاوضات الدوحة قد أسست لسابقة مهمة في اسلوب حل المنازعات ليس بالتركيز علي فرقاء النزاع فحسب بل بالاشراك الفاعل للمتاثرين بهذا النزاع.

وثيقة الدوحة... اجماع اصحاب المصلحة.

أنتج هذا الأسلوب الذي يمزج بين التفاوض والتشاور توافقاً واسعاً حول كيفية مقاربة القضايا وتشخيص الحلول لها. وجري توثيق نتائج المشاورات في منبر الدوحة الأول والثاني للمجتمع المدني ولقاءات النازحين واللاجئين في الدوحة وفي دارفور ولقاءات الوسطاء مع جميع الاطراف ومشاوراتهم مع القوي السياسية الداخلية والمجتمع الدولي و أدُرج كل ذلك في متن وثيقة الحل . ولذلك لم يكن الرضي الذي صادقته الوثيقة مستغرباً لدي احد ولم تستطع الأحزاب المعارضة أو حركة العدل والمساواة أن تبدي أية معارضة لمحتويات الوثيقة لأن ذلك كان سباحة ضد تيار الحماسة الجارف للوثيقة. وشهد الشركاء الدوليون والمراقبون حالة الاجماع الفريدة علي اعتماد الوثيقة واعتبارها الأساس الذي يتوجب علي الفرقاء القبول به لحل المشكلة في دارفور. وحمُلت الوثيقة الي الاتحاد الافريقي والجامعة العربية الشريكان في الوساطة فرحبا بها ترحيباً حاراً . ثم حمُلت الي الأمين العام ومجلس الأمن وجري ترحيب مماثل بها . ورحب بها الأتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الأسلامي.و حتي حركة العدل والمساواة رحبت بها عند اعتمادها الأول في المؤتمر ثم عند اعتمادها بواسطة مجلس الأمن ولكنها كانت تريد ان تضيف اليها ملاحق لكي تكون من صانعي السلام الذي زايدت عليه كثيراً. فقد أمضي الوفد الحكومي الفترة بين 15 فبراير الي مؤتمر اصحاب المصلحة في انتظار أن تتخذ الحركة قراراً ببدء تفاوض جادٍ ولكنها مضت في مناورات أضاعت الوقت. ثم عادت للمطالبة بتأجيل المؤتمر لافساح الفرصة للتفاوض معها تلك الفرصة التي اضاعتها عمداً في ذلك الصيف . ذلك انها لم تكن مهيأة لاتخاذ قرار يجعل السلام خيارها الوحيد. فاتصالاتها كانت ببعض الدوائر في مراكز أجنبية وبالخرطوم حيث الأب الروحي وبجوبا حيث يُسرف في اعطاء الوعود وازجاء الأماني . وتلك الاتصالات كانت هي السبب ان الخطوة باتجاه مائدة التفاوض كانت عادة ما تتبعها خطوتان بعيداً عن تلك المائدة. ولم تصدق الحركة أن الوسطاء والحكومة سوف يمضون الي توقيع الوثيقة مع حركة التحرير والعدالة والتي تعرضت لضغوط أجنبية كبيرة لتأجيل التوقيع . كما نشطت حركة العدل والمساواة بمساعٍ لا أستطيع ان أسميها حميدة من البعض من الداخل والخارج في التنسيق مع التحرير والعدالة بعد توقيع اتفاق بذلك . وذلك بغرض تأجيل توقيع التحرير والعدالة لأية اتفاقية مع الحكومة حتي تقرر العدل والمساواة ومن يظاهرونها أن الوقت مناسب لهذا التوقيع.

نواصــــــــــــــــــــل،،،

الثلاثاء، 26 يوليو 2011

دارفور ... الطريق إلي الامام2-3


        تحدثنا في المقال السابق عن مشوار حركة التحرير والعدالة التفاوضي ولن يكتمل الحديث ما لم نتحدث عن المشوار التفاوضي لحركة العدل والمساواة. وحركة العدل والمساواة هي الشريك الأول في مفاوضات الدوحة. ذلك أنها هي أحدي ثلاث حركات خاطبتها الوساطة للمشاركة في التفاوض الذي بدأ  في الدوحة في يناير 2009 . والحركات هي تحرير السودان التي يقودها عبد الواحد محمد نور وهي الطفل المدلل لمجموعات اللوبي الأمريكية والغربية لأنها ليست متهمة بأنها ذات ميول إسلامية بل إن صلاتها المعلنة بالأجندة الاسرائلية تضعها في موضع تحُسد عليه من سائر الحركات الأخري. أما الحركة الثانية التي خوطبت للمشاركة فهي حركة العدل والمساواة وبينهما فصائل كثيرة منشقة عنهما بلغت في عددها عند بدء التفاوض ستاً وثلاثين حركة . بعضها مجرد لافتات او أعلانات في الشبكة العنكبوتية ولكن الجنرال اسكوت غرايشن استطاع تجميع كتلة طرابلس بالتعاون مع ليبيا . وهي ثماني حركات وكتلة أديس أبابا المكونة من ست حركات لتتكون كتلة تفاوضية أسمت نفسها حركة التحرير والعدالة.
مشوار العدل والمساواة التفاوضي
كما أسلفنا بدأت حركة العدل والمساواة المشوار التفاوضي منذ يناير 2009 وفي ذلك الوقت كان دكتور نافع علي نافع  هو المشرف علي ملف دارفور بينما كنت أقود الوفد التفاوضي. وكادت الجولة الأولي أن تنتهي الي لاشئ بسبب الروح العدائية التي جاءت بها الحركة الي مائدة التفاوض.  والتي بلغت الي إعلانها أنها سوف تسعي للقبض علي رئيس الجمهورية وتسليمه للمحكمة الجنائية الدولية. وكان ذلك الإعلان كافياً لأن تعلن الحكومة رفضها للتفاوض مع هذه  الحركة . ولكننا لم نفعل بل علي خلاف ذلك سعينا الي اختتام الجولة بصورة لا تظهر أن المنبر في الدوحة بدأ بأزمة لا تبشر باستمراره. ولم نفعل ذلك لكثير رجاء في حركة العدل والمساواة . فنحن نعلم أن دوافعها للمجئ للدوحة كانت أولا للبحث عن الإعلام الذي ترجو أن يصورها بحسبانها الحركة التي يمكن أن تصنع السلام. فالاعلام كان منشودها الأول من الحضور للدوحة . ثم ان الحركة كانت تبحث عن مقر آمن لبعض عناصرها المطالبون من الانتربول .  وكانت حجة المفاوضات هي أقوي حجه لإيقاف أوامر القبض علي هؤلاء . فالدوحة مقر مفاوضات السلام شكلت ملاذاً آمناً لبعض عناصر الحركة . ومن يستطيع أن يطالب بالقبض علي رجال جاءوا لصنع السلام. والحركة كانت في حالة تنافس مع حركة تحرير السودان التي يتزعمها عبد الواحد . وكانت تدرك أن التعاطف الذي يناله الأخير مما يسمي بالمجتمع الدولي لا يقارن بالتعاطف مع حركة متهمة أنها تمدد عسكري للمؤتمر الشعبي الأصولي الذي يقوده الشيخ الترابي. وكان الحضور للدوحة مفتاح لحراك دبلوماسي يساعد الحركة في تحسين صورتها غربياً مقترناً مع خطاب جديد للحركة تتحدث عن دولة مدنية في السودان وعن أن العلاقات مع اسرائيل ليست بتهمة لأحد.
وقد شهدت الجولة الأولي زخماً كبيراً واعلاماً ضخماً . وحضر زعيم الحركة في أُيهة الزعماء الكبار وحظي بتغطية اعلامية غير مسبوقة . ولكنه أفرط في اظهار المواقف العلنية العدائية للحكومة استرضاء لدوائر يهمه أن ترضي علي الرغم من أن اللقاءات غير العلنية مع الحكومة لم تكن عدائية بل ان بعضها كان عاطفياً. انشغل الوسطاء كثيراً بالاعلانات غير الموفقة للحركات . ووساورتهم المخاوف من اظهار أن المنبر الوليد ولد خديجاً . وأن فشل الجولة الأولي سيعطي انطباعاُ قوياً أنه يسير علي طريق منبر سرت الليبية والذي لفظ انفاسه في جولة واحدة. وعندما تشاور معنا الوسطاء حول كيفية وضع نهاية حسنة للجولة لا تعطي اشارة الفشل المبكر اقترحنا عليهم أن ننهي الجولة بتوقيع اعلان لحسن النوايا. وعلي الرغم من أن أوضح اشارات تلك الجولة هي سؤ نوايا الحركة بل سؤ مواقفها العلنية إلا اننا اقترحنا توقيع اعلان لحسن النوايا لكي تعتبر الجولة الاولي توطئة لجولات قادمة. ولم يكن موقفنا نابعاً من كبير أمل في العدل والمساواة بل لاعطاء الوقت المطلوب للجنرال غرايشن لبناء كتلة تفاوضية من شتات الحركات الأخري . ولاعطائه مزيداً من الوقت طالب به للضغط علي عبد الواحد للحضور للدوحة. وكان في منظورنا أن بناء كتلة تفاوضية يبدأ التفاوض معها أو حضور عبد الواحد أو حدوث الأمرين معاً سيجبر العدل والمساواة علي تغيير نظرتها التكتيكية للمفاوضات . وربما الانخراط بجدية في التفاوض.  وكذلك كان تقديرنا أن مجئ اكثر من حركة سينشئ حالة من التنافس علي المركز الأول والذي سوف يحرزه الطرف الذي سيتوصل الي الاتفاق اولاً. وكنا نعتقد أن محاولة الحركة الاستئثار بالمنبر تنهض علي علمها بأن حركة عبد الواحد مصممة علي عدم المجئ للدوحة. وأنه من المتعسر أن يتمكن الجنرال اسكوت غرايشن من بناء كتلة تفاوضية من الحركات الأخري قابلة للاستمرار.  وأنه حتي في حال نجاحه في ذلك الأمر فبامكان الحركة ان تفرض زعامتها علي هذه الفصائل التي كانت حركة العدل والمساواة تكن لها كثيراً من الازدراء. وافقت الوساطة على مقترح الحكومة باعداد وثيقة اعلان نوايا حسنة . ولم يكن الأمر صعباً فالاتفاقات السابقة من أبشي الي أبوجا مليئة بالنصوص التي تعبر عن حسن النوايا . ولذلك فسرعان ما جري اعداد نص جري توقيعه في احتفال كبير حًظي بتغطية اعلامية مثيرة للدهشة بالنظر الي مضمون الاتفاق نفسه . وبالنظر الي سلوك حركة العدل والمساواة قبل التوقيع وبعده والذي هو أبعد ما يكون عن حسن النوايا . وأذكر ان مندوب الجزيرة انترناشونال سألني في المؤتمر الصحفي الذي أعقب التوقيع على الاتفاق ما اذا كنت اعتبر الاتفاق اختراقاً في التفاوض Breakthrough فقلت له أنني اعتبره كسراً للجليد icebreaker   واختراقاً للجمود ولا استطيع ان أسميه اختراقاً تفاوضياً.  فحقيقة الأمر أن تلك الاتفاقية لم تكن تعدو كونها روشته للبقاء والاستمرار اكثر من كونها توطئة حقيقية لتفاوض يبشر بالنجاح. وكما أسلفت لم تجعل حركة العدل والمساواة احداً منا في شك أنها قد جاءت لتفاوض جاد فقد كنا نعلم علماً متحققاً منه أنها انما جاءت لدواعي ومقاصد لم يكن انجاح المفاوضات بالدوحة واحداً منها علي الاطلاق.
الخرطوم -  أنجمينا  وبالعكس
        عندما بدأت المفاوضات بالدوحة كانت العلاقات السودانية التشادية لا تزال تقبع في الدرك الذي تهاوت اليه منذ الهجومين علي أنجمينا وأم درمان. ولم تكن أنجمينا ينُظر اليها الا بوصفها الظهير المساند لحركة العدل والمساواة. وكان سجال كبير يدور في الخرطوم عن فائدة بذل اية جهود لاصلاح العلاقات السودانية التشادية. وكان رأي البعض أن الصلة بين حركة العدل والمساواة والحكومة التشادية غير قابلة للانفصام لروابط عائلية وللأخطار التي تواجهها أنجمينا وتدعوها للتحالف مع العدل والمساواة ولضغوط ليبيا لصالح استمرار الدعم للعدل والمساواة. ولكن المتفائلون كانو يقولون علي الرغم من كل ذلك فان هذه الرابطة قابلة للتفكيك . فهنالك عوامل كثيرة تدعو تشاد للتخلص من العبء الذي تشكله العدل والمساواة عليها . كما أن تشاد تدرك أنها وان كانت تستطيع ان تلحق الأذي بالسودان في لعبة من يستمر مدة أطول في العض الا أن قدرة السودان علي الايذاء اكبر . ثم أنه رغم العداء الطارئ بين البلدين فان علاقات تكاد تكون شخصية قد ربطت بين الرئيس عمر البشير والرئيس أدريس دبي. وكان من رأي هذا الفريق أنه لا يُجوز ان نكف عن محاولة اصلاح العلاقات. تعزز هذا الرأي باستلام دكتور غازي صلاح الدين لملف التفاوض من دكتور نافع الذي دفعه اقتراب موعد الانتخابات وشواغله العديده بالتنظيم الي الطلب من الرئيس تحويل الملف الي مسئول اخر. كان دكتور غازي عند استلام الملف يري أن محاولات توحيد الحركات لن تنجح في وقت وشيك وأن العدل والمساواة ليست في وارد تفاوض حقيقي.  ولذلك وجب التركيز في الملف علي البعد الاقليمي والبعد الداخلي من خلال بناء رؤية استراتيجية متوافق عليها بين جميع الاطراف.  وتحريك جهود متناسقة للتحرك الدولي والاقليمي والمحلي . ولما كان دكتور غازي مسئولاً عن ملف الحوار السوداني الامريكي ساعده ذلك في التحرك علي المستوي الدولي لبناء حالة حوار مع ما يسمي بالمجتمع الدولى وكانت هذه خطوة تنتقل  بالجميع من مربع المجانبة الي مربع الحوار. أما علي المستوي الاقليمي فكانت تشاد هي المستهدف الأول وليبيا هي الهدف الثاني ومصر هي الهدف الثالث واريتريا هي الهدف الرابع. وقد بدأت المقاربات في نيويورك بلقاء مع وزير الخارجية التشادي حيث كانت تشاد تشهد حواراً مماثلاً علي امكانية تطبيع العلاقات مع السودان . وعن قدرة السودان بالفعل علي التخلص من وجود المعارضة التشادية في اراضيه . وكان هنالك من يقول أن السودان غير راغب في تطبيع العلاقات وان رغب فهو غير قادر علي احتواء المعارضة التشادية. بيد أن حمائم السلام طارت و حلقت بين الخرطوم وأنجمينا . وساعدت الثقة المتبقية بين الرئيسين في انجاح المساعي بعد أن ظن كثيرون أن لا تلاقي بين السودان وتشاد الا في الميدان. شكل نجاح مساعي تطبيع العلاقات بين الخرطوم وأنجمينا دفعة غير متوقعة للتفاوض في الدوحة. وأظهرت القيادة التشادية وبخاصة الرئيس ادريس دبي حرصاً علي جمع الوفد السوداني بحركة العدل والمساواة. ولم يكن الوفد متحمساً للقاء مع العدل والمساواة غداة توقيع البرتوكول مع تشاد. ولكن التشاور بين أعضاء الوفد أدي الي القبول بلقاء استكشافي بين دكتور غازي  و د. خليل ابراهيم في أنجمينا.
نواصــــــــــــــــــــل،،،

الثلاثاء، 19 يوليو 2011

دارفور اتجاه الطريق الى الامام1-3

            شهد الرابع عشر من يوليو ٢٠١١ توقيع اتفاق بين حكومة السودان وحركة التحرير والعدالة لاعتماد وثيقة الدوحة للسلام طريقا لإرساء السلام فى دارفور. وبذلك انطوت مسيرة ثلاثين شهراً من التفاوض والتشاور الداخلي والخارجى. وكان مؤتمر كل أصحاب المصلحة فى دارفور قد أجاز الوثيقة فى ٣١ مايو الماضى باعتبارها أساسا لأية اتفاقية سلام تبرمها الحكومة مع الحركات التى ظلت تفاوضها فى الدوحة. ولم يكن من المستغرب أن لا توقع حركة العدل والمساواة اتفاقا لأعتماد الوثيقة كما فعلت صنوها حركة التحرير والعدالة. فواقع الحركة الراهن من احتجاز زعيمها فى طرابلس وانقسام القيادات خارج الدوحة الى فريقين راغب وآخر يفضل الانتظار كما اعتادت الحركة أن تفعل وضع الحركة فى منزلة بين المنزلتين القبول والرفض. فلا هى دخلت ولا هى خرجت.
فرقاء الدوحة وشركاؤها
عندما بدأ مشوار التفاوض بالدوحة كان الفرقاء كُثر فآثرت الوساطة أن تعمل على توحيدهم بما يقلل من عُسر مهمتها وعاونها فى ذلك شركاء اقليميون ودوليون كان أبرزهم المبعوث الأمريكى  للسودان الجنرال أسكوت غرايشون. وكانت ليبيا من قبل قد أفلحت فى إقناع ثمان حركات بدعم من الجنرال لكى تضم صفوفها .وحاول  غرايشون ضم مجموعة أخرى أسماها مجموعة خارطة الطريق ممن لا يفضلون الذهاب لطرابلس لإنجاز وحدتهم فى أديس أبابا .ورغم فشله فى إقناع البعضو من ضمنهم فصيل عبد الواحد فقد أفلح فى إقناع ستة فصائل اخرى. أعقبت ذلك جهود جمة بذلها الجنرال والوسيط المشترك ودولة قطر لتوحيد الجماعتين ولكن بغير طائل .وكانت هنالك دائماً حركة العدل والمساواة التى لا تعترف بأية حركة اخرى وترى أنها هى الشريك الأوحد فى منبر الدوحة. أما الفصيل الذي يقوده عبد الواحد فرغم كل الجهود لم يتحرك قيد أنُملة من موقفه الرافض للتفاوض حتى يُستجاب اولاً لجميع مطالبه التى قد يطرحها فى التفاوض.ورغم عبثية الموقف فقد وجد دائماً من يسعى اليه المرة تلو الاخرى .استغرقت الجهود لجمع شتات الحركات التى كانت ثلاثاً فى أبوجا ما ربا على العام .وانتهت الجهود الى التحام ما سمى بفصائل خارطة الطريق مع فصائل طرابلس لتتكون حركة سمت نفسها حركة التحرير والعدالة . بعدما انسلخ بعض الافراد من بعض الفصائل المكونة لها. وبقى عبد الواحد فى موقف الرفض الذى لا ىريم عنه ولا يتزحزح. وبقيت حركة العدل والمساواة رافضة لإشراك أية جماعة أخرى فى التفاوض الا تحت لوائها . بيد أنه وبعد نشؤ حركة التحرير والعدالة بقيادة دكتور التجانى السيسى سنحت الفرصة لأول وهلة لبدء العملية التفاوضية . وترافق ذلك مع نجاح جهود رأب الصدع فى العلاقات السودانية التشادية لتدخل تشاد الى دائرة العاملين من أجل السلام مع ما لها نفوذ كبير على حركات دارفور وبخاصة حركة العدل والمساواة. ولم تكن جهود الرئيس ادريس دبى ببعيدة عن علم الوساطة فقد شارك الوسيط المشترك جبريل باسولى فى الاجتماع الاول بين الحكومة والعدل والمساواة غير أنه فوجئ مع من فوجئ بسرعة إحراز الجهود التشادية لنتيجة مدوية تمثلت فى التوصل الى اتفاق التفاهم فى أنجمينا والذى أدى الى توقيع الاتفاق الاطارى بين الحكومة وحركة العدل والمساواة فى الدوحة فى 23 فبراير2010 وحسبت حركة العدل والمساواة أنها باتفاقها الذى أزمعت إكماله باتفاق نهائي خلال أسبوعين من توقيع الاتفاق الاطارى ستسد الطريق أمام مواصلة التفاوض مع حركة التحرير والعدالة التى كانت بدأت التفاوض الفعلى مع الحكومة بغير إحراز اى تقدم يُذكر. وكان تصميم الوساطة والحكومة على مواصلة التفاوض مع التحرير والعدالة فى مسار مواز هو الذى قتل حماسة العدل والمساواة فى المضى فى شوط التفاوض الذى كان الذى كان مقدرا له الانتهاء قبل موعد الانتخابات فى ١٥ ابريل. ولما لم يُستجب لطلب الحركة إقصاء التحرير والعدالة أضافت الحركة طلباً تعجيزياً اخر بالدعوة الى تأجيل الانتخابات والا ستوقف التفاوض وتعمل على منع قيام الانتخابات. وأردفت الحركة تهديدها بإعادة نشر قواتها فى مناطق عديدة من دارفور.  ورفضت الجلوس لتوقيع اتفاق وقف اطلاق النار الذى أعدته الوساطة وقبلته الحكومة . ولئن كانت حركة العدل والمساواة قد أوقفت التفاوض بغرض إقصاء حركة التحرير والعدالة فقد أدى عملها هذا الى رد فعل معاكس فى الاتجاه وسريع فى الحركة ما دفع التحرير والعدالة المهددة بالإقصاء للتحرك بسرعة لتوقيع اتفاق إطارى فى 18 مارس وبعد مضى أقل من شهر على الاتفاق الاطارى للعدل والمساواة. وكانت تلك هى التسديدة التى اخرجت العدل والمساواة من مائدة التقوس بعد ان أجهزت على أملها فى الانفراد بالمنبر وبالاتفاقية النهائية.
التحرير والعدالة  مشوار التفاوض
        يحق لحركة التحرير والعدالة أن نشهد لها وبرغم أن مشوار التفاوض معها لم يكن سهلاً ولا خالياً من المنغصات الا انها مضيت بجدية فى العملية التفاوضية . مما جعلها الشريك الاصيل فى منبر الدوحة . وعلى الرغم من كونها جاءت آخراً الا انها اختارت السلام خيارها ولم تردد كما تردد آخرون ولم تنتظر كما انتظر المنتظرون. بدات الحركة بسقوفات عالية أشعرت وفد الحكومة أنها مثل سواها تريد أن تلعب لعبة الوقت الذى يحسب حاسبوه انه يجرى لغير صالح الحكومة. وكان لها نصحاء غير خلصاء من احزاب لها أجندتها التى توظف كل مشكلة وأزمة لصالحها . وكان هناك أيضاً ناشطون من مجموعات ضغط غربية شأنها شأن الاحزاب المحلية لمآرب أخرى ومقاصد مختلفة. وجاءت وثيقة هايدلبرج التى هلل لها اصحاب تلك الأجندات الداخلية والخارجية. وكان موقفنا منها من الصرامة بمكان مما أرى الوساطة منا لم تكن تألفه أو  تعهده. كانت وثيقة هايدلبرج محاولة لوضع الحكومة موضع المتعنت الرافض للتفاوض ولكننا تجاوزنا ذلك من خلال كسر الجليد التى وضعته على مسار التفاوض بلقاء خارج مكان التفاوض . وكان اللقاء صريحاً اختبرت فيه النوايا وتقلصت الشكوك. ورغم حرص الحركة على سرية اللقاء فانه لم يكن اللقاء الاول من نوعه مع الحركات.فقد عقدت الحكومة لقاءات عديدة لم يعلن عنها مع كل الحركات بغير استثناء . لم يكن اللقاء غير الرسمى ذا وقع كبير على موضوعات التفاوض بقدر ما كإ ن ذا اثر كبير على روح التفاوض والذي انطلق من بعد فى سياق لا ينساق للمبالغات. وكان بالإمكان التوصل الى نتائج حاسمة منذ سبتمبر من العام المنصرم لولا أن الوساطة شاءت سيراً وئيداً لتتمكن من الحاق الاخرين الذين وان كادت الحكومة أن تيأس منهم الا أن الوساطة لم تفعل.وكان ذلك على الرغم من أن عبدالواحد لم يكن يرفض التفاوض فحسب بل كان يتمنع حتى على مقابلة الوسطاء. ولم تعد سهام العدل والمساواة تصوب تلقاء الحكومة فحسب بل على الوسيط والدولة المضيفة على حد سواء. ووضعت حركة العدل والمساواة عشرة شروط للعودة لمائدة التفاوض من بينها اعادة هيكلة الوساطة وابعاد التحرير والعدالة وإدخال كردفان الى أجندة التفاوض وضم ليبيا الى الوسطاء . وكانت الوساطة أيضاً بطلب من الحكومة والتحرير والعدالة وبترحيب منا لمجتمع الدولى حريصة على إيلاء دور كبير لأهل دارفور من خلال إشراك المجتمع المدنى  والأهلى والنازحين واللاجئين وجميع اصحاب المصلحة فى دارفور. ولأجل ذلك انتظم المنبر الأول والثانى للمجتمع المدنى ولقاءت النازحين واللاجئين فى الدوحة ودارفور . ولقاءات الوساطة فى دارفور ثم المؤتمر الجامع لأصحاب المصلحة.وكان ذلك لقناعة الأطراف والوساطة وشركاء السلام ان السلام الذي يمكن ان يتحقق ويترسخ هوالسلام الذى يشعر أصحاب المصلحة والقضية أن لهم قصب السبق فى امضائه وارسائه. وعلى خلاف الحكومة والتحرير والعدالة أرادت العدل والمساواة أن يكون السلام سلامها تصنعه وحدها وتكون ثمرته حلوة فى ريقها. وكما سلف القول لم يكن بيننا والتحرير والعدالة بعد سبتمبر الا مسائل قليلة جلها صياغات وتسميات تصادف مفراداتها حساسية عند هذا الطرف او عند الطرف الآخر . وظل اخر تلك التسميات عالقا حتى اللحظات الاخيرة قبل التوقيع. وفى إبان ذلك لم تكف حركة العدل والمساواة عن محاولة إيقاف التفاوض المستمر بين الحكومة والتحرير والعدالة . مرة بالضغط على الوساطة وأخري باستخدام اطراف من مجموعات الضغط الامريكية والأوربية وتارة اخرى بإبرام ما تسميه اتفاق تنسيق مع طرف ظلت مشاركته فى المنبر هى هاجسها الاول. ولم تكن الحركة فى ذلك وحدها فآخرون يسمون انفسهم شركاء السلام لم يكن بعضهم راضياً بان يتسارع التفاوض مع التحرير والعدالة لتسبق نتائجه مواقيت يريدونها سابقة لأى اختراق فى سلام دارفور. وهؤلاء مارسوا ضغوطا عديدة على الوساطة وعلى التحرير والعدالة بل لم توفر بعض جهودهم التى تدعو للإرجاء وفد الحكومة نفسها. فبعد موعد نهاية العام طلبوا مهلة لنهاية يناير ثم فبراير لإعادة العدل والمساواة وجلب عبد الواحد ثم من بعدفبراير مارس وأبريل ومايو ويونيو ولا يزالون يزعمون ان الحكومة تتعجل ولا تتريث. وأنفق هؤلاء عشرات الساعات فى الحديث لوفد الحكومة والتحرير والعدالة لا لتقريب المواقف ولكن للحكومة ان تتريث ولا تتعجل والحركة لكى تنسق مع العدل والمساواة التى يعلمون ان مطلبها الاول هو إقصاء المطلوب اليها التنسيق معها فيا عجائب الأمور. وقد يتعجب المتعجبون من جرأة العدل والمساواة فى شروطها ومطالبها وقد يعزي بعضهم ذلك الى ثقتها بالتحدى الذى تطرحه ميدانياً وليس ذلك بصحيح والأصح هو إدراكها أن مطلوباتها وان لم تكن تتطابق مع أجندة آخرين فان التأخير الذى ينجم عن ذلك يوافق مطلوبهم . وما نشهد به هنا للتحرير والعدالة انها قدمت مصلحة السلام على رضى من يرضى وسخط من يسخط.      

الثلاثاء، 12 يوليو 2011

السودان.. الاستقلال الثاني



       انخفض العلم السوداني في سارية الاحتفالات في جوبا ولكنه ارتفع في ذات الوقت كما لم يرتفع من قبل. ولم يكن ذلك بالمستغرب فان في حياة الشعوب لحظات يزداد ايمانها بالوطن وتترقي عزائمها للبذل والتضحية من أجله. فالشباب الذين زرعوا طرقات الخرطوم يوزعون الأعلام وأولئك الذي ألصقوا العلم في كل موقع من مواقع الشبكة الدولية قد  أدركوا بأحسن ما يكون العلم والأدراك المغزي من  تلك اللحظة التاريخية. فلم تكن تلك الساعة الفارقة مهمة في تاريخ جنوب السودان بأكثر منها مهمة في تاريخ السودان.  ذلك أنها ان كانت مثلت بداية مرحلة جديدة في الجنوب فأنها تمثل علامة فارقة ونقطة انطلاق جديدة للوطنية السودانية كما عبر عنها هؤلاء الشباب . ومرحلة انطلاق وتحليق للسودان الوطن الذي وُضعت عنه أسباب الحرب وأوزارها التي امتدت لنصف قرن من الزمان.
معني الاستقلال ومغزاه:
مفردة الاستقلال أصبحت مفردة معتادة حتي غاب معناها الدقيق عن كثير من الأفهام. فالاستقلال يعني التميز بالارتفاع . لأن كلمة أستقل تعني توجه نحو القلة اي القمة أو الذروة. فمعني الأستقلال هوالتخلص من حالة الركود والاخلاد الي الارض بالنهوض والانطلاق والتحليق. والشعب الذي يكبله الاستعباد أو الاستعمار او التخلف أو النزاع سيظل مقيماً بين الحفر ما لم تتولد لديه ارادة النهضة والانطلاق والتقدم. والناظر الي تاريخ السودان القريب منذ الاستقلال يدرك حجم الضرر الهائل الذي ألحقته مجموعة من العوامل جعلت من جنوب السودان عامل الاستنزاف المستمر لدماء ابناء السودان ولناتج عرقهم وكفاحهم . كما أنها كانت السبب الأكثر أهمية في توسيع شقة الخلاف بين القوي الوطنية واشعال الفتن والتمرد في كل مكان نشأت فيه فتنه او انفلت تمرد. كان التمرد في جنوب النيل الأزرق وجبال النوبة امتداداً للنزاع في الجنوب . وكذلك كان النزاع في دارفور لاسبابه المحلية او التحريض والاسناد الأجنبى . كان كل ذلك بأسباب النزاع في جنوب السودان. ولم تتوفر الارادة السياسية الكاملة في يوم من الايام لايجاد حل ناجز يبقي جنوب السودان جزءاً من وطن موحد تأتلف عزائم ابنائه جميعها علي النهوض به ولم يجرؤ أحد علي القول أن الجرح قد أصابته الغرغرينة ، ولا سبيل الي ابقائه الا بتهديد أصل البقاء للوطن كله. ولكن الانقاذ استطاعت أن تصل الي قناعة راسخة أن التداوي بما يدُرك ان لا نجاعة له عجزٌ وتفريط . ولذلك فاذا كان أهل جنوب السودان يريدون بلدا مستقلاً فليأخذوه . لأن الأوطان ليست هي التراب. فالارض تمتد بغير حدود وجدران بين الاوطان انما تكون الأوطان بأهلها. فالروابط والوشائج والأواصر وشراكة التاريخ والآلام والآمال والمقاصد هي التي تصنع الشعوب الموحدة. والوطن يصنعه المواطنون المتعايشون الذين يوطدون الصلات بينهم ويتعاونون علي البر والعمل الصالح. ولئن حزن البعض علي مقولة بلد المليون ميل فقد كان ذلك هو الوطن الجغرافيا ولكنه لم يكن الوطن التاريخ . ولم يكن الأواصر المتلاحمة ولم يكن وطن المواطنين الذين لا تُعرف بينهم المشاعر السلبية التي تغذت من التحريض العنصرى والتعبئة السياسية وحملات الدعاية الأجنبية. ولئن كان حضور أهل الجنوب الي الشمال بسبب الحروب قد قلل الي مدي بعيد من مشاعر التنافر الا أنه من الواضح من نسبة الاقتراع العالية في الشمال للانفصال ان ذلك لم يكن كافيا لبناء قاعدة كافية في هذا الوقت للوحدة الوطنية.
الاستقلال.. جوبا أم الخرطوم:
انفصال جنوب السودان ان شاء اخوتنا في جنوب السودان تسميته بالاستقلال فنحن أحق بكلمة الاستقلال . ففض هذه الشراكة الوطنية ان كان له ضرر فضرره الأقل علي شمال السودان وان كانت له عوائد وفوائد ففائدته اكبر واكثر لشمال السودان. فما عاد السودان في حاجة ان يسير بسير ضعفائه . لأن من كان يتأبط ذراع السودان اختار اذرعاً أخري ليستند عليها . واختار قبلة اخري ولغة اخري وربما ثقافة اخري(رغم انهم لم يستطيعوا الاحتفال الا باللغة العربية). ولا ندري ما جدوي هذه الاختيارات وما اذا كانت ستكون الخيارات النهائية . ولكن أهل الجنوب اختاروا الانحياز الي قيادتهم الراهنة التي تري ان التوجه غرباً لغة وثقافة خيرٌ لها . وان التوجه بالاقتصاد جنوباً أجدى لهم .  وستأتينا  وتأتيهم الأخبار قريباً عن جدوي هذه الخيارات . ولكن هذه الاختيارات نفسها هي التى تجعل خيارات السودان أسهل وأوضح فمن ترك السودان عن ميسرته ومضى سيتركه السودان عن ميمنته ويمضى. ومن يبكي علي الجغرافيا بدموع صادقة ومن يتباكي عليها بدموع التماسيح  يجب عليه أن يدرك أن السودان لا يزال وطناً من اكبر الأوطان وأنه ياتي في المرتبة السابعة عشرة من دول العالم من حيث المساحة , وأنه بات الآن اكثر تجانساً من حيث السكان والعقيدة والثقافة واللغة . وأصبح اكثر ترابطاً وإتصالاً بين أجزائه وأرجائه . وأصبح بانفصال الجنوب أرقي درجة في سلم التنمية الاجتماعية والاقتصادية بمؤشراتها المختلفة، سواء في الصحة أو التعليم او نصيب الفرد من الناتج الاجمالي، حتى أصبح البعض يتخوفون أن يخُرج ذلك السودان من تصنيف الدول الاكثر فقراً، فتتخذ بعض الدول المعادية ذلك سبباً لحرمان السودان من حقه في اعفائه ديونه، بموجب اتفاقية اعفاء ديون الدول الأكثر ديناً والأكثر فقراً. لا نقول ذلك لأننا نريد للجنوب أن لا  يحقق الاستقلال الحقيقي الذي هو التلاحم والنهضة والتنمية. لأن تحقق ذلك لجنوب السودان يصرف أعباء يمكن ان تقع علي السودان من لجؤ ونزوح بسبب فشل المشروع والدولة في جنوب السودان. ولذلك فان المساهمة في انجاح مشروع الدولة في الجنوب فوق أنه يأتي من معني الجوار الصالح فانه يأتي ايضا ترسيخا للاستقرار في الجوار الاقليمي الذي يصرف شروراً جمة يولدها النزاع وتولدها المجاعات والفقر المدقع المذل.
السودان .. البداية الجديدة
شاءت حكمة الله ان يُعلمنا أن كل لحظة يمكن ان تكون بداية جديدة . نتخلص فيها من أوضار الماضي وأوزاره . ونتحرر مما يشدنا الي الارض ويمنع تحليقنا نحو القمم . فهنالك دائماً ثانية جديدة ودقيقة جديدة وساعة جديدة ويوم جديد وفجر جديد وعهد جديد. وانما مرجع الأمر الي ارادة الانسان وعزيمته .  وبالنسبة للشعوب فان مرد الأمر الي همم الشعوب وعزائمها . ولسنا في شك ولا ارتياب من صدق عزيمة اهل السودان . ولا في تجدد رغبتهم في صناعة الحياة الطيبة التي تليق بهم وهم اهلها ومن يستحقها فلم يكن شاعرهم مبالغاً اذ يقول
يذكر المجد كلما ذكروا ×××وهو يعتز حين يقترن
فذلك شأن هذه الأمة العظيمة وأولئك هم أبناؤها الذين زرعوا طرقاتها بالاعلام وملأوا ساحاتها بهتاف الرفعة والعزة. فيتوجب أن يكون القادة هم السباقون للتعبئة الوطنية التي تحي مشاعر الانتماء والاعتزاز بالوطن . ولن يتحقق ذلك بالخطب الحماسية مهما كانت قوية وبليغة بقدر ما يتحقق  بالرؤية الثاقبة وبالتجرد الوطني وبالتعالي عن الصغائر.  وافساح المجال للافكار الجديدة الجريئة الحرة وافشاء السلام حقيقة لا مجازاً بين الناس،  بجعلهم شركاء في الأمر، عبر تعزيز الديمقراطية فكراً وأطراً وممارسة، وعبر تحقيق العدالة ، وكفالة الفرص المتساوية للجميع، بلا محاباة بسبب الانتماء الحزبي او المذهبي او العرقي او الجهوي او النوعي(جندر) . والحديث عن جمهورية ثانية لا يجب ان يكون حديث سياسة ، بل يتوجب ان يكون حديثاً عن مشروع سياسي جديد للوطن . ليس لأن مشروع الانقاذ لم ينجح بل لأنه نجح وبلغ غايته التي أراد كما يعتقد كثيرون أو لأنه لم يبلغ غاية كما يعتقد معارضون مناوئون،  ولكن في كل الاحوال لقد أصبح صباح جديد طلعت شمسه علي أهل السودان بوعود جديدة. ولابد لقيادة هذا الشعب من استجاشة العقول وتوليد الأفكار لاجتراح مسارات جديدة للنهضة . لا بوضع دستور جديد فحسب فالدستور الجديد هو خارطة طريق ليس لا ولكن نبفخ روح وطنية جديدة وعقد شراكات وطنية جديدة واعلان خطة عظمي للوطن ، تُرسم له مقاصد طموحة تضعه في المحل الأرفع الذي هو به جدير.  فهو بلد عظيم ووطن عظيم سواء كانت مساحته مليون ميل مربع أم مليون وثمانمائة الف كيلو متر مربع.

الثلاثاء، 5 يوليو 2011

الشريعة.. والنفع العام 2-2

Search أوضحنا في المقال السابق أن مقصود الشارع من تنزيل الشريعة هو تحصيل السعادة للفرد والجماعة . لتحقيق المنفعة ودفع الضرر في كل ما يؤتي وما يمتنع عنه. والشريعة التي نشير اليها هنا هي التنزيل والتخريج . ونقصد بالتنزيل ما أنشأه الله ابتداء من تعاليم واحكام وبالتخريج ما أستنبطه المجتهدون وفقاً لأدلة الأحكام والقواعد المستقاة من النصوص الالهية. وبهذين البعدين تكتسب الشريعة بعدها الالهي والانساني. فهي امشاج واستنباط من مصدر الهي لا ينضب وعين لا يُغور ماؤها ولا يفرغ إناؤها. ولئن كانت المصادر الالهية قرآناً وسنة انما انزلت رحمة للعالمين فلا يجوز أن يخالف الاستنباط والتخريح منهجها ولا ان يتجاوز مقصدها. ولذلك فان فقه الفقهاء وفتاوي المفتين واحكام الامراء والرؤساء يتوجب ان تتحري الرفق واليسر والرحمة في كل ما تفتي أو تحكم به.
الحكم لا يكون إلا للمنفعة:
الحكم مشتق من الاحكام اي وضع الشئ موضعه والحكمة هي كذلك . ووضع الأشياء مواضعها هو اتباع لسنن الله الكونية والشرعية . التي هي تحقيق للمرادات الالهية التي لا تنشد الا الحق ولا تقصد الا الخير ولا تتحري الا الجمال. فالحكم الحق هو لله وانما الانسان مسدد مقارب. يقترب باتباع المقاصد الالهية الي تحقيق الحق والخير والجمال ويبتعد بالهوي عن ذلك بقدر مخالفته للهدي الالهي وموافقته للهوي ونزغ الشيطان. وقد أجمع العلماء والفقهاء أن الدولة لم يؤمر بانشائها الا لتحقيق المصلحة والمنفعة للناس باتباع سبيل الحق. فالحاكم خليفة لله في الارض ليمُضي ارادة الله التي هي الرحمة للعالمين " يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ الله" فالحاكم مأمور باتباع الشرع لأن الشرع هو سبيل الحق. فلا يحكم بارادته الفردية بما تستثار فيها من نوازع الاهواء أو بانفعلاته المتأثرة بالمتغيرات من حوله بلا مستند الي هدي سماوي يعصمه من الوقوع في الظلم والاسراف والعبث بمقومات الحياة الاساسية. فالحاكم هو خليفة لله ونائب للأمة في تحكيم الشريعة لاقامة العدل وتحصيل المصالح ودرء المفاسد. ولايكون ذلك بمراعاة ظواهر النصوص او مقتضي القياس فحسب بل ان الأساس هو موافقة مقاصد الشارع التي هي كلها حق وعدل ورحمه واحسان. يقول الامام الراغب الاصفهاني "فمقصد الخلافه اعمار الارض بالاهتداء بالبارئ سبحانه وتعالي علي قدر طاقة البشر في السياسة باستعمال مكارم الشريعة . وهي الحكمة والقيام بالعدل بين الناس والاحسان والفضل" . وجوهر الحكم هو تحقيق صلاح العباد وعمارة الارض ووتزجية معاش الناس فيها وتحقيق التمكين عليها. ومثلُ الحاكم في ذلك مثل ربان السفينة الماهر يسوقها باتجاه القبلة التي تؤمئ اليها الشريعة ويمضي بها في المنهاج الذي تهدي اليه السنة . وهي كلها انما تؤمئ الي الفضل والرحمة والاحسان والي الرفق واللين والتسيير. واتباع مقاصد الشريعة يعني اتباع ذات المنهج واتخاذ ذات الاولويات التي رتبها الشارع لكل مسعي انساني علي ثلاثه مستويات مستوي الضرورة ومستوي الحاجة ومستوي التحسين والتكميل. وادراك المصالح الكبري ومستويات تحصيلها أمر جوهري في فقه الدين. ونحن نري كيف ضُيعت مصالح كبري ووقعت مفاسد عمت بها البلوي فتراجع الفقه من الرؤية المقاصدية الي المنهج الظاهري الشكلاني الذي يهتم بظاهر النصوص وشكول الأفعال لا مرادات الشارع ومقاصد الأفعال.
الدين لله وثمرته الانسان:
والدين هو المصلحة الكبري لأن الدين الذي هو اقرار بالعبودية لله هو الأمر الذي تصُلح به حياة الانسان في العاجلة والآجلة . وتفسد بانكاره او بالغفلة عنه حياة الانسان في الدارين. ولذلك فان حفظ الدين هو المصلحة الكبري التي تندرج في سياقها كافة المصالح الدنيوية والاخروية. والمقصود هو حفظ الدين علي مستوي الضرورة . وهو المتمثل في الايمان بالله وتوحيده وعبادته. وفي حفظ الدين حفظ لمصالح الدنيا والآخرة. ولو شئنا التعبير بلفظ آخر لقلنا أن المقصد الأعلي للمسعي السياسي عو اعلاء القيم التي جاء بها الدين. لأن الحياة النفسية والاجتماعية لا تنهض الا علي التوازن الذي لا يفلح في اقامته الا شريعة الدين الحكيمة لأنه لا افراط فيها ولا تفريط . والمقاصد الكبري التى تأتي بعد حفظ الدين هي حفظ قوام الحياة الانسانية في حفظ النفس وحفظ العقل وحفظ النسل وحفظ المال . وهي تهدف جميعاً الي التنمية الانسانية والي صيانة انسانية الانسان والرقي بها لتكون في أحسن تقويم وأفضل صحة وعافية وأتم أمنٍ ورضي. كما تهدف الي حفظ العقل الانساني وتنميته بتأكيد اصالته وحثه علي بذل غاية الوسع لاكتشاف معاني الكون والحياة وصولاً به الي توحيد الله. كذلك فان من تمام الانماء الانساني الحفاظ علي استمراره بحفظ النسل ليُولد ويستمر قوياً معافاً قادراً علي صنع الحياة الجديدة. ووسيلة الانسان في ترقية حياته المادية هو المال الذي بصيانته وحسن توجيهه يتحقق اعمار الارض . وتكثر ثمارها وتتبارك خيراتها لتكون زاداً طيباً لانسان مؤمن بربه واثقٍ بنفسه معتمداً عليها ومتوكلاً علي الله.
مقصد الشرع تنمية الانسان:
الغاية من المسعي السياسي في نظريات التنمية السياسية ليبرالية او ماركسية هى تحقيق الحرية مفهومها الأشمل وزيادة مشاركة المواطن في السلطة السياسية وتحقيق المساواة بين المواطنين. وعلي المستوي الاقتصادي تحقيق أعلي درجات الاستهلاك والاشباع المادي. ويعتبر هذا المقصد محور عمليات التنمية السياسية والاقتصادية وجوهرها بل ومؤشرها الذي من خلاله يمكن قياس تقدم مجتمع ما من تأخره. ولا شك أن هذا المقصد قاصر ناقص لأنه لا يجُيب عن السؤال الأهم و هو هل يحقق الاستهلاك والاشباع المادي السعادة الانسانية. ان السياسة الشرعية انما هي سياسة شاملة متوازنة . تسعي لتحقيق السعادة وفق رؤية ايمانية توحيدية تحقق الرضي المعنوي والروحي والمادي. ولا تتحدث عن اشباع كامل للحاجات الدنيوية فحسب بل تصل بين منافع الدنيا والاخرة وتجعل الدنيا سبيلاً للاخرة. فمقصود الشرع هو تحقيق الحياة الطيبة الكريمة بمراعاة مقاصد الشارع في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال ورعاية مستويات هذه المصالح من ضرورة وحاجة وتحسين سبيلاً الي انماء الانسان بتحريره من اهواء النفس وضغوط الضرورة والحاجة وتعدي واستبداد الاخرين. فتكون الحرية و المساواة بين الناس في ظل الشريعة ثمرة لذلك. وتكون حرية الناس وتساويهم في عبادة الله هى الضمانة من عبودية بعضهم لبعضهم الآخر.
التحرير من الضرورة:
ليس ثمة ما يستعبد الانسان مثل ضرورته و حاجته الماسة لقوام حياته مطعماً أو أمناً او مأوي او ملبساً أو صحة. وتحرير الانسان ليكون سيداً علي أمر نفسه وعابداً مخلصاً لربه انما يكون بتحريره من العبودية للضرورة وللحاجة الماسة التي تلجئه للخضوع لسواه من البشر. والضرورة كما يقول الامام الحرجاني في تعريفاته مشتقة من الضرر وهو النازل بما لا مدفع له. بهذا المعني الضرورة هي فوات أصل لا يُستغني عنه يترك فواته الانسان الفرد او الجماعة في تهديد وخطر ومشقه. فالانسان اذا خاف علي هلاك نفسه او نسله أو ضياع أصل ماله او فوات مصالحة التي لا يستنغني عنها خضع و ذل مضيعا بذلك مصالحه وكرامته في آن واحد. ومن واجب الدولة ومسئولية الحاكم أن يحفظ للمحكومين افراداً وجماعات مصالحهم ويدرء عنهم المفاسد والمضار . ويصون حريتهم وكرامتهم الانسانية. والضرورة هي الحاجة التي لا يستغني عنها. واما ما يسميه اهل اللغة والفقه بالحاجة فهي الاحتياج الذي يُوقع فقدانه في المشقة والحرج. ولأن الفارق بين المشقة الشديدة وخوف المهلكة والمشقة المرهقة فرق لايستبان في كل الأحوال فقد أنزل غالب الفقهاء الحاجات منازل الضرورات . والحاجة تنزل منزلة الضرورة لأن الرحيم لا يمكن أن يترك الانسان حتي تلجئُه المشقة للهلاك ليهب الي نجدته . بل الرحيم هو الروؤف الذي يأبي العنت والمشقة تُصيب أخاه الانسان. ولأن مطلوب الشريعة من التنزيل والتخريج هو تحقيق الرحمة بالانسان فان "الحرج مرفوع شرعاً" وهذه قاعدة فقهية ذهبية تقف الي جانب قاعدة فقهية ذهبية أخرى هي "لا ضرر ولا ضرار" فليس مقصود الشارع بحال من الأحوال وضع المشقة علي المكلفين بل مقصوده بخلاف ذلك رفع الاصر والمشقة، وازالة الشدة والعنت عنهم "لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ." فمن شاء ان يكون حاكماً علي سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم فذلك نهجه صلى الله عليه وسلم وتلك سنته وأما المشدودون علي الناس فقد فارقوا الشريعة وخالفوا السنة وأبتعدوا عن مراد الشارع الحكيم الرحيم.
خاتمة:
قديماً قيل أن آفة الأخبار رواتُها و أما آفة الفتاوي فهم فقهاء أخفقوا في ادراك أن الشريعة رحمة مهداة ونعمة مسداة. وأن المراد منها هو اسعاد الانسان في الدنيا ليسعد في الآخرة لا اشقاءه في الدنيا ليسعد في الآخرة. واذا كان واجب العلماء أن يسعوا الي أنسننة الفتاوي بمعني ابتداء النظر دائماً بحال الانسان بقصد اعمال التكاليف الشرعية سبيلاً الي تحسين حياته، فان ذلك واجب الدولة و على الحاكم أوجب من ذلك . لأن شأن المحكوم في ذمة الحاكم كشأن اليتيم في ذمة الكافل . فعليه أن يبذل غاية الوسع لرفع المشقة والعنت عن المحكومين بتحري الرفق والتيسير فانه بذلك متبعٌ لشريعة الله مهتدٍ بسنة رسوله صلي الله عليه وسلم الذي "ما خير بين أمرين الا أختار أيسرهما" فيسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا فبذلك وحده يقوم الدين وتستقيم الحياة.

الثلاثاء، 28 يونيو 2011

Searchالشريعة.. والنفع العام 1-2

Search يدور سجال برلماني وأعلامي هذه الأيام حول مسألة الأقتراض بفائدة للتعويض عن عجز موارد الدولة للاستجابة لحاجات ماسة لقطاعات واسعة من الشعب . سواء كانوا فلاحين أو عمال أو مستهلكين لاحتياجات ضرورية مثل الماء والكهرباء والدواء والانتقال والتعليم والتسليح. والسؤال الذي يتجشم الجميع الأجابة عليه بأجابات متفاوتة ليس هو فحسب الي أي مدي يذهب المسؤولون في تفسير مقتضي الضرورة والحاجه لاباحة اقتراض الدولة بفائدة من الدول والمنظمات الدولية الأخري. فهذا السؤال ليس بجديد فالشريعة من لدن تحكيمها في العام 1983م وقبل ذلك كانت تعتبر الاقتراض بفائدة غير جائز. وان خالف في ذلك مخالفون معظمهم علماني وقليل منسوب للفكر الاسلامي. بيد أن الدولة ظلت تقترض بفائدة ومستندها الحاجه التي لا يُستغني عنها لمثل هذه القروض. وظل الاسلاميون يختلفون علي ذلك بحسب مدارسهم الفكرية ومواقفهم بين التشدد والمرونة أو التعصب والترخص. بيد أن هذا السجال يشير الي قضية أكثر أهمية من موضوعه لأنها أكثر عمومية . وهي قضية الالتزام بالشريعة هل هي قضية معللة بالنفع الذي تجلبه الشريعة أم أنها مسألة عبادة غير معللة سواء أبصر الناس بالمنافع أو عميت عليهم فأن الالتزام بالشريعة أمر عبادة محضة شكلية ولا يرد عند تطبيق الأحكام الشرعية ما اذا كان مآل التطبيق الي النفع او الضرر.
الشريعة.. لماذا شرعت:-
الأجابة علي هذا السؤال ستلقي ضوءاً كاشفاً علي مجمل الموضوع قيد النظر. ذلك أن سؤ القهم أو نقصه لمعني الشريعة ولمراداتها سبب لالتباس كبير في فهم أحكامها. فالشريعة هي المقتضي العملي للدين " شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ" فمقصد الشريعة هو اقامة الدين أي نقله من المثال المتصور الي الواقع المعاش وتحقيق الوحدة ثمرة لتحقيق الدين في الواقع. وخطاب الشريعة متوجه للانسان لأن مرادها تحقيق الرحمة له " الرَّحْمَنُ . عَلَّمَ القُرْآنَ . خَلَقَ الإِنسَانَ . ‏عَلَّمَهُ البَيَانَ" والقران هو كتاب الله الواحد القديم في اللوح المحفوظ الذي علمه للملائكة. وطلب من الملائكة أن تعلمه للرسل . وعلم الانسان طرق الابانة والافصاح ليتمكن من فهم الرسالة. فالله سبحانه وتعالي خلق الانسان ولم يتركه سدي بل هداه النجدين بالفطرة الموسومة في وجدانه وبالهدي المتنزل اليه عبر المرسلين. ومراد تنزل الدين بالشرائع هو رحمة بالعالمين " قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ" فالشريعة جاءت لاقامة الدين والدين انما أنزل تعهداً ورعاية ورحمة بالانسان. وترقية لحياته العاجلة والآجلة " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ " لأن شريعة الله هى منهاجه للحياة الحقة الكريمة اللائقة بكرامة الانسان لدي ربه سبحانه وتعالي. فالشريعة هي المنهاج الذي يؤدي الي حقائق الدين . والدين الحق هو السبيل الأوحد لادراك حقائق الحياة وتحقيق السعادة فيها. فالشريعة والدين هما رحمة بالعالمين وكذلك الانبياء والمرسلون " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" والاجابة علي السؤال أصبحت واضحة لأن الشريعة انما شُرعت لتحسين حياة الانسان فرداً وجماعة . وتحقيق مصلحته ومنفعته ورفع الاصر والحرج والمشقة عنه . وهي بخلاف الرهبانية التي هي بدعة انسانية أنشأها التشدد في الدين فجعلت من المشقة والعسر والحرج مركباً الي الرضوان الالهي وليس ذلك لها بسبيل. وإن كان رسولنا صلي الله عليه وسلم قد أخبرنا أنه لا رهبانية في الاسلام لأن رهبانية الاسلام هي الجهاد فأنه لا تزال طائفة من المسلمين يسلكون ذات سبيل الذين اثروا التشدد علي النفس وعلي الغير سبيلا الي رضوان الله . وما عملوا أن رضوان الله أقرب منالاً بالرحمة والاحسان لعياله أخوانهم في الانسانية . فالخلق جميعاً عيال الله ومن جعل دأبه أن يرحم خلق الله ويحُسن اليهم دخل في ثلة المصطفين الاخيار.
النفع العام.. ماهو ؟
الشريعة بما تقدم من قول هي حاجة للانسان وليس لله فيها حاجه . لأن الناس جميعا لو كانوا علي قلب أفجر رجل منهم ما نقص ذلك من ملك الله من شئ. فمقصود الشريعة هو منفعة الانسان والنفع انما يكون خاصاً وعاماً . والنفع العام مُقدم علي النفع الخاص لأنه منفعة الانسان لا تتحقق إلا في اطار منفعة الجماعة. ولا غرو أن خطاب القرآن جله موجه للجماعة باستخدام النداء " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا" فالجماعة المتوحدة بالايمان هى مناط الخطاب بالتوجيهات والتكاليف . وأما معني النفع العام public interest فهو يشير الي ما يحقق الرفاه العام أي ما يُذهب خوف الانسان من العجز عن حماية نفسه أو نسله او أهله أو تحصيل رزقه " أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ" ولا شك أن المعني المشار اليه ههنا معني واسع . ولذلك فهو يحتمل الاختلاف في معني ما يجلب الراحة والاطمئنان والسعادة للناس. وما يسبب الضيق والمشقه والخوف والتعاسة لهم. ثم أن السؤال يرد عن العدد المطلوب لاعتبار النفع نفعاً عاماً . وهل لابد أن يستغرق المعني كل فرد من المجتمع أم أن شمول طائفة مقدرة من المجتمع يمكن أن يسمح باستخدام مصطلح نفع عام. والأرجح أن الاشارة الي النفع تعني كل المجتمع اذا تعرض أفراده للظرف المتعلق بالمنفعة المشار اليها . كما يشمل السواد الأعظم والجمع الغفير ايضاً وان لم يقع تحصيل المنفعة من جميع أفراد المجتمع . مثل أن يُقام سد لتوليد الكهرباء ينتفع منه ملايين من الناس ولكن ملايين آخرون لا يحصلون تلك المنفعة فأنه يجوز أن تقول أن ذلك يحقق النفع العام. ومفهوم النفع العام يكاد يدخل في كل شئ من الحياة المعاصرة من اقامة الدولة نفسها لتحقيق المنافع العامة عبر التشريعات والسياسات والمؤسسات الي مفاهيم تنظيم الحياة السياسية والاقتصادية لدرء المفاسد وجلب المنافع العامة.
والشريعة كما قدمنا مقصدها تحقيق المنافع للانسان فرداً وجماعة . ووسيلتها في ذلك تهذيب سلوك الافراد والجماعات وتنظيمه ليصب في تحقيق مصالح الجميع . وسبيلها الي هذا التهذيب هو التربية والتشريعات العامة والسياسات العامة واقامة السلطات والمؤسسات. فالتوجيه الشرعي والقانون الشرعي والسياسه الشرعية هي تلك التي يكون الناس بسببها أقرب للصلاح وأبعد عن الفساد. والمصلحة والمنفعة مفعلة من النفع . والصلاح وهو كون الشئ علي هيئة كاملة بحسب ما يراد ذلك الشئ له . مثل القلم يكون علي هيئة المنفعة للكتابة لأن الكتابة هي ما يرُاد القلم له لا الزينة للجيوب والمدية تكون علي هيئة المصلحة للقطع  لأن ما يراد بالمدية هو القطع . والمدرسة تكون علي هيئة المصلحة للدراسة لأن ما يرُاد من المدرسة هو التدريس. وجلب المنافع ودرء المضار والمفاسد لا نعني به قدرة الناس على تحصيل ما يرونه منفعة لهم بل لابد من موافقة تلك المنفعة لمقصود الخلق والخالق في آن واحد لكي تكون مصلحة أو منفعة شرعية أو مشروعة. فليس كل ما يراه الانسان نافعاً له هو نافع له في الحقيقة . فلربما أعتقد البعض أن حصوله علي التبغ للتدخين منفعة مقدرة وهي ليست كذلك في منظور العقل والشرع . وكذلك قد يعتقد البعض أن ممارسة الرياضة بها منفعة له وهي كذلك في ميزان العقل والشرع ولكن الافراط في ذلك يجعل المنفعة تنقلب الي ضدها . ولذلك فان المقدار له اعتبار في تقدير المصالح مثلما للنوع اعتبار. ومقصود الشريعة أن تهدي مقاصد الناس لتوافق مقاصد الشارع. ذلك أن الانسان لا يؤمن اعتماده بالكامل علي تحكيم العقل في تقدير المنافع في كل الاحوال . فكثيرا ما انفك عقال الهوي من العقل الراشد فقاد الأفراد والجماعات الي ما تسؤ عقباه. ولا نحتاج الي سياقة البراهين علي هذا الأمر فهو مشهود لكل انسان في ممارساته الشخصية وفيما يري من سلوك الافراد والجماعات والحكومات والدول. الذي كثيراً ما تنكب سبيل المنطق السليم والحق القويم فقاد الناس الي فساد كبير " وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ" وانما يتبع الناس اهواءهم لاعتقادهم الخاطئ. أنها تؤدى الي تحصيل المنفعة و تحقيق السعادة. كما يعتقد المدخن أنه يحصل متعة التدخين ويعيش لحظات سعادة وهو يجذب وينفث الدخان الي ومن صدره الي الفضاء العريض.
ولكن اعتبار المنفعة هو المبدأ الذي يقبل أو يرفض أي فعل بحسب التوقع أنه يعُزز أو يعوق تحصيل السعادة للفرد والجماعة . ولا نحتاج الي تعريف السعادة فهى حالة الاطمئنان والرضي والانشراح التي يلقاها الانسان في وضعه وفي نفسه بتحقق أمر مُعين. ولكن الشعور بالسعادة لا يتطابق مع تحصيل المنفعة أو المصلحة بل قد يسعد الانسان بما يضره أحياناً " وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ " ولذلك فان تطابق هداية الشرع وهداية العقل في تحصيل المنافع أمر لابد منه للتيقن من أن مآل الأمر الي نفع وصلاح.
نواصــــــــــــــــــــــــــــل،،،،،